أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

يبحث الإنسان عن السلام، وغالباً ما يطلبه في الأمور الخارجيّة. يتصوّر الإنسان السلامَ في انتفاء الحرب، في الاستقرار الاقتصاديّ وشيوع الأمان.

هذه مطالب محقّة، ومن أبسط حقوق الإنسان، ولو أنّها لا تتحقّق بشكل دائم في عالمنا الساقط هذا. لكن سيادة السلام الخارجيّ المادّي هذا لا تحقّق بالضرورة سلامَ النفس الإنسانيّة. فثمّة هموم أخرى وجدانيّة وعاطفيّة وإنسانيّة ووجوديّة تقلق سلامَ الإنسان وتشيع في داخله الاضطراب والتشوّش والكآبة والكرب وما إليها.
بينما تتجّه الجهود البشريّة، على صعيد المؤسسات والدول والأنظمة، إلى بذل الجهود لتأمين تحقيق السلام الخارجيّ، يبقى الإنسان مفتقداً إلى من يجتهد لتأمين سلامه الداخلي. هذا لا يستطيع بثّه للآخرين إلا الذي يعيشه. هذا عمل الكنيسة التي رسالتها الأهمّ هي تمكين الإنسان من التجاوب مع لمسة الله له، تمهيداً لحضور روحه القدّوس السلاميّ في الإنسان.
تكثر العيادات النفسيّة في الدول المتقدّمة. فالبشر المثقلون بكثرةٍ من الضغوط والتوترات يحتاجون إلى من يفرغون أحمالهم أمامه، فيلجأون إلى الأطباء النفسيّين. قد يساعد الطبّ النفسي في تهدئة النفس الإنسانيّة، لكنّه لا يحقّق متطلّباتها العميقة، ولا يمنحها الملء الذي تهفو إليه وتبحث عنه. لذلك نجد أنّ الحركات الروحانيّة الهنديّة على الأخصّ وغيرها تنتشر في تلك البلدان، وهي تشهد إقبالاً بات ملحوظاً في بلداننا الشرقيّة أيضاً. يطلبون بديلاً. ألا يجب أن تدعونا هذه الظاهرة إلى سؤال أنفسنا كمؤمنين عن سبب إخفاقنا في الشهادة لحضور الله وفعله الحيّ والسلاميّ في عالمنا؟
لقد منح الربّ يسوع سلامه لتلاميذه قبل أن يذهب إلى آلامه، وقال لهم: "سلاماً أترك لكم، وسلامي أعطيكم، لا كما يعطيه العالم أعطيكم أنا. فلا تضطرب قلوبكم ولا تفزع"(يو14/27). وعندما أتى إليهم بعد قيامته من بين الأموات، عاد ومنحهم السلام قائلاً لهم: "السلام لكم". وتشهد حياة الكنيسة على أنّ السلام لا ينفصل عن ربّ السلام، وعلى أنّ النفس المكتفية بنعمة الربّ والمستمدّة وجودها منه، تنعم بالسلام مهما قست الأحوال عليها.
هذا يعيدنا إلى رسالة الكنيسة الأساسيّة، أعني الاهتمام بخلاص الإنسان وخدمته. كلّ ما في الكنيسة من عبادات وعقائد وقوانين وأحكام وتوجيهات وأنشطة، إنّما لأجل خدمة خلاص الإنسان، وما لم يكن هكذا فالكنيسة معطلّة عن عملها الأساسيّ. السلام نتاج حضور الله في حياة البشر اليوميّة. رفضهم للسير في هذا الطريق يبقيهم في عوز إلى السلام.
يحتاج الإنسان إلى أن ينقّي ذاته من أورام الأنانيّة المتأصّلة فيها. هذا يدرّب نفسه عليه بالتخلّي عن مشيئته واستبدالها بمشيئة الله. هذا ليس بعمل سهل، إنّه عمل جبّار يتطلب محبّة عظيمة للربّ وتحرّراً من العالميّات غير الضروريّة. صعوبته تكمن في البدايات، لكنّه يسهل مع الوقت ومع تدرّج النضج الروحي. يستعذب الإنسان في ما بعد حضور الله وإتمام مشيئته، فلا يعود مهتمّاً ولا مغتمّاً بتحقيق رغباته الذاتيّة.
