أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

كنيسة الحصون هي تلك الجماعة من المؤمنين التي تعتقد بأنّ وجودها محصور بين جدران الإيمان. إنّها جماعة مُعرِضَة عن التفاعل مع ما يجري في الساحات، مكتفية بما ورثته من غنىً روحيّ، تتجنّب أذى الشرور التي تتربّص بالعالم وتهدّد الإيمان الحقّ.

يُجرَّب أتباعها بالإقامة في عزلة روحيّة عن العالم، ما يجعلهم غير قادرين على فهمه أو استيعابه أو حتّى مقاربته. يرون في كلّ شيء لا يتوافق معهم مؤامرةً أو دسيسةً أو انحرافاً أو هرطقة. يرافقهم الخوف لأنّهم يشعرون بأنّهم مهدَّدون. فالتغيّرات المتسارعة في القيم والمفاهيم وأنماط العيش والتوجّهات والعقليّات تزعزع إيمانهم الموروث.
إلى ذلك هم مكتفون بما عندهم، متنعِّمون بما هم فيه، يعيشون في شبه بروج عاجيّة روحيّة، وفي أفضل الأحوال يتمنّون ما يعيشونه للجميع ويصلّون من أجل ذلك، لكنّهم لا يطالبون أنفسهم بمعرفة الواقع على حقيقته لكي يلقّحوه بالبشارة. هم مستعدون لخدمة الناس، ولكن إن أتوا هم إليهم.
أمّا كنيسة الساحات فهي تلك الجماعة التي هاجسها مدّ المسيح في العالم دونما خوف من مشاركته معاناته وتخبّطاته. ترمز الساحة إلى مخالطة الناس في بؤسهم والانخراط في حياة المجتمع. يقولون إنّ الكنيسة في العالم وليست خارجه. هي شاهدة لله ولعمله في قلب العالم، ويجب أن تأخذها هذه الشهادة إلى معرفة العالم في جوهره وعمقه، وإدراك التأثيرات التي تلعب فيه ومعرفتها وتحليلها ومحاورتها.
جماعة الساحات بحكم وجودهم فيها يتعرّضون للتأثّر بما يحتكّون به. قد يتبنّونه أحياناً وقد يؤثّر في فهمهم لإيمانهم أحياناً أخرى. هم بحكم أوجاع هذا العالم قد يجارونه رحمةً وشفقةً فيبتعدون عن ينابيع إيمانهم أو جوهره حيناً، وقد يتماهون مع العالم حيناً ويماشون تغيّراته السريعة ويتقبّلونها بسهولة، فيواجهون خطر التساهل في ما يعتبرونه مظاهر حيناً وقد يشطحون، غير أنّهم قد يعبرون من المظهر إلى عمق الجوهر كما قد لا تفعل جماعة الحصون.
****
ثمّة تراث غنيّ تراكم في الكنيسة عبر عشرين قرناً نسمّيه التقليد الشريف. إنّه نتاج عمل الروح القدس وفعله الحيّ في الكنيسة وهو مستمرّ طالما أنّ الكنيسة موجودة. جماعة الحصون أمام خطر تعليبه وجعله وَصَفات مباشرة لكلّ ما يواجهه المؤمنون من تحدّيات. وكثيراً ما لا تأتيهم وَصَفاتهم بالنتيجة المرجوّة، سوى إرضاء أنفسهم وقناعاتهم والبقاء في عالمهم المغلق، فيغدو لاهوتهم غريباً وجافّاً، كأنّه آتٍ من كوكب آخر، لا يلمس وجع الناس وتالياً لا يدخل إلى قلوبهم.
أمّا جماعة الساحات فأمام خطر إهماله وعدم تقديره، ممّا يجعلهم بلا مرجع ولا سند فيتحوّل الإيمان عندهم إلى تعاطٍ فكريّ بشريّ على مستوى الإنسان الساقط. قد يبدو فكراً عصريّاً وجذّاباً، لكنّه خالٍ من الحضور الإلهيّ الحقّ. يقعون في اللاهوت النظري فينطلقون من المبادئ والأصول والمفاهيم اللاهوتيّة بعيداً عن الواقع والأوضاع الاستثنائيّة فيبدو لاهوتهم نظريّاً أو ترفاً فكريّاً لا علاقة له بالحياة اليوميّة.
