أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

س: يقولون إنّنا قد ألحدنا لأنّنا لم نرَ أيّ وجود لله في أيّ مشكلة من مشاكل حياتنا. كيف نستطيع الردّ على هذا الكلام؟

ج: هذا واقعٌ موجودٌ، لكنّني أعتقد لو أنّهم لمسوا محبّةً لما كانوا وصلوا إلى هذه المرحلة. يقول دوستويفسكي: "الإلحاد الكامل هو على الدرجة ما قبل الأخيرة من الإيمان الكامل". لو أنّ المحبّة لمستهم، لكانوا لمسوا الله واختبروا وجوده.
ينتظر الإنسان دوماً معجزةً ما من الله، ينتظر عملاً خارقاً، وحين لا يراه يسأل أين هو الله؟ لكن من المؤكّد أنّ المحبّة تغيّر.
اسمعي هذه القصة الواقعيّة. خلال فترة حكم خروتشوف للاتّحاد السوفييتي، حين كانت الكنائس مغلقة والإيمان ممنوعاً والدولة ملحدة وتدرّس الإلحاد وتقمع المؤمنين، لوحظ أنّ الكثيرين ممّن كانوا أعضاءً في الحزب الشيوعي، أي النخبويين، يعودون إلى الكنائس بعد تجاوزهم سنّ التقاعد. فبدأت السلطات تبحث عن أسباب هذه الظاهرة. وهاكم إحدى القصص التي نشرتها صحيفة "البرافدا" آنذاك (الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي). تخبر القصّة عن رجل كان مديراً لمعمل كبير فيه أكثر من 4000 عامل، هذا عند إحالته إلى التقاعد بحكم عمره، أُقيمت له حفلة كبيرة و قُدمت له هديّة قيّمة تكريماً لسنوات خدمته. رجلٌ أعزب بعد طلاقٍ حصل بينه وبين زوجته، أمّا ولداه فيعمل كلٌّ منهما في منطقة بعيدة عنه. عاد إلى بيته وحيداً. قرّر، بعد فترة، أن يقوم بزيارة للمعمل. احتفى المدير الجديد به كثيراً ودعاه إلى مكتبه ليشرب القهوة مع رؤساء الأقسام وهذا ما سرّه. وبعد عدّة شهور أعاد الزيارة لكنّه لاقى ترحيباً أخفّ، وفي الزيارات التالية كان الترحيب أقلّ بكثير. مع الزمن صار روتين حياته اليوميّ أن ينزل إلى ساحة المدينة يحتسي القهوة في أحد المقاهي ويقرأ صحيفته وحيداً. وذات يوم اقترب رجلٌ منه وجلس بقربه مستأذِناً شرب القهوة معه، وسأله: لماذا تبدو حزيناً؟ إنّي ألاحظك تجلس هنا وحيداً والحزن بادٍ في عينيك؟ فأجابه بأنّه يعاني من الوحدة وروى له قصّته كاملة. فكان ردّ ذاك الصديق الجديد: "تعال إلى الكنيسة ولن تبقى وحيداً".
في البداية لم يأخذ الموضوع على محمل الجدّ ولم يعره اهتماماً. وذات صباح يوم أحد سمع دقّات أجراس الكنيسة، فدفعه فضوله إلى أن يذهب ليرى ما الكنيسة. وصل تقريباً في نهاية القدّاس. لاحظه ذاك الصديق الذي دعاه، فأتى إليه ورحّب به وعرّفه إلى أصدقائه، وتوالت الدعوات إلى البيوت والمقاهي والكنيسة وتغيّرت حياته الكئيبة. قال هذا الرجل في التحقيق الذي أُُجري معه: لقد عدتُ إلى الحياة لأنّني لم أبقَ وحيداً ولم أجد بقربي سوى الكنيسة.

