أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

نظنّ، في معظم الأحيان، أنّنا نعرف من نحن. لكن، في الحقيقة، هل نعرف حقّاً من نحن بالمعنى الكامل والأساسي؟

ثمّة نصّ شديد الأهميّة بخصوص الفهم الأرثوذكسي للشخصيّة البشريّة، نجده في المزمور 64/6 (بحسب الترجمة السبعينيّة). دونكم إيّاه: "يخلقون الإثم ويمارسونه ويحتفظون بأسرارهم في ما بينهم، كلّ واحد في أعماق قلبه". يعني هذا القول أنّ الشخص البشريّ سرّ شديد الغور. ثمّة أعماق، أو إن أردتم، ذرىً في داخل ذاتي، وأنا لا أملك من فهمها إلّا القليل جدّاً.
من أنا؟ ليس الجواب واضحاً على الإطلاق. تنبسط شخصيّتي، باعتباري كائناً بشريّاً، على نطاقٍ واسعٍ عبر المدى والزمن. تمتدّ، في الحقيقة، إلى ما يتجاوز المدى، إلى اللانهاية، وإلى ما يتخطّى الزمن، إلى قلب الأبديّة. شخصيّتنا البشريّة مخلوقة، هذا صحيح، لكنّها تسمو على النظام المخلوق. فأنا مدعوّ إلى أن أكون "مشاركاً للطبيعة الإلهيّة" كما يقول بطرس الرسول في رسالته الثانية. أنا مدعوّ لأشارك في طاقات الله غير المخلوقة. دعوتنا البشريّة هي التألّه. وكما يقول القدّيس باسيليوس الكبير: "الكائن البشري مخلوق مدعوّ إلى أن يصير إلهاً".
أذكر قصّة السقوط الواردة في بداية سفر التكوين: وعدُ الحيّة التي تقول لحوّاء: "ستصبحان مثل الله". إنّه لمن دواعي سخرية الأقدار أنّ هذا القول هو بالضبط ما أراده الله للإنسان. لقد دعا الله البشر حقّاً إلى الحياة الإلهيّة. إنّ السقوط في حقيقته كامن في أنّ آدم وحوّاء تمسّكا بشدّة بمشيئتهما الذاتيّة بما كان الله سيمنحهما إيّاه هديةً، ولكن في الوقت والطريقة التي يراهما هو مناسبين.
إنّ نطاق شخصيّتنا لواسع جدّاً في الحقيقة. علينا أن نتبنّى رؤية ديناميكيّة لماهية الشخص البشري، لا نعتقد بأن شخصيّتنا شيء ثابت، فأن تكون شخصاً يعني أنّك تنمو، أن تكون في رحلة ليس لها حدود، لأنّها تمتدّ إلى الأبد وتستمرّ في السموات. يعتقد بعض الناس أنّ السموات مكان لا يقوم فيه الإنسان بأيّ عمل. هذه نظرة مشوَّهة. فالسموات تعني بالتأكيد مواصلة التقدّم، برحمة الله، من مجد إلى مجد. السموات نهاية بلا نهاية.
يذكر القدّيس إيريناوس ما يلي: "ثمّة أشياء جديدة عند الله ليعلّمنا إيّاها، حتّى في الدهر الآتي، حيث سنظلّ نتعلّم أشياء جديدة". لن نكون في السموات في وضع يجعلنا نقول لله: "إنّك تكرّر ذاتك. لقد سمعنا هذا من قبل". بل، على العكس تماماً، تعني السموات تعجّباً متواصلاً واكتشافاً لا نهاية له. هنا أودّ أن أقتبس من J.R.R.Tolkein مقولته: "يستمرّ الطريق ويستمرّ".
ثمّة سبب شديد الأهميّة لتميُّز شخصيّتنا البشرية بسريّة يستحيل وصفها. يعطينا القدّيس غريغوريوس النيصصي (القرن الرابع) هذا السبب حين يقول: "الله سرّ يتخطّى كلّ فهم". ونحن البشر مصنوعون على صورة الله، والصورة تحمل ميزات نموذجها الأوّلي الأصلي. وتالياً، إن كان الله يفوق الفهم، فالإنسان المخلوق على صورة الله، على المنوال ذاته، كائن يفوق الفهم. وبعبارة أدقّ: بما أنّ الله سرٌّ فأنا أيضاً سرٌّ.
بذكر الصورة نأتي الآن إلى العامل الأهمّ في شخصيّتنا البشريّة. من أنا؟ باعتباري شخصاً بشريّاً فأنا مصاغ بحسب صورة الله. هذه هي الحقيقة الأساسيّة والأكثر دلالة ومغزى بخصوص شخصيّة كلّ منّا. نحن أيقونات الله الحيّة. كلٌّ منّا تعبيرٌ لتعبير الله الذاتي غير المخلوق وغير المحدود. طبعاً نحن تعبير مخلوق. هذا يعني أنّه يستحيل أن نفهم الشخص البشري من دون الله. البشر المقطوعون عن الله لا يعودون بشراً على الإطلاق، بل شبه بشر.
إذا فقدنا الحسّ بالإلهي نخسر حسّنا البشري. هذا يتضّح في الشيوعيّة السوفييتيّة، على سبيل المثال. فقد بقيت الشيوعيّة السوفييتيّة، ولمدة سبعين عاماً من بعد ثورة 1917، تبني مجتمعاً ينكر وجود الله ويمنع عبادة الله ويستأصلها. لكنّها أظهرت، في الوقت ذاته، امتهاناً مروّعاً لكرامة الإنسان. [قد تُجرِّد المجتمعات الثيوقراطيّة الإنسان من كرامته أيضاً، عندما تجعله عبداً بكلع منى للكلمة للنظام السياسي الإلهي (المترجم)].

الأمران يسيران سويّاً: من يؤكّد الإنسان يؤكّد الله. ومن ينكر الله ينكر الإنسان. لا يمكن فهم الكائن البشري بشكل سليم بمعزل عن صلته بالإلهيّ. ليس الكائن البشري مستقلًّاً بذاته ولا مكتفياً بذاته. لا يمكنني احتواء معناي في ذاتي؛ فباعتباري شخصاً مخلوقاً على صورة الله فإنّي أتطلّع دوماً إلى ما يتجاوز ذاتي، إلى الواقع الإلهي.
أتذكّر زيارة الأرشمندريت صفروني، تلميذ القدّيس سلوان الآثوسي، لجامعة أكسفورد حين كنت طالباً فيها؛ يومها، ألقى حديثاً عن الأرثوذكسيّة تلاه نقاش. وفي نهاية الاجتماع قال مدير الجلسة: "لدينا مجال لسؤال واحد إضافي"، فوقف أحد الحاضرين في آخر القاعة وقال: "لو تحدّثنا، أيّها الأب صفروني، عمّا هو الله؟". فأجابه الأب صفروني بإيجاز شديد: "أخبرنا أنت أوّلًا ما هو الإنسان؟".

الله والإنسان سرّان متداخلان، فلا يمكن فهم الواحد من دون الآخر. تعني عبارة "على صورة الله" أنّ ثمّة صلة عموديّة ما موجودة فينا، ولا يمكن أن تُفهم إلّا بمصطلحات صِلتنا بالإلهي. (يتبع........)