أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

ثمّة انحرافٌ في أذهان الكثرة من المؤمنين بات شديد الخطورة: إنّه تحويل الكنيسة من كيان خلاصيّ إلى مؤسّسة اجتماعيّة أو خيريّة.

شبَّه المسيح كنيسته بالكرمة حين قال: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان: من ثبت فيَّ وأنا فيه يُثمر كثيراً، أمّا بدوني فلا تقدرون على شيء" (يو15/5). ماذا أراد أن يقول لنا من خلال هذا التشبيه؟ أوّلاً، إنّ العلاقة بين الربّ والمؤمنين هي علاقة عضويّة، كيانيّة، أي أنّ المؤمن عضو حيّ في جسد المسيح الحيّ. نذكّر بأنّ تعريف الكنيسة في رسائل بولس الرسول إنّما هي "جسد المسيح". تتحقّق هذه العضويّة، هذا الاتّحاد، بممارسة الأسرار الإلهيّة: المعموديّة والميرون والإفخارستيا بالأخصّ.
وثانياً، إنّ المؤمن يغتذي من المسيح مباشرة، كما أنّ الغصن في الكرمة يغتذي من نسغها في ساقها الأصلي. ما يعني في الواقع أنّ مصدر الاتّحاد بالمسيح والثبات فيه والإثمار المرجو تالياً هو بالمسيح وبنعمته وحضوره. ما يؤكّد أنّ وظيفة الكنيسة الأولى والأساس إنّما تكمن في تثبيت المؤمن في هذا الاتّحاد وتغذية نموّه فيه بشكل دائم بواسطة الأسرار الإلهيّة واستدعاء البركة السماويّة على الجماعة الكنسيّة.
وثالثاً، يجعل الجسدُ الواحد جميع الأعضاء كياناً واحداً، أو ما نتداوله في أدبنا الكنسي، عائلة واحدة. ما يعني أنّ ما يصيب عضواً ما يؤثّر على سائر الأعضاء. ثمّة وحدة كيانيّة بين أعضاء الكنيسة، إذا لم تظهر في احتضانهم بعضهم بعضاً، يعني أنّ ثمّة أزمة أو خلل في واقع هذا الكيان أو العائلة أو الجسد، وهي الكنيسة.
أتساءل دائماً: لماذا نبادر عفوياً إلى الوقوف إلى جانب قريب لنا بالجسد (أخ، نسيب...) عندما يقع في مشكلة ما، ولا نتحسّس لإخوتنا في المسيح عندما يقعون في المشكلة ذاتها؟ هل دم القربى الذي يجري في عروقنا أهمّ عندنا من دم المسيح الذي يجري أيضاً في عروقنا جميعاً، نحن الذين نتّحد به صباح كلّ أحد؟ أم أنّنا نسارع إلى نجدة قريبنا بالجسد لاعتبارات اجتماعيّة وعائليّة لا بدافع محبّة شخصيّة مشاركة له في آلامه ومتعاطفة معه؟
تكاتف العائلة الواحدة يجعل الجسد متيناً قوياً يملك مناعة أقوى تجاه الأمراض على أنواعها. هذا ما يجب أن تكون عليه الكنيسة في واقعها الأرضي، هذا هو المثال الذي نرجوه كلّنا. لذلك كان التضامن في ما بين الإخوة انعكاساً طبيعيّاً لعضويتهم في الجسد الواحد. ما كان المسيحيّون الأوائل يعتبرون الكنيسة إدارة ومؤسّسة قائمة بحدّ ذاتها وهم مجرّد مساهمون فيها بما يخصّهم وبما يريدونه منها، وتالياً تقتصر علاقتهم بها على ما يحصّلونه منها من خدمات واحتياجات!!!
بعد انتشار المسيحية كان لا بدّ من تطوّرٍ في إدارتها وتنظيمٍ لشؤونها. وهذا ما حصل منذ العصر الرسوليّ في القرن الأوّل. ارتبط سرّ الإفخارستيا والمشاركة في جسد الربّ ودمه بالتعبير الفعلي المحسوس في ما بين جميع المؤمنين، فنشأت طبيعيّاً خدمة الموائد، أي مشاركة جميع المؤمنين في تناول الطعام وتأمين المقتدرين منهم لما يحتاجه المعوزون.
