أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

لكن لنفكّر بنقطة أخرى. تعني عبارة "على صورة الله" على صورة الثالوث القدّوس أيضاً. يقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتي:

"عندما أقول الله، فأنا أعني الآب والابن والروح القدس"، وهذا ما نعنيه، نحن المسيحيّين، بالله. لا نفهم الله بتعداد صفات تجريديّة له، بل بثلاثة أقانيم. وهذا نراه واضحاً جدّاً في دستور الإيمان. نبدأ بالقول: "أؤمن بإله واحد"، ولا نواصل القول مثلاً: "إله غير مبدوء، غير محدود، ..."، كما يتكلّم اليوم الكثير من اللاهوتيّين المعاصرين. نقول في دستور الإيمان: "أؤمن بإله واحد... آب وابن وروح قدس" ونتابع الكلام عنهم بمصطلحات شخصيّة.
الله عندنا ثالوث. وإذا كنّا في صورة الله، فنحن في صورة الله الثالوث. ماذا يعني هذا في سياق فهمنا لشخصيّتنا البشريّة؟ لنفكّر أوّلاً بالثالوث، ومن ثمّ بأنفسنا.
يصرّح القدّيس يوحنّا الإنجيلي في رسالته الأولى بأنّ "الله محبّة". ويتابع القول: "لا خوف في المحبّة بل المحبّة الكاملة تطرح الخوف". ما من حصر، ما من حسد، في المحبّة الكاملة. المحبّة الحقّة منفتحة وغير مغلقة. ليس الله وحدة بل اتّحاد. الله محبّة بمعنى محبّة متشارِكة، محبّة متبادَلة لأقانيم ثلاثة في واحد.
عندما يصف الآباء الكبادوكيّون اللهَ، في القرن الرابع، يستخدمون لفظة Koinonia التي هي إحدى الكلمات المفتاحيّة، وتعني شِركة، رابطة، علاقة. يقول القدّيس باسيليوس الكبير، في كتابه "في الروح القدس"، إنّ اتّحاد الألوهة يكمن في الشركة، في العلاقة المتداخلة، في الأشخاص". إليكم إذن ما تقوله عقيدة الثالوث القدّوس: الله محبّة متشارِكة لا محبّة للذات. الله هو انفتاح، تبادل، تضامن، بذل للذات.
والآن فلنطبّق هذه كلّها على البشر المخلوقين على صورة الله. "يقول يوحنّا الإنجيلي "الله محبّة". ويقول نبيّ القرن الثامن عشر الإنكليزي العظيم ويليام بلاك: "الإنسان محبّة". الله محبّة، لا محبّة ذاتيّة بل محبّة متبادَلة، والأمر نفسه صحيح في الإنسان. الله شركة، علاقة، تواصل، وهكذا هو الكائن البشري الذي على صورة الثالوث. الله انفتاح، تبادل، تضامن، بذل للذات، والأمر ذاته صحيح للإنسان عندما يحيا بحسب النمط الثالوثي، بحسب الصورة الإلهيّة.
ثمّة كتاب مساعد جدّاً كتبه الفيلسوف البريطاني جون ماكموري، طُبِعَ في العام 1961، عنوانه "أشخاص في علاقة". يشدّد ماكموري على أنّ العلاقة أمر بنيويّ للإنسان، ويحاجج ليؤكّد أنّه ما من شخص حقّ ما لم يكن هناك، على الأقل، شخصان متواصلان مع بعضهما بعضاً. بكلمات أخرى: أنا أحتاجك كي أكون ذاتي. وهذا كلّه صحيح لأنّ الله ثالوث.
يتبع هذا المفهوم أنّ الكلمة البشريّة المميِّزة ليست ضمير "أنا" بل "نحن". فإن كنّا نقول طوال الوقت:"أنا، أنا، أنا" فإنّنا آنذاك لن نؤكّد شخصيّتنا البشرية الحقيقيّة. وهذا ما عبّر عنه الشاعر والتر دو لا مير في قصيدته "نابليون":
- "ما هو العالم أيّها الجنديّ؟
- إنّه أنا:
أنا هذا الثلج المتواصل،
هذه السماء الشماليّة؛ الجنود،
هذه العزلة التي نعبر فيها، إنّها أنا".
