أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

ثمة نصّان لبولس الرسول يجدر بنا التوقّف عندهما، ونحن على أعتاب الصوم المبارك، فالكنيسة لا تقرأهما في آحاد التهيئة للصوم عبثاً.

يرد في النصّ الأوّل القول التالي: "إنْ كان بعض الطعام سبب عثرة لأخٍ، فلن آكل لحماً أبداً لئلا أكون سبب عثرةٍ لأخي" (1كو8/13). سياق الكلام هو الجدال الحامي الذي جرى بين مسيحيي مدينة كورنثوس آنذاك. فلحم الأضاحي المقدَّم للأوثان كان يُباع في السوق بعد انتهاء مراسم العبادة في المعابد الوثنيّة. فاختلف المسيحيون بين من يراه صالحاً للطعام بحجة أنّ آلهة الأوثان غير موجودة، ومن يراه نجساً يُحرَّم أكله. أتى جواب بولس الرسول ليتخطّى الحلال والحرام ويضع النبرة الأهمّ على المحبّة التي تبني. فأجاب وإنْ كنّا لا نعتقد بالوثن، لكن ثمّة إخوة إيمانهم ضعيف قد يتشكّكون إذا رأوا أحداً من المؤمنين يشتري من ذاك اللحم. الحَكَم هنا يقضي بألّا نشّكك الإخوة. المحبّة التي تبني تتجاوز منطق الحلال والحرام، لتصل إلى بناء الإخوة.
النصّ الثاني: "الطعام للبطن والبطن للطعام، والله سيبيد هذا وذاك" (1كو6/13)". والمراد به هو نصح المؤمنين بألّا يختلفوا حول الأمور الفانية أو التي ليست الهدف. ثمّة أمور في حياتنا، على أهميّتها، وسائل تساعد على تحقيق الهدف. العبرة هنا إذن: انتبهوا لئلّا تجعلوا الوسيلة هدفاً.
يجدر بنا، ونحن ندخل زمن الصوم المبارك هذا اليوم، العودة إلى مفهوم الصوم ومكانته وضرورته. لا ننسينَّ أنّه وصيّة إنجيليّة صريحة. فمحاولات التحلّل منه لا تنفع. الذهنيّة الأرثوذكسيّة لا تبرّر التحلّل من الوصيّة عند مواجهة ما يعيق تنفيذها، بل ترافق المؤمن شخصيّاً بغية مساعدته كي ينمو روحيّاً من جهة أولى، ويبلغ إلى خلاصه من جهة ثانية.
توضع قواعد الصوم للأصحّاء روحيّاً وجسديّاً. أمّا غير القادرين على اتّباع القواعد بدقّة فيتدرّجون، بإرشاد الأب الروحيّ، بما يناسبهم ليترقّوا في نموّهم الروحي وصولاً إلى الهدف. غير أنّ القاعدة صارمة بخصوص الامتناع القطعي عن اللحم خلال الصوم. الأمر شبيه بوليمة غداء. لا تقدِّم مائدة الحفل طعام المستشفيات، بل تزخر بأصناف مختلفة، ويتناول كلّ مدعوّ ما يناسب صحّته منها. لا يستعفي أحد من الطعام عندما يتوفّر ما يناسبه.
ارتكاز الصوم على الطعام لا يعني أنّه مجرّد استبدال أطعمة بأخرى، على أهميّة ذلك. الصوم رحلة روحيّة، أو قلْ خلوة مع الله طويلة، نلملم ذواتنا فيها ونعيد الاهتمام بالباقيات التي قد أهملناها خلال السنة المنصرمة. نهتمّ في زمن الصوم بتغذية نفوسنا بما ينفعها لتكون أكثر قرباً من ربّها. لذلك ينقطع المؤمنون إلى ممارسة أعمال الفضائل والمحبّة والاستزادة من الروحيّات، تساعدهم الصلوات المرافقة لهذا الزمن الخشوعيّ، وكذلك القراءات الكتابيّة والروحيّة وأعمال المحبّة المتنوّعة.
