أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

سأل مؤمنو مدينة كورنثوس بولس الرسول عمّا إذا كان يحقّ للمسيحيين أكل اللحوم المقدَّمة للأوثان في الاحتفالات الدينيّة الخاصّة بالوثنيين.

فلم يجبهم كما يتوقّع الكثير من المؤمنين: يجوز أو لا يجوز، يحلّ أو لا يحلّ. بل نقل الجواب إلى صعيد آخر أرفع بكثير من مجرّد تناول طعام حلال أم لا.
قال لهم أوّلاً نحن نعلم أنّ المعرفة لدينا جميعاً إلّا أنّ المعرفة تزهو بصاحبها. وخَلُص إلى أنّ الذي يحبّ الله يعرفه الله. فنبّه إلى خطر الاتكال على المعرفة فقط. لماذا؟ لأنّ المعرفة وسيلة ضروريّة لخدمة البشر، وإذا ما صارت هدفاً بحدّ ذاتها وانفصلت عن المحبّة صارت تراكم معلومات، لا بل قد تودي بالعارف إلى استخدام معرفته كي يزهو بها وينتفخ. بهذا المعنى قال الرسول بولس "العلم ينفخ والمحبّة تبني".
المعرفة للبنيان أو تكون للخراب. كلّ معرفة لا توضع في خدمة بناء الإنسان وخلاصه، تستخدم في ما بعد لقتله وإعاقة خلاصه.
ثم تابع الرسول كلامه وذكّر المؤمنين بأنّنا لا نؤمن بوجود إله وثن، وأنّ إيماننا هو بالإلهِ الواحد الآب الذي منه كلّ شيء وإليه نرجع والربّ الواحد يسوع المسيح الذي به كلّ شيء وبه نحيا، وتالياً فكلّ ما هو مقدَّم للوثن ليس له أيّ قيمة دينيّة في نظرنا.
ولفت إلى عدم معرفة جميع المؤمنين لهذه الحقيقة، لأنّ بعضهم، بحكم وجود العبادات الوثنيّة "تعوّدوا على الأوثان إلى هذا اليوم، حتّى إنّهم يأكلون الذبائح كأنّها بالفعل ذبائح للأوثان، فيشعرون في ضمائرهم الضعيفة أنّهم تدنّسوا".
سمّى ضمائرهم بالضعيفة، ومع ذلك لم يقل إنّهم غير مهمّين ويمكنكم تجاهلهم، أو استمرّوا أنتم في السلوك بحسب المبادئ ولا تعيروا أهميّة لذوي الضمير الضعيف. بل وجّه الاهتمام آمراً إيّاهم: "عليكم أن تنتبهوا لئلا تكون حرّيتكم هذه (إمكانية الأكل من هذه اللحوم) حجر عثرة للضعفاء. فإذا رآك أحد، أنت يا صاحب المعرفة، (الذي تميّز بين اللحوم الموجودة والأوثان غير الموجودة) تأكل في هيكل الأوثان، (لأنّ تلك اللحوم كانت تباع وتؤكل بأسعار بخسة في الهياكل أو حولها)، أَلا يتشجّع، إذا كان ضعيف الضمير، فيأكل من ذبائح الأوثان؟". الفارق بين صاحب المعرفة وصاحب الإيمان الضعيف [بولس الرسول محبّ والمحبّ مهذّب، لذلك لم يقلْ الجاهل أو الغبي أو المحدود] هو أنّ الأوّل يعرف أنّ هذه لحوم كغيرها، أمّا الثاني فيعتبرها ذبائح وثنيّة.
ويتابع قائلاً لصاحب المعرفة: "فتكون معرفتك أنت سبباً لهلاك هذا الضعيف، وهو أخ لك مات المسيح من أجله. وهكذا تخطئون إلى المسيح عندما تخطئون إلى إخوتكم وتجرحون ضمائرهم الضعيفة".