المشكلة هنا، فمعظم المؤمنين يريدون الكنيسة منفذاً لتأمين حاجاتهم الأرضيّة، وفي بلادنا بالأخصّ يريدونها بديلاً للدولة عندما تعجز تلك عن تأمينه لهم. يتطلّع الناس إلى الكنيسة مصدراً لتيسير متطلّبات حياتهم الضروريّة، أحياناً، وتأمينها. تغدو الكنيسة مؤسّسة اجتماعيّة، وهذا لا ضير فيه، فهي خدمة المحبّة التي من واجب الكنيسة أن تسهر عليها، لكن عندما تتضخّم هذه الخدمة على حساب الخدمة الروحيّة الأساسيّة، يفقد العالم المصدر الوحيد الذي يمدّه بالسلام، ويبحث عنه في البدائل التي تقدّم ذاتها، لأنّه لا يجده في الكنيسة!!
يساهم المؤمنون في إفقار كنيستهم، وتالياً إفقار ذواتهم، من الضروريّات الروحيّة التي لا حياة من دونها كالسلام والفرح والروح الإيجابيّة والمحبّة والمحبوبيّة وما إليها، وذلك عندما يتعاطون وكنيستهم على الصعيد المادّي فقط. كيف يستطيع الإنسان أن يواجه ذاته إذا ما اختفى سرّ الاعتراف من الممارسة وأصبحت الإفخارستيا واجباً رتيباً وانحصرت الأنشطة في ما هو اجتماعي بحت وغابت الخلوات الروحيّة وما إليها، وباتت المحبّة قطعاً نادراً. آنذاك، سيقضي حياته من هروب إلى آخر، وهكذا يبقى محروماً من السلام الحقيقي، تعصف به أيّ ريح وتطرحه أرضاً. وفيما السلام قريب منه، لا يراه لأنّه غارق في الهموم الأرضيّة ومأخوذ بمشيئته الذاتيّة ورغباته الشخصيّة وتحقيق متطلّبات أنانيّته، من جهة؛ والكنيسة، التي من المفروض أن تشعّ بالسلام، منهمكة كالناس في الأرضيّات من عمل وخدمة ومؤسسات واستمرار الوجود، فتستنفذ كلّ طاقاتها.
هاكم كلاماً في السلام من أحد الذين عاشوه بملئه، ولا يزالون بكلامهم يصحّحون لنا البوصله المشيرة إليه إلى اليوم؛ إنّه القدّيس سلوان الآثوسي:
"كلّ البشر يطلبون السلام، لكنّهم لا يعرفون كيفيّة الحصول عليه".
"ذات يوم وبعد غضبة، طلب "الأنبا باييسيوس" من السيّد أن يخلّصه من النزق وسرعة الغضب، فظهر له السيّد قائلاً: "يا باييسيوس، إذا أردت أن لا تقع في الغضب، عليك أن لا تطلب شيئاً لنفسك، ولا تحكم على أيّ إنسان، ولا تكره أيّ إنسان، فإنّك لن تغضب مطلقاً بعد". هكذا، فكلّ إنسان يقطع مشيئته أمام الله، يكون في سلام داخليّ مع نفسه، ولكن الذي يريد أن يفرض مشيئته، فلن يكون أبداً في سلام".
"إذا أصابتك شدّة، فقلْ: "إنّ السيّد يعرف قلبي، فإذا كان هذا ما يرضيه، فكلّ شيء سيكون حسناً لي وللآخرين" – وهكذا ستكون نفسك في سلام. لكن إذا بدأ الإنسان بالتذمّر والتبتبة قائلاً: "هذا ليس حسناً... وعليه أن يكون مختلفاً..."- فإنّه لن ينال السلام قطعاً في قلبه، حتّى لو حفظ جميع الأصوام وأكثر الطلبات".

هلا عرفنا الطريق إلى السلام الحقيقي؟