إنّه زمنُ جهادٍ روحيّ. فإنسان اليوم المرهق عصبيّاً والمتعب صحيّاً والمكتئب نفسيّاً بحاجة ماسّة إلى التزوّد بما يشحنه بالرجاء والأمل والفرح. ضيق الحياة الدنيويّة يرميه في اليأس ما لم ينفتح على عالمه الحقيقي: حياته مع الله وفيه. اقتصار اهتمامات الإنسان على قضايا حياته الدنيويّة يرميه في فراغ قاتل، ويجعله تائهاً في هَوَسِ الركض وراء كلّ جديد. وبمقدار ما يركض يشعر بالمزيد من الفراغ يدفعه إلى ركضٍ أكثر.
ما من شيء يُشبع الإنسان مثل التحرّر من هموم الحياة اليوميّة، خاصّة وأنّ ثقافة عصرنا الحاليّ عقّدتها بشكلٍ أَوهمَ الإنسان بعجزه عن مقاومة الكثير ممّا تبرزه له باعتباره أساسيّاً لا غنى عنه، والحقيقة أنّه نافل. هذا النمط من العيش يستهلك الإنسان المعاصر ليرميه بعد ذلك في السأم وعدم الرضى، وفي سعيٍ يحفّزه ليستزيد من أساليب معيشةٍ تستعبده أكثر فأكثر. إنّه كالواقع تحت تأثير المخدِّر، ما أنْ يستفيق منه حتّى يسارع إليه.
ولأنّ الإعلام الفائض مؤذٍ كالسعرات الحراريّة الفائضة، يُعتبر التخفيف من استعمال التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعيّة من أساسيّات الروح الصياميّة. كذلك التسليات الصالحة وارتياد المطاعم، وذلك لاستبدالها بالتفرّغ للالتصاق بالله وبما يغني حياتنا معه وفيه. اليقظون روحيّاً ينتبهون إلى التضحية بما اعتادوه وأحبّوه في سبيل توفير ما يخدم أبديتهم وإخوتهم المعوزين.
بعض المؤمنين يمتنعون عن الحفلات الاستماع إلى الموسيقى في بعض أسابيع الصوم ليخصّصوا مزيداً من الوقت للصلاة. وقد بدأ بعضهم يتنبّه إلى خطر تبديد الوقت في الدردشة الإلكترونيّة وتقصّي الأخبار المتفرّقة التي تزول سريعاً من الذهن لعدم أهميّتها، فلجأوا إلى تقنين استعمال هذه البرامج على هاتفهم الجوّال. ليس من قاعدة محدّدة تسري على الجميع. المهمّ أن يضع المؤمن برنامجاً يساعده على التحرّر ممّا وعى نفسه عبداً له. الالتزام ببرنامج شخصيّ محدّد أمر شديد الفائدة. لا تترك نفسك على السليقة لئلا يستلمك إبليس.
يبقى إدراكُ مسألةِ أنّ الصوم ليس مجرّد امتناعٍ أمرٌ أساسيّ جدّاً. ليست العبرة في الامتناع، بل في استبدال الاهتمامات. أمتنعُ عمّا هو صالح لأطلب الأصلح، عمّا هو مفيد لأطلب الأكثر فائدة. إذا اقتصر الصوم على الامتناع فسيكون فعلاً سلبيّاً. أمّا إذا ترافق الامتناع بالانفتاح على نمط حياة أخرى فذلك سيصيّره إيجابيّاً، وتالياً بنّاءً لحياةٍ مُحيية.
وعيُ الصوم مسيرة روحيّة متّجهة إلى الفصح اللامع أمرٌ شديد الأهميّة، ويفرحك أن ترى تباشيرها هنا وهناك. أن يدخل المؤمنون إلى عمق الصوم وروحه، ولا يحصروه باستبدال أطايب طعاميّة بأخرى لأمرٌ يدعو إلى البهجة. من المغني والمفيد لنا أن نتعاطى والصوم بفرح التائقين إلى لقاء وجه الحبيب، والعارفين بأنّ حياتهم الأبديّة هي الباقية.
يبقى الصوم مجرّد "ريجيم" إن لم يزدنا من محبّة الله والسلام الداخلي والتيقّظ إلى الحياة الأبديّة.