س: تقولون إن كان الله معنا فمن علينا. فيجيب الملحدون ما هو الدليل على وجوده معكم وكيف يمكنكم إثباته؟
ج: ثمّة سبلٌ، دروبٌ. لا يوجد إثبات قاطع لا تأكيداً ولا نفياً على الصعيدين الفكري والفلسفي. إذا سألتِ شابّاً وسيماً وفائق الجمال يحبّ فتاة معدومة الجَمال: كيف تحبّها؟ هل بإمكانه أن يثبت لكِ عقليّاً أنّها جميلة جدّاً؟ هذا أمر وجدانيّ، اختباريّ. سيقول لك لو نظرتِ إليها بعينيَّ سترينها أجمل فتاة.
في الأمور الوجدانيّة لا توجد براهين الرياضيّات: واحد زائد واحد يساوي اثنين. إذا كنت أحبّ الموسيقى الكلاسيكيّة، لا يمكنني أن أقنعكِ بجمال وغنى الاستماع إليها ما لم تدخلي في هذه الخبرة، وما لم تكوني على مستوى ثقافي ما. غيري يعتبرها ضجيجاً وتستفزّه إلى درجة العصبيّة، فكيف يمكنك إقناعه بأنّها فنّ راقٍ.
أنا مقتنع كلّ الاقتناع بأنّ كلّ إنسان مؤمن عنده اختبارات عديدة يلمس فيها الله لمساً حقيقيّاً، وبقدر ما تكون اختباراتنا صادقة تؤثّر في الآخرين. لا يحتاج الناس إلى الكثير من الفذلكة الفكريّة، فالفكر يساعد ولكنّه لا يوصل إلى الخلاص. الفكر يساعدنا على اكتساب اللغة المناسبة للكلام مع الآخر والحوار معه، حتّى لا تكون لغتنا غريبة ولكنّ ما يودي بالمرء إلى عشرة الله هي الخبرة الحيّة.

س: كيف يمكننا ألّا نفقد إيماننا ونشكّ بوجود الله، في حين أنّ الكثير من الأشرار يتنعّمون بينما "أولاد ربّنا" مضطهدون ومتألمون؟
ج: عندما نكون مسيحيين حقيقيين وناضجين، سنقول: أشكرك يا ربّ لأنّي لست غنيّاً، ففي الفقر كثير من الغنى. يقول بولس الرسول: "نحن فقراء ونغني كثيرين". لنذكر مَثَل الإنجيل بخصوص الذي باع كلّ ثروته من أجل أن يشتري اللؤلؤة الثمينة، التي هي ربّنا. إن كان الله معنا فلن نكون بعد بحاجة إلى كلّ هذه الأمورلأنّها ستُزاد لنا. (اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه والباقي يُزاد لكم" (متى6/33). سيتغيّر منطقنا كلّه بعشرتنا للربّ. يا ليتنا نتأمّل جيّداً بما كتبه الرسول بولس عن خبرته الشخصية، وتالياً كافّة المؤمنين الأمناء، في رسالته الثانية إلى كورنثوس (6/8-10): "يحسبنا الناس كاذبين ونحن صادقون، مجهولين ونحن معروفون، مائتين وها نحن أحياء، معاقَبين ولا نُقتَل، محزونين ونحن دائماً فرحون، فقراء ونُغني كثيراً من الناس، لا شيء عندنا ونحن نملك كلّ شيء".
كلمة أخيرة موجهة من سيّدنا:
الألم كبير اليوم في بلادنا وفي غير بلاد، والوجع كبير والناس تطلب من يهتمّ بها. فلنطلب نحن أن نهتمّ بالآخرين. لو كلّ منّا بدأ بالاهتمام بغيره بدلاً من أن يتذمّر من عدم وجود من يهتمّ به، لوجد الحاجة التي يطلبها. العطاء مفرحٌ أكثر من الأخذ. نحن مدعوّون إلى إعادة اكتشاف حياة الشركة المسيحيّة الحقيقيّة.

#مقابلة إذاعيّة مع المطران سابا اسبر، راديو "كيفو"، صيف 2018