أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

س: هنالك حالات من الآلام النفسيّة والجسديّة المأساوية جدّاً. ثمّة فتيات تعرضّن للاغتصاب، أمّهات ولدن أطفالاً مصابين بأمراض خطيرة، شباب التحقوا بالخدمة العسكريّة خلال هذه الحرب وفقدوا أعضاءهم وأناس خسرت أحبابها.

إذا كان الله يريد الخلاص للجميع، لمَ لا يتدخّل ويمنع آلام كهذه من الممكن أن تسبّب انعدام الإيمان أو فتوره لدى بعض المؤمنين؟
ج: لطالما سئل هذا السؤال على مدى حياة الإنسان وتاريخه، فلم توجد ديانة أو فلسفة إلّا وطرحته. ومع ذلك ما من جواب قاطع لأنّه كما سبق وقلنا إنّ الجواب اختباري. علينا أن نختبر الشيء لنخرج منه بنتيجة حسبما واجهناه. أنا يعجبني جداً جواب المسيح الذي أعتقد أنّه الجواب الأفضل والأجمل. لم يهتمّ المسيح بأن يعطينا جواباً على سؤال لماذا، لماذا الشرّ، الألم، المرض، الحروب... إلخ، نرى في الكتاب المقدّس الكثير من الأجوبة، ولكن لم يكن همّ المسيح محصوراً في إرضاء فضولنا الفكري، بل ببساطة، رأى مريضاً فشفاه، رأى مخلّعاً فقوّمه، رأى ميتاً فأقامه وأحياه، رأى جائعاً فأطعمه... في اعتقادي، إنّ مشاركة المتألّم تشكّل معظم الجواب على هذا السؤال، إذا لم نقل كلّه. "مشاركة المتألم"، هذا هو دور الكنيسة ودور المؤمنين، أن نشاركه، نتعاطف معه، نساعده، ندعمه، نعزّيه، نُشعِره بأنّه ليس وحده.
ورد في رواية قرأتها مؤخراً لكاتب موسيقى فرنسي أصيب بالعمى لمدّة عشر سنوات، وعاد بصره مرّة أخرى، فقام بتأليف كتاب يتحدّث فيه عن هذه الخبرة، جامعاً فيه لقاءاته مع الكثيرين من الذين فقدوا بصرهم مثله. يتكلم عن بائع متجوّل فقير جدّاً وكبير في السنّ، فيخبره التالي: "عشت خمسين عاماً في هذا الحيّ ولم يذكر أحد اسمي يوماً. أنا لست إنساناً له اسم، بل أنا حالة. أنا "الأعمى"، كما يشار إليّ. عندما كنت شابّاً في مثل عمرك كانت الحاجة إلى العاطفة تنهشني بشدّة، فكنت أذهب إلى المبغى حتّى أزني، لأنّ هنالك، على الأقلّ، من يلمسني. لم أكن أريد هذا من أجل الجنس بل من أجل أن يلمسني أحد، أن يشعر بي. و لكن مع الأسف يمكنك شراء اللذّة الجنسيّة بسهولة بالمال، و لكن التلامس العاطفي والإحساس هذا لا يمكن دفع ثمنه و شراؤه، لذلك كنت أمقت أولئك النساء البغايا لأنّ ذلك كان مجرّد عمل بالنسبة إليهنّ". أليس هذا دليلاً واضحاً على مدى حاجة الإنسان إلى الإحساس بالمشاركة.
أعتقد أنّ هذا هو الجواب الأهمّ والعمليّ الذي قدّمه المسيح: أن نشارك المتألمين. بالطبع، تختلف كيفيّة المشاركة ونوعيّتها من شخص إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى. ولكنْ، هذه هي رسالة الكنيسة اليوم وعليها أن تركّز عليها أكثر من أيّ أمر آخر.

