أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

تقارب أم تنابذ؟
نزعت جائحة كورونا الغطاء عن التغاضي الذي كان منتشراً في الأوساط الكنسيّة، بخصوص الكثير من التحدّيات

الجديدة والمتسارعة التي تواجه الكنيسة، سواء عن قصد أوعن غير قصد. فبات المؤمنون أمام حالات تستدعي أجوبة وحلولاً، لا يمكن لها أن تتمّ من دون مشاورات وصلوات ودراسات، ومن دون استناد إلى التراث الكنسيّ الروحيّ والعقائديّ ومعرفة دقيقة بتفاصيل الأساسيّ والعابر، الشكليّ والجوهريّ، في أبعاد ما يطرحه أيّ تحدٍّ أو تغيير، وإدراك أبعاد مواجهته الرعائيّة وانعكاسها على إيمان الجماعة المسيحيّة ومشاركتها، وتالياً تحضير المؤمنين وتهيئتهم لكلّ تجاوب وإشراكهم فيه.
لا تبدو نهاية هذه الجائحة قريبة. فتسارع الإصابات يُظهِر أنّها إلى ازدياد، أقلّه في بلادنا، ما قد يرفع من سويّة الاحترازات الصحيّة الوقائيّة، ويعيد الحدّة إلى نقاش بعض القضايا التي هدأت قليلاً، مع ما بدا من انحسار للوباء بعد أشهرٍ من أحكام الحظر الشديدة هنا وثمّة من بلدان العالم.
غنيّ عن القول إنّ جائحة كورونا ليست الوباء الأوّل ولا الأخير في التاريخ البشريّ، لكن الجديد فيه هو أنّه يأتي في مناخ طبّي بات على قدر عال من التطوّر والتقدّم، ما استدعى طرقاً للوقاية تفصيليّة ودقيقة طرحت للمرّة الأولى في تاريخ البشر خطر تغيير العلاقات الاجتماعيّة والتباعد الإنساني وتعميق الروح الفردانيّة في العيش. إلى ذلك أتى الوباء في زمن العولمة ما جعل انتشاره سريعاً جدّاً، إذ غطّى بلدان الكرة الأرضيّة في زمن قصير جدّاً. فما كان يستدعي سنوات صار ينتقل في أسابيع بسبب كثرة التنقّل والطيران والسفر والتخالط البشري وحركة التجارة والسياحة وما إليهما.
كذلك كان دخول الحكومات على خط تأمين الوقاية والاستشفاء كثيفاً ولافتاً ومعدياً أيضاً. التشابه في اتّباع الاحترازات الصحيّة اللازمة واللجوء إلى فرضها بالقوّة، في غالب الأحيان، وكذلك حلحلتها، أفرز وجهين: إيجابيّاً وسلبيّاَ. فقد رأى بعضهم أنّ العولمة قد ساهمت في استفادة الدول من خبرات بعضها بعضاً، لا في الاستشفاء فقط بل في أساليب الوقاية وطرقها، بينما رأى بعضهم الآخر أنّ ثمّة سياسة مقصودة قادرة على فرض جوّ يهيمن على جميع بلدان العالم ولو تفاوت في هيمنته بين بلد وآخر نتيجة الاختلاف في ثقافة الشعوب المتنوّعة. لكلٍّ من الموقفين حججه وأنصاره التي لا يمكن للعاقل أن يتغاضى عنها أو يحجبها عن نظره.
مهما تكن الحقيقة: أكان الفيروس طبيعيّاً أم مصنّعاً أو من هذا وذاك، وسواء كان مسيّساً أو طبيعيّاً، يبقى أنّ ثمّة خطراً صحياً على البشر من جرّاء سرعة انتقاله والغموض الطبّي العلمي الذي لا يزال يحيط به. كذلك ساهمت بعض سياسات مواجهة الوباء واختلاف حدّة التجاوب معها والمعلومات الطبّيّة المختلفة والمتنوّعة في استثارة التكهّنات والتحليلات والاستنتاجات، ما غذّى ترسّخ القناعات لدى هذا الفريق أو ذاك بشكل يُصعِّب الحوار معه.
غنيّ عن القول إنّ الوباء تعدّى المجال الصحيّ ليفرض نفسه عامل تغيير في عقليّات البشر وسلوكهم وتعاملهم. طال هذا السجال الإيمانَ أيضاً، فانقسمت الهيئات الدينيّة والتيّارات المختلفة في داخل جسمها بين مؤيّدٍ كليّاً لكلّ ما تطلبه الحكومات وبين رافضٍ كليّاً لها، بينما بقيت الكثرة من المؤمنين حائرة بين الموقفين وموزَّعة بينهما.

