أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

كشف وباء كورونا الصراع والتناقض بين الحصن والساحة بوضوح. في بداية انتشار الوباء لم يبدُ أنّ الدول المتقدّمة قد أدركت خطورته بسرعة، لذلك لا عتب إن لم تدرك الكنائس هنا وهناك الأمر بسرعة

. لكن سرعان ما بدأت الخطورة في سرعة انتقال العدوى تتكشّف، إذ أدركت الدول المتقدّمة عجزها عن تأمين الاستشفاء المطلوب، فبدأت التدابير الوقائيّة تتسارع وتتفاعل.
تجاوب بعض المؤمنين مع هذه التدابير بمرونة ودونما مخاطر، ورفضها بعضهم على مضض، بينما واجهها آخرون بعنف وتهجّم. لكن بعضهم وقف منها موقفاً إيمانيّاً وخوّن الهيئات الكنسيّة التي تجاوبت معها وجعلها قضيّة عقائديّة بامتياز. منهم من خالف قرارات كنائسهم علانية ووصل الأمر ببعضهم إلى العصيان.
دفعتهم إلى هذه المواقف أمور عديدة، منها عدم الإلمام بمخاطر الوباء، وقناعة إيمانيّة غيبيّة بعدم قدرة الفيروس على الدخول إلى المعابد، فاستندوا إلى أقوال من الكتاب المقدّس وآباء الكنيسة على مبدأ "قص ولصق "copy paste اقتطعوها من سياقاتها ولم يؤّنوها (يطبّقوها على واقع الآن وهنا)، فبدوا كمن يعزف لحناً لا يُسمَع، كأنّهم منفصلون عن الواقع.
وهاكم بعض الأمثلة
أغلقت أديرة جبل آثوس أبوابها وامتنعت عن استقبال الزوّار تنفيذاً لقرار البطريركيّة المسكونيّة التي يقع الجبل المقدّس تحت سلطتها. لكن بعض الأصوات التي خرجت من الجبل المقدّس لتندّد بما يحصل وتعتبره سابقة خطرة، [لأنّ التدابير الوقائيّة التي فُرِضَت على كنائس اليونان كانت الأقسى كنسيّاً] ذكرت بعض معلومات دلّـت على عدم اطّلاع دقيق على ما كان يجري في الكنائس الأرثوذكسيّة الأخرى!
في أوكرانيا رفض الكثيرون، شعبيّاً ورسميّاً، تنفيذ قرار عدم التجمعّات ومنها التعبديّة، وقارنوا بين الكنائس ومخازن بيع الأغذية، فحلّ عيد الشعانين ليكتشفوا بأنّ رئيس دير الكهوف [قلب الكنيسة الأوكرانية الذي يتّسع لخمسة آلاف شخص] في كييف وأربعة رهبان قد أُصيبوا بالوباء ونُقِلوا إلى المستشفى بحالة خطرة. وطُبِّق الحجر على الرهبان الباقين. وبعدما كان رهبان هذا الدير منخرطين في تأمين الطعام للمصابين في المستشفيات، لزموا قلّاياتهم وأُغلقت أبواب الدير في وجه جميع المؤمنين، لأنّ إصابات الرهبان بالوباء بدأت ترتفع بسرعة لتصل إلى ثلاث وتسعين إصابة يوم الجمعة العظيم.
أمّا رئيس الأساقفة فعاد عن موقفه وأصدر، يوم الاثنين العظيم، قراراً بإغلاق جميع الكنائس في أوكرانيا ابتداءً من الثلاثاء العظيم. كان القرار مشابهاً لما حدث في أنطاكية، أي يواصل الكاهن مع المرتّل وخادم الكنيسة إقامة كافّة الصلوات، ويتابعها المؤمنون على وسائل التواصل الاجتماعي أو بالوقوف في ساحات الكنائس خارجاً وفقاً لمسافات التباعد المطلوبة من الهيئات الصحيّة.
أمّا في روسيا فلم يلتزم العديد بقرار البطريركيّة بالتوقف عن التجمعات التعبديّة وتعقيم الملعقة المقدّسة، حتّى بدأ الوباء بالانتشار السريع في موسكو، فألزمتهم قوى الشرطة بالإغلاق القسري. ومعلوماتي حتّى كتابة هذه السطور أنّ مطراناً بعمر 56 سنة وهو مدير كليّة اللاهوت في موسكو بالإضافة إلى كاهن وشماس الكاتدرائيّة القديمة إلى جانب خمسة آباء ورهبان من دير القديس سيرجيوس (زاغورسك) قد توفوا بهذا الوباء إلى جانب عدد كبير من الإكليريكيين المصابين وبعضهم في حالة خطرة. ما دفع البطريرك إلى تعليق خدمة أحد رؤساء الأديرة العاصين ريثما ينظر في شأنه المجلس التأديبي الكنسي.
