أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

في زياراتي لبعض المتقدّمين في السنّ، أصحّاء ومرضى، ألمس تحسّراً على الحالة التي وصلوا إليها، وأسىً ضمنيّاً،

يجد له تعبيراً بين الحين والآخر على الشباب الذي مضى من غير رجعة، تزيده الوحدة التي يعيشون فيها.
في الشيخوخة يصير الإنسان وجهاً لوجهٍ أمام الموت. يصعب عليه تغييبه، فجسده الواهن يذكّره بغروب حياته وإمكانيّة انطلاقه في أيّ وقت. هذا قد يقوده إلى يقظة روحيّة تهيئُه للحياة الأبديّة، أو قد يضربه باليأس والإحباط.
تساعد الصحّة، في سنّ الشباب، الإنسانَ على التهرّب من مواجهة الموت. الفسحة التي يوفّرها له شبابه تدفعه إلى إغراق ذاته في متطلّبات الحياة، فيُغيِّبُ الموتَ. هذا لا يعني أنّ الموت ينساه، فهو كلصٍّ في منتصف الليل يأتي في أيّ وقت وفي أيّ سنّ.
من هنا يحيا المؤمن في يقظة روحيّة تساعده على أن يكون مستعدّاً لمواجهة الموت متى أتى. شعاره وصيّة الربّ الإنجيليّة "اسهروا لأنّكم لا تعرفون متى يعود ربّ البيت" (مر35/15). السهر في الإنجيل يعني اليقظة، الوعي الدائم، عدم التهرّب من المواجهة... ينصح القدّيس أنطونيوس الكبير تلاميذه أن يستقبلوا النهار وكأنّهم لن يروا غروب الشمس، وأن يناموا وكأنّهم لن يروا شروقها. المقصود واضح: وهو أن يسلكوا وكأنّهم سيقابلون وجه الله بعد قليل. هذه اليقظة تجعل الإنسان مقيماً في الاستقامة والفضيلة والخير على الدوام. وإذا ما زلَّ فإنّه يسارع ليقوم من سقطته تائباً ومصلحاً خطأه.
شعار المؤمن: "مستعدّ قلبي يا الله، مستعدّ قلبي" (مز56/7).
الشيخوخة في تراثنا المسيحي الشرقي مباركة، لأنّها تعطي الإنسان فرصةً ليحيا في سلام من محاربة الشهوات التي تتلطّف حِدَّتها بتقدّم العمر. وإذا ما كان يقظاً روحيّاً في سنّ الشباب، فإنّه يَنْعَمُ بصفاءٍ داخليّ قلّ من اختبره وهو في سنّ الشباب.
إلى ذلك يصبح الشيخ مصدراً للحكمة والمشورة والبَرَكة. فالحكمة تتراكم وتصفو وتظهر في الشيخوخة. فتَخَلّي المتقدّمين في السنّ عن الركض وراء متطلّبات الحياة اليوميّة يمنحهم فسحةً للتأمّل في حياتهم المستقبليّة والنظر في الحياة ومعناها بعامّة على ضوء ما اختبروه في شبابهم، فيميّزون بين الغثّ والسمين، الدائم والعابر، الضروري والنافل... يصبحون مرجعاً لأفراد عائلتهم ولمعارفهم.
كم لعب الأجداد والجدّات من أدوارٍ هامّة ومفصليّة في حياة أولادهم وأحفادهم!! لذلك يقول المثل الشرقي: "من ليس عنده كبير فليأتِ بأرومة شجرة ويضعها في البيت"، للدلالة على أهميّة حكمة الكبار وفائدتها وبَرَكتهم.
أمّا في المجال الروحيّ، فلا شيء يعيق الشيوخ عن الصلاة والدعاء، فيمسون مصدر بركة حقّة لكلّ من يحتكّ بهم. فهم، إذ قد عبروا بحر هذه الحياة المالح، على ما تقول أدبيّاتنا الروحيّة، باتوا مستعدّين للانطلاق إلى الحياة الأبديّة. استعدادهم هذا يمنحهم سلاماً ونعمةً وصفاءً يحتاج إليها الأبناء والأحفاد. لا تفارق السِبحة أيدي بعض الشيوخ. إنّهم يدعون لكلّ من يعرفونه بعامّة، ويذكرون في صلواتهم أبناءهم وأحفادهم بالاسم بخاصّة. في صلاتهم بركة يختبرها ويثمّنها ذوو الحسّ الروحي من أفراد عائلتهم.
لا أنسى سيّدةً متقدّمةً في السنّ اعتادت أن توقفني لدقائق طويلة حاملاً المناولة الإلهيّة، منتظراً إيّاها لتذكر جميع أولادها وأحفادها شخصاً شخصاً أمام جسد الرب ودمه، في كلّ مرّة أحملها إليها إلى البيت. ما أعظم هذه البركة!!
*****