يكمن تأثير الوباء الأهمّ، مسيحيّاً، في البعد الأسراري الليتورجيّ. فالمسيحيّة ديانة ليتورجيّة. العبادة فيها أوّلًا، ومن ثمّ تأتي العقيدة والأخلاقيّات. وللجسد دوره في العبادة. لنتذكّر أنّنا نستخدم الحواس الخمس في عباداتنا، ما يعني أنّ الجسد شريك أساسيّ فيها، فلا نقدّم العبادة ذهنيّاً فقط، بل بكياننا بكلّيته.
فالعبادة المسيحيّة ليست مجرّد تجمّع بشريّ لإقامة طقس عباديّ دينيّ تمكن الاستعاضة عنه بسهولة في إتمامه فرديّاً في مكان آخر خارج بيت العبادة. فسرّ الإفخارستيّا، على سبيل المثال لا الحصر، هو تحقيق الكنيسة الأكمل على الأرض، وارتباط المشاركة بجسد الربّ ودمه يتعدّى الاتّحاد، على الصعيد الفرديّ بين المؤمن وربّه إلى اتّحاد المؤمنين بعضهم ببعض في الربّ الواحد. من هنا، فإنّ الكنيسة جماعة إفخارستيّة، أو فإنها تكون مجرّد تراكم بشريّ تجمعه بعض الصفات المشتركة. هذا يستدعي مشاركة وتواصلاً وتلامساً ومصافحة ...إلخ.
استتبع إغلاق الكنائس مشكلة في إقامة سرّ الإفخارستيّا واشتراك المؤمنين فيه فعليّاً لا نظريّاً. والأسئلة المطروحة هنا عديدة. كيف نتقدّم من المناولة في ظلّ قوانين الوقاية المفروضة؟ كيف اعتادت الكنيسة أن تتعاطى مع الأوبئة بخصوص سرّ الإفخارستيّا بخاصّة؟ هل يمكن اللجوء إلى تغيير طريقة المناولة؟ هل يستحسن ذلك؟ ماذا عن المرضى المحجورين وكيف يمكن تزويدهم بالزاد الإلهيّ؟ وحتّى إتمام دفنهم دفناً مسيحيّاً؟ هل تنتقل العدوى عن طريق الاشتراك بالمناولة المقدّسة، سواء بالملعقة أو بيد الكاهن، أو بنَفَس المؤمن...؟ الأسئلة المشكِّكة كثيرة.
الإيمان بأنّ ما نتناوله هو جسد ودم الربّ عينه أمر بدهي لا يقبل الكلام فيه. لكنّك تجد، في الواقع، خوفاً عند بعضهم وعثاراً عند بعضهم الآخر. امتنع بعضهم عن التقدّم من الكأس المقدسة، وعلت أصوات من يطالبون بتغيير طرق المناولة. وفي المقابل، علا صوت من يرفض النظر في الموضوع كليّاً، ويعتبر الأمر يعادل الكفر والجحود.
ماذا تقول الكنيسة لكلّ هؤلاء؟ رعايتهم مسؤوليتها أمام الله، ولا يسمح ضميرها لها بإهمال من يخافون أو نصحهم ببساطة وراحة ضمير بألّا يشاركوا في السرّ الإلهي إذا كانوا خائفين؟ ولا أن تتجاهلهم وكأنّ شيئاً لم يكن؟ كذلك لا تستطيع أن تتجاهل صوت الذين يشدّدون على البعد الإيماني ومخاوفهم من أن يُفقِد التعاطي المتساهل مع القدسات جوهر الإيمان المسيحيّ، فتضحي القدسات رموزاً وطقوساً لا أكثر، حتّى لتكاد تكون خالية من الحضور الإلهي الفاعل.
المساهمة المطلوبة من جميع المؤمنين ومن مختلف التيّارات الموجودة في الكنيسة هي المشاركة في التفكير وعدم اتّهام بعضها الآخر بالتخوين والهرطقة أو الأصوليّة وما إلى ذلك من صفات اتّهامية. فكلّ موقف من المواقف التي تعلن عن نفسها اليوم يحمل شيئاً من حقيقة ومخاوف ورؤية، تتضمّن نسبة من الصحّة وكثيراً من الخوف الذي في محلّه والذي في غير محلّه. الحوار الهادئ المشترك وحده يساعد في جلاء الأمور واكتشاف طرق معالجة التحدّيات المطروحة، لا في ميدان الإفخارستيّا والعبادات فقط، بل في مختلف الميادين التي يواجه فيها المؤمنون تحدّيات إيمانيّة جديدة وكثيرة.
متى يعي شعب الله أهميّة تكامل مواهب أفراده، في سبيل أن يكون كنيسة حيّة تحيا انطلاقاً من فعل روح الله الحاضر فيها، لا انطلاقاً من آراء ورؤى شخصيّة تلعب طبيعة حامليها وشخصيّتهم وأهواؤهم وحالتهم الخاطئة وأمراضهم النفسيّة الواعية واللاواعية الدور الأكبر في بلورتها؟