ولأنّ الرسل وجدوا أنّ خدمة الموائد تأخذ من وقتهم وجهدهم على حساب خدمة كلمة الله، بكلام آخر طغت خدمة الأمور المعيشيّة على الخدمة الروحيّة، قالوا: "لا يحسن بنا أن نترك كلمة الله لنخدم على الموائد" (أع6/2). فبادروا إلى إنشاء مجموعة مختصّة بخدمة الموائد. وتابعوا القول: "فابحثوا أيّها الإخوة عن سبعة رجال منكم لهم سمعة طيّبة، ممتلئين من الروح والحكمة، فنقيمهم على هذا العمل، ونواظب نحن على الصلاة وخدمة كلمة الله" (أع6/3-4). وهكذا نشأت خدمة "الدياكونيّا"، التي عُرفت في ما بعد بخدمة الشموسيّة.
ما ترجمة هذا التعليم في واقع الكنيسة اليوم؟ ثمّة جماعةٌ مخصّصةٌ لخدمة الصلاة وما يتعلّق بالنمو الروحي للمؤمنين، وجماعات أخرى مخصّصة للخدمات المعيشيّة التي نسميها اجتماعيّة أو خيريّة والأفضل في لغتنا الكنسيّة أن نسمّيها "خدمة المحبّة" في لغة اليوم.
في خضمّ الضيق الذي يلمّ بنا جميعاً اليوم من جرّاء ما تعانيه بلداننا من محن ومآسٍ، باتت الكثرة من المؤمنين تتعاطى مع الكنيسة كمؤسّسة دنيويّة محض، وهنا الخطر، مغيّبين وظيفتها الأساسية بالكليّة. صار دور الكهنة في أذهان الكثيرين محصوراً في المساعدات الماديّة. بات قلائل هم الذين يتعاطون والكنيسة باعتبارها المطرح الذي يقودهم إلى الله والذي يمدّهم بالتشديد والتعزية والقوّة الروحيّة اللازمة لهم لمتابعة حياتهم وتهيئتهم للحياة الأبديّة.
أعمال المحبّة نتاجٌ طبيعيٌّ لمحبّتنا لله والإخوة. ما لم تكن هكذا تصبح الكنيسة جمعيّة إنسانيّة لا أكثر. تعاطٍ كهذا يقزّمها لتصير كغيرها، ويحرم البشر من أهمّ مصدر روحيّ يمدّهم بالمعنى والقوّة والتشديد، ولا يستطيعون العيش من دونه.
المطلوب منّا أن نغيّر ذهننا ليتوافق مع ذهن الإنجيل لا العكس. أن نعدّل قناعاتنا لتكون قناعات إيماننا، لا العكس. هذا لا يعني أنّ الجماعة الكنسية قد تكون مقصّرة هنا وثمّة، لا بل لا مبالية أحياناً، وقد تكون مرتبكة ومبلبَلة أحياناً أخرى. هذا كلّه ضعفٌ يواجهها في أيّ وقت، وفي أيّام الشدّة بالأخصّ، حين تتخطّى الطلبات الإمكانات المتوفرة.
أفرح عندما أسمع، ونادراً ما يحدث هذا، شكراً على خدمة معيشيّة استطعنا تقديمها لإخوتنا. من يشكر عادة يكون بحاجة حقّة لهذه الخدمة، وأنت تفرح لأنّك استطعت تأمينها له. لكن فرحك يكون أوفر عندما تسمع شكراً لله الذي لا يزال يقوّينا بوجود كنيسته التي تمدّنا بالغذاء الروحيّ. "لا تعملوا للطعام الذي يفنى، بل اعملوا للطعام الذي يبقى فيصير حياة أبديّة" (يو6/27). "من له أذنان للسمع فليسمع"(مر 4/9).
#المتروبوليت_سابا_إسبر