س: نلاحظ تقصيراً من بعض الخدّام والكهنة في احتواء المعذّبين في بلادنا. ما هو السبب وكيف يمكن أن نتفاداه وأن نحتويهم أكثر؟
ج: هذه هي خطيئتنا للأسف لأنّنا لم نُنَشَّأ، في بيوتنا منذ طفولتنا على حسّ المشاركة. للأسف، مجتمعنا يربّي على الأنانيّة وحبّ الذات والاستهلاكيّة. لذلك ترانا عندما نكبر، ولو كنّا مؤمنين ولدينا دور في الكنيسة سواء رعاة أو كهنة أو رهبان أو خدّام، نقوم بخدمتنا بكلّ صدق ونحن فاقدون، إلى حدّ كبير، هذا الحسّ بالمشاركة الذي هو أهم من الخدمة أو العطيّة التي نقدّمها لأيّ محتاج. هذا يحتاج إلى تربية. أنا اليوم أرجو وأتمنّى أن يعيد كلّ الرعاة تربية أنفسهم أوّلاً، ورعاياهم من بعدهم، على إدراك هذا الأمر. كما على الأهالي الاهتمام أكثر بتربية أولادهم منذ طفولتهم على أهميّة المشاركة والعطاء. لطالما اتّهمنا الغرب بأنّه مجتمع فاسق وملحد، ولكن في الحقيقة هنالك وجه آخر في الغرب. أعرف الكثير من الكنائس التي تنمّي هذا الحس عملياً، وأضرب مثالاً في حثّهم الأطفال، خلال فترة الصوم، على جمع أغراض من ممتلكاتهم وتجميعها بغية تقديمها إلى أطفال يحتاجونها في إفريقيا والبلدان الفقيرة. يتعلّم الولد وهو طفل أنّ صومه لا يكتمل إذا لم يوفر من مصروفه الشخصي للمحتاجين. هذه الثقافة غير موجودة عندنا.
دعيني أخبرك عن كاهن اسمه هنري بولاد، يسوعي من مصر يروي في أحد كتبه عن ابنة أخته المتعلّقة به والتي تحبّه جدّاً. يقول إنّه، بناء على رغبتها مسبقاً، أحضر لها دراجة هوائية في عيد ميلادها الثامن. كانت فرحة جدّاً بالحصول على هداياها الكثيرة، كما هي أجواء العائلات الميسورة. فرحت كثيراً بهديته لها، لكنّه فاجأها بقوله إنّه يرغب في أن تكون هديّته لها هذا العام أن تقوم هي بإهداء هذه الدراجة لإحدى صديقاتها التي كانت بحاجة لها ولا يسمح وضع أهلها المادّي لهم بشرائها. ونظراً لمحبّتها لخالها وافقت، على مضض، على هذا الطلب الغريب! لكنّها أخبرته في ما بعد بأنّ شعور الفرح الذي انتابها عندما شاهدت فرح صديقتها بالدرّاجة كان أوفر بكثير من فرحها عندما تلقت هي الدرّاجة لنفسها!

س: لماذا يخلق الله أناساً حالتهم المادّية جيدة جدّاً وأناساً بحالة يُرثى لها، أناساً أصحّاء وأناساً مرضى؟ هل من الممكن أن يفضّل الله أشخاصاً بعينهم على آخرين؟
ج: ينطلق هذا السؤال من خلفيّة خاطئة ومغلوطة، خلفية تعتبر أن الله هو الذي يعطي لهذا أن يكون غنيّاً، ولذاك أن يكون فقيراً. يقول اللاهوت المسيحي: نحن نحيا في عالم ساقط، بمعنى أنّه سقط من الملكوت، لأنّ الله خلق الإنسان أوّلاً في الملكوت على صورته، أعطاه شيئاً منه. لقد منحنا الله إمكانية تنمية هذه الصورة لكي نبلغ مثاله. لكن لا يمكننا أن ننمو باتجاه المثال الإلهي من دون نعمة الله ورفقته. يكمن سقوط الإنسان في أنّه اختار أن ينمّي هذه القدرات الإلهيّة بمفرده بمنأى عن الله، فسقط من الملكوت الذي كان فيه. لذلك نسمي عالمنا عالم السقوط الذي أتى المسيح إليه كي يعطينا القدرة، ثانية على العودة إلى الهدف الذي خلقنا من أجله. نحن في عالم السقوط إذن، لا في الملكوت. فالخليقة تتمّم اكتمالها لأنّها ليست مكتملة بعد، لكن يستحيل أن تكتمل هذه الخليقة من دون الله. من هنا ننظر إلى سبب وجود الظلم والفقر وما شابههما. هذا لا يعني أن الإنسان المسيحي يقبل بهذا الواقع الساقط، بل على العكس، يعني أنّه مدعو لمقاومته. أمّا بخصوص تفضيل الله لأشخاص دون غيرهم، فالكتاب المقدّس واضح في تعليمه أنّ الله يريد للكل أن يخلصوا وأن يقبلوا على معرفة الحق، كما يمطر على الصالحين والطالحين، ويشرق شمسه على الأخيار والأشرار...

#مقابلة إذاعيّة مع المطران سابا اسبر، راديو "كيفو"، صيف ٢٠١٨