بات الشيوخ في بلادنا بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الاهتمام والرعاية في هذه الأيّام الصعبة. فبعد أن فقدنا العائلة الكبيرة، وتوزّع سكننا في شقق متباعدة، واستنْزَفَنا العمل الطويل، أتت المحنة الأخيرة التي نجوز فيها لتدفع الشبيبة إلى الهجرة، ليصير أهلوهم وحيدين، ما مَنْ يفتقدهم أو يهتمّ بهم.
ذهبت لأفتقد مريضاً منذ فترة، فاستقبلتني زوجته بقولها: "طقّ قلبنا يا سيّدنا. لم يطرق بابنا أحدٌ منذ ثلاثة أيّام!". أذكر هذه الحادثة التي أثّرت فيّ كثيراً، ودفعتني للاستعجال في البدء بمشروع أكبر بكثير من طاقة الأبرشيّة، أخبركم عنه قريباً. لكن هذه الحادثة تدعونا جميعاً إلى التفكير الجدّي بوضع المتقدّمين في السنّ، الذين باتوا يعانون من الوحدة والوحشة والحاجة إلى الرعاية أكثر من ذي قبل بما لا يُقاس.
اعتدنا أن نهتمّ بالمعوزين وهذه خدمة فاضلة ويجب أن تستمرّ. لكن الأوضاع الحاليّة تتطلّب أن نوسّع دائرة الاهتمام ونطوّرها لتشمل المعوزين وغير المعوزين ممّن باتوا بحاجة إلى الافتقاد الإنساني والدفء العائلي. تفرحهم زيارةٌ ولو سريعة، واطمئنانٌ عن صحتهم، وسؤالٌ عمّا يحتاجونه ولو كانوا بلا عَوَزٍ.
ثمّة واجبٌ علينا جميعاً أن نولي هذه الشريحة عناية خاصّة في هذا الزمن الرديء. يكفيهم الأسى والحزن العميق على فراق أولادهم لهم.
ماذا يمكننا أن نقدّم؟ مجموعات لديها من الوقت لتخصّصه لزياراتٍ افتقاديّة منتظمة. تنظيمٌ لفرز مجموعةٍ من الشباب، ولو بأجرٍ، تؤمّن لهم حاجاتهم اليوميّة. مكالمتهم بالهاتف بشكل منتظم ودوري للاطمئنان عليهم. تشكيلُ أخويّاتٍ أو لجانٍ تتابعهم وتهتمّ بإقامة نشاطات ترفيهيّةٍ وروحيّةٍ لهم، من موائد محبّة، لقاءات متنوّعة، رحلات قصيرة... هذه مجرّد أمثلة عمّا يمكننا تقديمه، باعتبارنا كنيسةَ الله: عائلتَه، لهؤلاء الذين لا يليق بهم إلا كلّ المحبّة والاحترام والكرامة.
علينا أن ندرك أنّ الزمن بات يتطلّب خدمات يمكن للأغنياء والفقراء أن يقوموا بها، إنّها خدمات تتطلّب قلباً عامراً بالحبّ والعطف، لا جيباً مليئاً بالنقود. وإذا ما احتجنا إلى بعض المال في هذا المجال فيمكن تأمينه بسهولة من أولاد المخدومين المهاجرين.
لنتذكّر بأنّنا جميعاً سائرون إلى هذه المرحلة العمريّة، إن أعطانا الله العمر. تقول قاعدة المحبّة: إنّك تُحَبّْ بقدر ما تُحِبّْ. فكيف إنْ كنتَ مؤمناً بالذي قال: "من سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماءٍ باردٍ لأنّه تلميذ، فالحقّ أقول لكم إنّ أجره لن يضيع"(متى 10/42).