سواء كان نابليون التاريخي هكذا أم لا، فإنّ دو لا مير أصيل ومحقّ بكلّ تأكيد. فالتمركز على الذات في المطاف الأخير هو برودة، وحشة، عزلة. إنّه صحراء. ولذلك فليس مصادفة أنه لم يرد مطلقاً ضمير "أنا" في الصلاة الربّانيّة، التي هي نموذج الصلاة التي أعطانا الله إيّاها، والتي تعلمنا ما الذي يجب أن نكونه، بينما يرد الضمير المنفصل "نحن" أو المتصل "نا" في كلّ طلباتها.
في بدء عهد الفلسفة الحديثة في القرن السابع عشر، وضع ديكارت مقولته الشهيرة "cogto ergo sum أنا أفكّر، إذن أنا موجود" . أحدثت هذه المقولة سجالاً ونقاشاً عظيمين بخصوص الشخصيّة البشريّة، لأنّ مفهوم الوعي الذاتي والضمير الذاتي سادا مذّاك. لكن صعوبة هذا النموذج تكمن في أنّه لا يبدي اهتماماً بعنصر العلاقة. لذلك بدلاً من القول: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، ألا يجب علينا كمسيحيّين نؤمن بالثالوث القدّوس القول: "أنا أحبّ، إذن أنا موجود.Amo ergo sum ". بل وأكثر من ذلك ألا يجدر بنا القول: "أنا محبوب، إذن أنا موجود".
"أنا أحبّ لذلك أنا موجود" هو عنوان قصيدة أحبّها للشاعرة كاتلين رين. سأذكر بعضاً منها:
"لأنّني أحبّ،
تسكب الشمس أشعّتها الذهبيّة الحيّة،
تبسط ذهبها وفضّتها على البحر،
لأنّني أحبّ،
يخضّر السرخس، ويخضوضر العشب، وكذلك الشجرات المشمسة الشفاّفة،
لأنّني أحبّ،
يجري النهر في نومي طوال الليل،
عشرات آلاف الأشياء تنام على ذراعيَّ،
تنام وتستفيق وتنساب بسلام".
هذا هو مفتاح الشخصيّة البشريّة بحسب الصورة الثالوثيّة - ليس وعياً ذاتيّاً منعزلاً، بل علاقة في محبّة متبادَلة. وبحسب كلمات اللاهوتي الروماني العظيم الأب ديمتري ستانيلوي: "لا يمكنني فهم نفسي بقدر ما أنا غير محبوب".
إذا فكّرنا بالصورة الإلهيّة، فعلينا ألّا نفكّر بالبعد العمودي لكوننا على صورة الله، بل بالمضمون الثالوثي الذي يعني أنّ للصورة بعداً أفقيّاً علائقيّاً مع أمثالي البشر. ربّما التعريف الأفضل للحيوان البشري هو: "مخلوق قادر على تبادل المحبّة على صورة الله الثالوث القدّوس". هنا يكمن جوهر شخصيّتنا البشريّة، يكمن في التماسك المشترك، في السكنى في الآخرين.
ما قاله المسيح للآب في صلاته قبل العشاء الأخير يحمل دلالة هامّة جدّاً بخصوص فهمنا للشخصيّة البشريّة: "ليكونوا واحداً كما أنت فيَّ أيّها الآب وأنا فيك، ليكونوا واحداً فينا"(يو17/21). هذا ما نراه بالضبط: أنّ المحبّة المتبادَلة بين الأقانيم الإلهيّة الثلاثة هي نموذج شخصيّتنا البشريّة. هذا الفهم حيويّ بخصوص خلاصنا. نحن هنا على الأرض كي نُنتِج، في داخل الزمن، المحبّة التي تجري في الأبديّة في الآب والابن والروح القدس.