قد يجمّد التيّار الأوّل حيويّة التقليد الشريف بقبضه على الشكل واللجوء إلى مبدأ التدبير الكنسي حينما يحلو الأمر له ليستخدمه لمصلحة قناعاته. أمّا التيّار الثاني فقد يهمل الشكل ويرفض التدبير بالمطلق حفاظاً على المبدأ، أو أنّه يستند إليه في كلّ شيء فيميّعه ويستخدمه أداةً لابتداعاته ومساهماته دونما إسنادها إلى الينابيع الأصيلة.
الجماعة الأولى تشدّد على الصلاة والعبادات وما يمتّ إليها، والثانية تشدّد على العمل والفعاليّات وتعتبرها صلاة. الأوّلون يدورون حول المشكلة ويتعاطون معها بشكل غير مباشر حرصاً على نقاء الإيمان وعدم تلوثه بالدنيويّات، فيبقى الإنسان المأزوم دونما حلّ. أمّا الآخرون فيغرقون في المشكلة ويتناقشون في النظريّات فيبقى الإنسان الرازح تحت ثقلها دونما خلاص. في الحالتين تبقى المحبّة الحاضنة مفقودة.
أتراه المسيح خلّص البشر من السماء أم من الأرض؟ ألم يمشي في الطرقات ويتناول الطعام في بيوت الناس ويلاقيهم في الساحات والمعابد والأعياد والمناسبات. لقد شاركهم معيشتهم وخالطهم فنقل لهم بشارته، وأخيراً بموته وقيامته منحهم الخلاص. لكنّه أيضاً كثيراً ما ترك تلاميذه والجموع واختلى على الجبل ليناجي الآب القدّوس ويغرق في الصلاة.
****
مسيحيّو اليوم متحيّرون يتنازعون بين اقتحام مجتمعاتهم بالنزول إلى الساحات والشهادة لمخلّصهم، وبين الانفصال عن المجتمع والانعزال في حصون الكنيسة والشهادة المترفّعة لمن يصل إليهم. أنصار الاقتحام يتعلّلون بالبشارة ومتطلّباتها، ويريدون الكنيسة شاهدة لفرح ربّها في خضّم العالم، فيجعلونها مؤسّسة أرضيّة. أمّا أنصار الانفصال فيتحجّجون بالحفاظ على النقاء والطهر تجاه الإثم المستشري في العالم، فيعزلون الكنيسة مشكّلين مجتمعاً خاصّاً ضمن مجتمعهم.
كنيسة الساحات مهدَّدة بالذوبان في فكر العالم، وتحتاج في هذا السياق إلى كنيسة الحصون، لئلا تنسى الينابيع والأساسيّات. أمّا كنيسة الحصون فمهدّدة بمخاطبة نفسها والتحجّر حتّى فقدان الحسّ بمعاناة العالم الذي تريد افتداءه، وتحتاج إلى كنيسة الساحات لئلّا تنفصل عن الواقع وتخسر نبض المسيح المحبّ، فلا تعود تتكلّم لغة لا يفهمها من ترجو خلاصهم.
قد يبدو هذا التوتّر صراعاً داخليّاً في الكنيسة عند قصيري النظر أو الذين لم يحرّكهم الروح القدس بعد. أمّا التبصّر فيقول إنّ أتباع الجماعتين عقائديّين بامتياز، تحرّكهم العقلانيّة لا روح الله الفاعل، وتالياً فهم يأتون من جوهر واحد، ولو دُعوا يمينيّون أو يساريّون، تقليديّون أو ليبراليّون، إلّا أنّ كلّاً منهم يؤكّد على قناعاته حصريّاً ويؤمن بأنّه حاملٌ ملء الحقيقة، بينما غيره على انحراف أو خيانة أو تحجّر.
ماذا نستنتج؟ إنّنا بحاجة إلى جميع المواهب. كنيسة الحصون وكنيسة الساحات هم شعب الله الواحد، إنّهم كنيسة واحدة. يلزمنا إتقان الحوار وهذا لا يتحقّق في ظلّ احتكار الحقيقة المطلق، خاصّة في عالم اليوم السريع الإيقاع والكثير التحدّيات. لا حوار في غياب التواضع والمحبّة، بل صدام قناعات ودوغمائيّات، إن دلّت على شيء فإنّما على أنّ المحجور عليه حقّاً عندنا هو الروح القدس.