أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

س: تقول في كتابك "كلمات من القلب" الصفحة 63: "لأن ضعف الحياة الروحيّة العائليّة يجعل العائلة أكثر هشاشة كما يجعلها قابلة للانكسار بفعل أيّ لطمة".

إلى أيّ حدّ يجب التركيز على تنمية الروحيّات في حياة الإنسان، وخاصّة العائلة حتّى تصبح قادرة على تجنّب الأزمات؟
ج: الضعف الروحي لدى العائلة هو لبّ مشكلتها للأسف. الاهتمام بأكمله أو بمجمله منصبٌّ على تنشئة الأولاد لِما يُعتَقَد بأنّه التنشئة الفضلى للحياة الأرضيّة: طعام، رياضة، دراسة... إلخ. أمّا البعد الروحي أو الأُخروي، وأعني به أنّ المسيحي يحيا على هذه الأرض كي يتابع حياته الكاملة في ملكوت السماوات. هذا الذي نسمّيه "اللاهوت الأُخروي"، غائب كثيراً، وهو ما نحتاج إلى أن نركّز عليه في تنشئة أولادنا منذ الطفولة.
كانت لي بركة لقاء الناسك باييسيوس(+1993)، وقد أُعلنت قداسته منذ سنتين. زرته في منسكه في العام 1988، وطرحت عليه بعض الأسئلة، ومن بينها كان هذا السؤال: "كيف يستطيع الإنسان المسيحي أن يحيا التوبة الكيانيّة التي يتحدّث عنها آباء الكنيسة؟ فنحن غالباً ما نتوب عقليّاً؛ عندما أخطئ أدرك على صعيد العقل، لا الكيان، أنّني أخطأت وارتكبت عملاً أو فكراً لا يليق، فأخاطب الله وأطلب الغفران وأعده بألّا أكّرر الخطأ وأجتهد لئلا أكرره. ولكنّني أفعل هذا كلّه على مستوى العقل فقط. كيف أستطيع أن أعيشه على مستوى الكيان، أعني تلك التوبة المليئة بالدموع والتي تغير قلب الانسان من الداخل؟ ابتسم لي، وأتى جوابه صادماً. سألني عمّا إذا كان أهلي في طفولتي يصلّون قبل الأكل وبعد الأكل؟ استغربت وقلت للصديق المترجم لعلّه لم يفهم السؤال أو أنّك لم تترجم بدقّة؟ فأجابه قبل أن ينقل له طلبي قائلاً إنّه في الحقيقة فهم السؤال ولكنّه سأل سؤاله هذا لأنّه إن لم ينشأ الإنسان في بيت تَقَوي لا يقبل الأهل فيه تناول الطعام أو القيام عنه إلا بالصلاة، فمن الصعب جداً أن يصل إلى المستوى الذي يطلبه.
من هنا ندرك أهميّة البيت. فكلّ ما يحصّله الإنسان من الفضيلة أوالرذيلة يأخذه من البيت. لذلك التربية الروحيّة هامّة جدّاً.

س: يقول لنا الربّ يسوع في إنجيل يوحنّا: "الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحوّل إلى فرح". الفكرة الأهمّ التي نريد السؤال عنها، ماذا تقدّم الكنيسة والربّ يسوع للإنسان المتألّم؟
ج: يقدّم الكثير: أولّ شيء يتألّم معه. قد يصدم هذا المفهوم الكثيرين، لأنّ الفكرة الشائعة تقول إنّ ربّنا منزّه عن كلّ شيء. لكن "الله محبّة " والمحبّة تشعر بالمحبوب. الله يتألم مع الإنسان. طبعاً لا يتألم بطريقتنا بل بطريقة تفوق قدرتنا. وهذا الكلام ليس رأياً شخصيّاً، بل للقدّيس مكسيموس المعترف من القرن السابع الميلادي، والذي يكتشفه الكثيرون من اللاهوتيين المعاصرين الذين يبحثون عن أجوبة على الألم والمشاكل والحروب والمجاعات والمآسي التي رافقت القرن العشرين.
نحن نؤمن بالمسيح المصلوب والقائم، المسيح المتألم والقائم في الوقت نفسه. وجه يسوع كما يعبّر عنه أحد اللاهوتيين المعاصرين "دامِ وقائم". يستخرج الإنسان طاقةً من الألم، إذا ما واجهه بإيمان حيّ وحبّ للرب وسعي جدّي إلى خلاص نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه. يهديه الله كي يكتشف في قلب معاناته دعوةً، ما كان قادراً على اكتشافها لولا الألم. يوجد الكثيرون ممّن اختبروا ما أتكلّم عنه، لكن هذا طبعاً يتطلّب علاقة محبّة قوية مع الله، لا علاقة إيمانيّة عقلانيّة، تكتفي بمجرّد الاعتقاد بوجود الله.
نحتاج إلى أن نخرج من المستوى العقلي للإيمان، وهذا لا يعني أن نصبح لا عقلانيين، لكن علينا ألّا نبقى محدودين بهذا المستوى، بل ننتقل إلى المستوى الحيّ، المستوى الاختباري الحيّ. هذا هو الإيمان الحيّ.
أعرف سيّدة كانت في رعيّتي عندما كنت كاهناً، سيرتها مذهلة. أرملة ربّت أولادها الشباب الأربعة بكثير من الصعوبات وبمحبّة كثيرة للربّ. لكن هؤلاء الشباب رقدوا بالربّ واحداً تلو الآخر. بُعَيدَ وفاة ابنها الأخير أتت إحدى صديقاتها لزيارتها، فاشتمّت رائحة البخور في البيت، فقالت لها بنوع من التأنيب: "أتستمرين في تبخيره وأخذ لك كلّ أولادك". فأجابتها تلك السيّدة بلهجة حازمة: "إذا هو تركني أنا ما بتركه". هذا هو الإيمان الحيّ. لذلك التربية الروحيّة مهمّة.
س: ما هو السبب الأساسي لنشوء الأزمات؟
ج: الخطيئة. خطيئة الإنسان هي دائماً السبب لأنّ الشرّ ثمرة الخطيئة. يقول الكتاب المقدس: "إذا حبلت الخطيئة ولدت موتاً". الأزمة تراكم الخطايا والأخطاء والشرور، لذلك عندما تخفّ الخطايا تخفّ الأزمات. باختصار شديد، هذا يتم على الصعيد الشخصي وعلى الصعيد العام وعلى صعيد الجماعات وعلى صعيد الشعوب وعلى صعيد الدول.
س: ورد في قصّة الأعمى منذ ولادته في الكتاب المقدّس، أن المسيح يُسأل عمَّا إذا كانت الخطيئة من أحد أبويه؟ فيجيبهم ليس عماه بسبب خطيئة أحد أبويه بل لتظهر قدرة الله فيه. ما المقصود بهذا الكلام؟
من المهم جدّاً هنا أن نفهم ما المقصود بقدرة الربّ، لأنّ معظم الناس يعتقدون بأنّ القدرة الإلهية هنا هي كون الله قادراً على أن يعميه أو يبرأه، بينما قصدُ المسيح هنا أنّه الآن سيشفيه، فيظهر مجد الله فيه. ما يعني أنّ المسيح، حتّى في هذا الحوار الهامّ والحسّاس، لم يعطِ جواباً منطقيّاً، بل عمليّاً: هذا إنسان متألّم وأنا أتيت لأزيل الألم عنه، أتيت لأعطي الحياة.
(يتبع)
#مقابلةإذاعيّة_مع_المطران_سابا_اسبر، راديو "كيفو"، صيف 2018