فالجواب قائم، إذن، لا في صحّة تناول هذه اللحوم أو عدمها، بل في انعكاس تناولها على أخيك صاحب الضمير الضعيف. لذلك يختم جوابه هكذا: "فإذا كان بعض الطعام سبباً لسقوط أخي، فلن آكل اللحم أبداً، لئلا أكون سبباً لسقوط أخي".
تكمن عظمة بولس الرسول لا في معرفته فقط، بل في إقرانه المعرفة بحسّ الرعاية وبناء النفوس. كان راعياً من الطراز الرفيع. لقد رغب في أن يختبر الجميع ما قد اختبره من خلاص بالربّ يسوع المسيح.
يطرح هذا الموقف إشكاليّة يواجهها الرعاة دوماً. فالناس يريدون أجوبة قاطعة من نوع نعم أو لا. والمسيحيّة، باعتبارها طريق الخلاص، لا تقف عند حدود المسموح والممنوع، بل تتخطّاها إلى آفاق الموافق وغير الموافق للخلاص.
يمكن أن يصير الموافق لخلاصك عائقاً له إذا ما طبقته بروح مخالفة للإنجيل. كأن تعتبر الوصيّة التي تبنيك روحيّاً هدفاً بحدّ ذاته، فتقف عند حدود تطبيقها ويرتاح ضميرك ضمن هذا الإطار، فتنسى أنّ الهدف الأساس هو أن تصير ابن الله لا مجرّد عبد مخلص أو أجير أمين.
عندما لا تميّز بين جوهر الوصيّة وشكلها، فأنت معرَّض إلى أن تخلط الشكل بالجوهر وصولاً إلى استبدال الثاني بالأوّل، فتبقى قزماً بالروح.
كثيراً ما يتعرّض الرعاة إلى تجربة تقزيم المؤمنين: فبدلاً من إنضاجهم وتنميتهم وتكبيرهم في المسيح، يحفظونهم في إطار اعمل كذا ولا تعمل كذا، فيبقون صغاراً وتهزّهم أيّ أزمة تواجههم. في الواقع، لا يقع اللوم كله على الرعاة في هذا المجال بل، والحقّ يقال، إنّ المؤمنين كثيراً ما يضغطون على الرعاة من أجل أن يعطوهم كلمة فصل تريح ضمائرهم.
قلائل هم الذين يفهمون أنّ المسيحي لا يبحث عن راحة ضميره بقدر ما يسعى إلى تطابق ضميره مع الإنجيل. ضمير المسيحي لا يرتاح لأنّه يسعى دونما توقّف إلى خلاص نفسه والعالم. راحة ضميره مرتبطة بمحبّة البشر وخلاصهم.
يعلّم بولس الرسول بجوابه السابق ذكره أنّ رعاية المؤمنين كثيراً ما تتطلّب عدم الاكتفاء بظاهر الوصيّة، وإنما الدخول إلى عمقها، جوهرها، روحها. كذلك أنّ الراعي مسؤول عن تنبيه المؤمنين إلى خطر التقيّد بلائحة الممنوعات والمسموحات من دون معرفة أسبابها، لئلا يقعوا في خطراتّباع تعليمات مسلكيّة، دونما بناء الفضائل على الصعيد الشخصي.
تواجه الكنيسة في زمننا الحالي تحدّيات جديدة كثيرة كتلك التي واجهتها كنيسة كورنثوس. يتطلّب الجواب مواجهتها ومعرفتها والتباحث في سبل التعاطي معها والتشاور في تداعياتها وما يكمن وراءها وصولاً إلى الإرشاد الصحيح والموافق: الإرشاد الذي يخدم خلاص المؤمنين.
التعامي عن المشكلة يزيد في تضخّمها، والجواب السريع يولّد ارتدادات تنتج مشاكل أكثر. بقدر ما يكثر الذين يعمل فيهم روح الله بحرّيته، لا بحسب رغباتهم وطبائع شخصياتهم، تصفو الأذهان والقلوب لترى الجواب الشافي.