أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

لست، من حيث المبدأ، مناصراً لوضع المتقدّمين في السنّ في دور خاصّة بهم مهما اختلفت تسمياتها، لكنّني، من حيث الواقع، لست ضدّها بالمطلق.

لا أتمنّى لأحد أن يدخلها إلا في الحالات القصوى، حين تنعدم إمكانية أيّ رعاية بيتيّة عائليّة للمتقدِّم في السنّ. لكنّنا إزاء تغيّر المجتمع والأخلاق وظروف العمل وتزايد الهجرة والعزوف عن الزواج ووفرة الأرامل والمترمّلات، لا يمكننا أن نغضّ الطَرْف عن الوحدة التي يرتمون فيها مرغمين، وعن سوء آخرتهم.
انطلاقاً من هذا الواقع باتت الحاجة ماسّة إلى البدء بتأسيس دائرة تُعنى بشؤون العائشين في الوحدة وتتآكلهم الوحشة الإنسانيّة. كما بات تجسيد عائليّة الكنيسة أمراً ملحّاً لا يمكن التهرّب من متطلّباته، بالتذرّع بأعذار أقلّ ما يُقال فيها إنّها واهية.
من معاناة هؤلاء نشأت فكرة مشروع: "#دار #المحبّة #للمتقاعدين". إنّه بناء قائم على فلسفة تقول بضرورة تأمين سكنٍ للمتقدّمين في السنّ يؤمّن لهم الاستقلاليّة ويحفظهم في شركة اجتماعيّة وإنسانيّة. والأهم أنّه لا يشعرهم بأنّهم في دار العجزة ينتظرون، بعيداً عن أفراد عائلتهم، دورهم في الرحيل عن هذه الدنيا.
يُجرَّب المسنّ بكآبة العيش نتيجة شعوره بقرب دنو أجَله لأنّه بات في أواخر العمر، تنهشه الوحدة ويقضّ مضجعه البرد الناجم عن غياب الدفء العائلي.
يعيش من بلغ سنّ التقاعد، وفق هذا المشروع، في شقق سكنيّة صغيرة، متجاورين مع أمثالهم، ولهم في السكن فسحةٌ يتشاركون فيها المسامرات والزيارات والنشاطات متى أرادوا.
إنّه سكنٌ يؤمّن، من ناحية أولى، الاستقلاليّة التي لا يستطيع الإنسان الحالي أن يتخلّى عنها، ومن ناحية ثانية، الشركة التي يموت جفافاً إذا ما حُرِم منها.
يتألّف البناء من طوابق ستة مبدئيّاً، قابلة للزيادة إذا ما ضُمّ الطابقان الأوّلان إلى المشروع، في حال نجاحه لاحقاً. يحوي الطابق الواحد ست شقق سكنيّة بمساحة خمسة وخمسين إلى ستين متراً مربعاً. تتوزّع الشقّة على غرفتَي نوم ومعيشة ومطبخ ومنتفعات وشرفة صغيرة. كما يوجد في كلّ طابق صالون كبير بمساحة ثمانية وثلاثين متراً مربّعاً. الصالون مصمّمٌ بزوايا جلوس ثلاثة، وموضوع في خدمة ساكني شقق الطابق، ليكون فسحة لقاء بينهم من جهة وبينهم وبين زوّارهم متى كثروا من جهة أخرى.
يتطلّع المشروع، في حال نجاحه، إلى تأمين الخدمات المعيشيّة اللازمة، كأعمال النظافة وتأمين المستلزمات المعيشيّة اليوميّة وصولاً إلى وجبات الطعام الممكن توفيرها في قبو البناء. بالإضافة إلى الرعاية الروحيّة التي يوفّرها كاهن مفروز لهم والرعاية الصحيّة من المركز الطبيّ الموجود في الطابق الأرضي.
يؤمّن هذا المشروع الاستقلاليّة والشركة في الوقت ذاته، إلى جانب الاطمئنان والأمان وعدم الشعور بوحشة الحياة الفرديّة القاتلة. وهو إلى ذلك، مشروع نموذجي لاستثمار الأوقاف بالطريقة المثلى، أي تحويلها إلى مشاريع ذات طابع خدماتي واستثماري.
فسكّان هذا البناء يأتونه مستأجرين. يمكنهم تأجير بيوتهم التي باتت كبيرة عليهم، ويدفعون بدل إيجار إقامتهم في المشروع، بالإضافة إلى مساهمتهم في توفير الأجور اللازمة للخدمات العامّة التي يشتركون فيها.
أمّا من لا يسمح له وضعه المادّي بتأمين تكاليف الإقامة فيه، فتنظر لجنة مختصّة في أوضاعهم في سبيل تأمين هذه الخدمة لهم. من المفترض أن يعوّض الدخل الوارد من القادرين بعضاً من لوازم غير القادرين. هذا أمر يُنظر فيه في وقته.
لا يزال الطريق أمامنا طويلاً لتحقيق هذا الحلم، إذ إنّي أرجو أن أقول بعد أن تكتحل عيناي بتحقيقه: "الآن أطلق عبدك أيّها السيّد بسلام". المهمّ أنّ البداية تمّت، وأظهر لنا الله بركة لم نكن نحلم بها. فعندما بدأنا بالطابق الأوّل (الخامس في البناء الحالي) لم نكن نملك ممّا ادّخرناه من مساعدة أبرشيّتنا الأنطاكيّة في أميركا الشماليّة سوى ما يؤمّن لنا الأعمال البيتونيّة لطابق واحد مع أعمدة الطابق الذي يليه. لكنّ الله الذي يرعى الجميع، الذي "يُطلع شمسه على الأشرار والأخيار، ويُمطر على الأبرار والفجّار" (متّى5/45)، لمس قلوب الكثيرين من إخوتنا المؤمنين في تلك الأبرشيّة الأخت، أولئك ثمّنوا هذا المشروع عالياً ودعمونا فأنهينا، خلال سنة ونصف، كلّ الأعمال البيتونيّة.
ترى البناء الآن "على العضم" شامخاً وضامّاً أحد عشر طابقاً. يضمّ، الطابق الأرضي، مستوصفاً خيريّاً، منذ العام 2006، ومركزاً للعلاج الفيزيائي منذ العام 2010. بينما يضمّ الطابقان التاليان، منذ العام 2008، سكناً لطالبات الجامعة يتسعّ لخمسين طالبة، يمكن ضمّهما إلى المشروع في المستقبل، في حال نجاحه.
توقّف العمل في بداية هذا الشتاء، بعد انتهاء الأعمال البيتونيّة وإغلاق معظم الجدران الخارجيّة. لا يزال شعارنا تلك الكلمة الكتابيّة الرائعة "إنْ لم يبنِ الربّ البيت فباطلاً يتعب البنّاؤون" (مزمور127/1). لقد لمسنا يد الربّ حسيّاً في كل أعمالنا وفي هذا المشروع بخاصّة. أمّا الآن، بعدما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فنحن ننتظر المرحلة الجديدة عندما تتوفّر الإمكانات الماديّة اللازمة له. كلّنا ثقة بأنّ الربّ الذي "بدأ فيكم عملاً صالحاً سيسير في إتمامه" (فيلبي 1/6)، كما عوّدنا بواسطة أصفيائه الغيورين. الكنيسة كنيسته ودورنا كمؤمنين أن نكون أداة صالحة وطيّعة في يده، ليوصل محبّته ورعايته عبرنا.