أمّا في أنطاكية فتأسّف الكثيرون لإغلاق الكنائس، وطالب بعضهم بفتحها وعرض وجهة نظره بينما وصل الأمر ببعضهم إلى تحدّي السلطات المدنيّة والكنسيّة، ولهوتة الأمر برمّته دونما استناد إلى أساس لاهوتيّ يبني رؤيته عليه، فوتّروا المؤمنين وهيّجوهم ضدّ رعاتهم. ربط أحدهم بين تعقيم الكنيسة وسرَّ التجسّد؟!! هل من كنيسة لا تُنظّف أسبوعيّاً؟ لم يذكر أحدٌ أن رهبان آثوس الأربعة الذين ظهرت إصاباتهم بعد عودتهم من بريطانيا كانوا يحملون ذخائر قديسين؟!!
تدلّ هذه الأمثلة على عدم قدرة الكثيرين على استيعاب ما يحصل في العالم من تغيّرات، وعلى عجزهم عن مواجهة التحدّيات وعدم استعدادهم لفهمها فهماً واقعيّاً....
هل يتوجّب علينا ألّا نرى في أّي حدث سوى التآمر على الإيمان الأرثوذكسيّ؟ لماذا تظهر هذه المقاومة السلبيّة تجاه أيّ تغيّر أو أزمة تحلّ بالعالم؟ هل يعود سبب رفض النظر في بعض الممارسات الكنسيّة إلى عدم توافقها مع الإيمان أم إلى الخوف المستتر بالعناد والتهجّم؟ هل يصحّ تصنيف المؤمنين إيمانيّاً بين ضعيف وقويّ بناءً على التقيّد أو عدمه بالإرشادات الصحيّة المتعلقة بالأمور التقديسيّة، من تقبيل الأيقونات وطلب البركة وما إليها؟
لماذا كانت الكنيسة حيويّة في القرون الأولى وباتت متخشّبةً الآن؟ لماذا استطاع المجمع المسكوني الخامس ـ السادس؟ أن يصدر قانوناً (رقم 28) يقضي في زمن الأوبئة بتغطيس الكأس والملعقة المقدّستين بالخلّ (وسيلة التعقيم المتوفرة آنذاك) بعد مناولة المرضى، بينما لا تجرؤ الكنيسة اليوم حتّى على مناقشة مخاوف المؤمنين، محقّة كانت أم غير محقّة؟ ما هو الحدّ الفاصل بين الأمانة والتفريط بها؟
وماذا عن تغيّر أساليب العيش من حيث الحريّات والخصوصيّة الشخصيّة والنظافة العامّة التي باتت من سمات الحياة المعاصرة؟ ألا يجدر النظر في انعكاس هذه التغيّرات على نفسيّة المؤمن وقدرته على تقبّل عكسها في الكنيسة؟
هل يكفي اتّخاذ مجرّد قرارٍ باستبدال طريقة بأخرى كما يطالب بعضهم؟ أليس من انعكاسات على الإيمان وعيشه في أيّ استبدال أو تغيير؟ ماذا يكمن وراء طلب تغيير طريقة التناول، وكيف نعالج الأمر؟ كيف نتعامل بضمير مع الذين يخافون أو يتردّدون؟ هل نسقطهم أم نحتضنهم؟ وكيف؟ وكيف نتعامل بصبر مع من يرفضون ولا يحاورون؟ هل نقبل بإعثار الذين لا يستوعبون أيّ تغيير أو جديد؟
هل بناء الإيمان على الخوف يديمه ويرسّخه؟ وهل استعمال لفظة المحبّة "عالطالع والنازل" يبني المؤمن وينضجه روحيّاً؟ هل النهي عن الرذائل والتلويح بالعقاب وهل الكلام عن الفضائل وتغييب "الطريق الضيّق" يجعل الإنسان فاضلاً؟
ألا تكفينا هذه الأسئلة لنعي كمّ الأزمات التي يسبّبها كلٌ من الحصن والساحة إذا ما احتكر أيّ منهما الكنيسة؟ إن لم تدفعنا التحدّيات القائمة والمتسارعة إلى ثقافة الحوار وتبادل الخبرات وتكاملها، ألن يكون كلا التيارين خائناً؟