أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

المناولة المقدّسة بين النظريّ والعمليّ
في خضّم السجال الناجم عن كيفيّة التعاطي مع سرّ الإفخارستيّا خلال الأوبئة، والذي فجّره علناً وباء كورونا أخيراً،

علا صوت تقويميّ دعا إلى إعادة النظر في ما يسبق التقدّم من المناولة المقدّسة. كما طالب أصحاب هذا الصوت، محقّين، بتذكير المؤمنين والتشديد في توجيههم بشأن كيفيّة الاستعداد للتقدّم من هذا السرّ البالغ الأهميّة، وكذلك فهم جوهر ما يُدعى بالمناولة المتواترة، واقترانها الدقيق على نحو تامّ بالتوبة الحقيقيّة لا الشكليّة أو اللفظيّة.
شهدت إعادةُ اكتشاف جوهر سرّ الشكر (الإفخارستيّا أو القدّاس الإلهي) وغايته، في العقود الأخيرة، إقبالَ المؤمنين على المشاركة الفعليّة فيه، وتالياً في التقدّم المتواتر من المناولة المقدّسة. فبعد عصور من الانحطاط الليتورجيّ الذي تسبّبت فيه الأوضاع التاريخيّة القاسية التي عاش المسيحيّون تحت وطأتها، في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط بخاصّة، تجمّدت الليتورجيا وفقدت حيويّتها.
لا شكّ في أنّها هي التي حفظت الإيمان في تلك الأزمنة الشديدة القسوة، إذ كان الاضطهاد قد أفقر الأديرة وتلاشى التعليم والمدارس اللاهوتيّة بسببه في أكثر الأماكن، ولم يتبقَّ للمؤمنين سوى العبادة، خاصّة وأنّها تحتوي العقيدة والروحانية والكتاب المقدّس. هذا ما يفسّر تعلّق الأرثوذكسيين بطقوسهم.
تعرّفت في بداية خدمتي الكهنوتيّة إلى سيّدة قبرصيّة، أرملة تملك كشكاً على الطريق تعتاش من البيع فيه، وقد ربّت بناتها الأربع من مدخوله. صادفتها مرّة في الكشك وهي تقرأ في كتاب المعزّي [كتاب الصلوات الذي نقرأ منه يوميّاً وهو موزّع على أسابيع ثمانية، بحسب الألحان الثمانية الموجودة في الكنيسة الأرثوذكسيّة]. لم تستطع المشاركة في صلاة الغروب في الكنيسة في ذلك اليوم، فكانت تقرأها كاملة في الكشك!!
تمسّك الأرثوذكسيّون بشدّة بطقسهم المسمّى خطأً "البيزنطيّ"، ولو لم يفهموه جيّداً أو فهموه سطحيّاً أو شكليّاً مرّات كثيرة، وتعلّقوا ببعض منه تعلّقاً شديداً. غير أنّ هذا الطقس، إلى جانب حياة الفضيلة والصلاة البيتيّة والأصوام التي تمسكوا بها بشدّة، ما حفظهم في إيمانهم حتّى جاء الوقت الذي سمح الله والظرف التاريخي لهم بالنهضة الروحيّة.
عرف المؤمنون في العصر الحالي أهميّة المشاركة في القدّاس الإلهيّ، وليس حضوره كما كانوا قد اعتادوا على القول. وعرفوا تالياً أنّ القدّاس الإلهيّ يقام بغاية مشاركة جميع المؤمنين فيه. أتذكّر كمّ العظات التي ألقيت على مسامع المؤمنين من أجل حثّهم على المشاركة في المناولة الإلهيّة، لأنّ العرف السائد آنذاك كان يقضي بالتقدّم منها في الأعياد الكبرى والمناسبات فقط.
غير أنّ التشديد على المناولة المتواترة لم يترافق بتشديد مماثل على ضرورة الاستعداد الكافي والتقيّد بالالتزامات المحدّدة للتقدّم من المناولة. خاصّة وأنّ الأرثوذكسية تقوم على لاهوت شفائي يتمثل بما يعرف بـ "التطهير والاستنارة والتألّه"، وهذا لا يتحقّق من دون التوبة.
يعود السبب في ذلك، على الأرجح، إلى صعوبة انتقال المؤمنين من ممارسة عمرها قرون إلى ممارسة مختلفة. لكنّ هذا أنتج، مع الوقت، استهانة عظيمة بسرّ الأفخارستيا. فبدأنا نرى تهاوناً كبيراً في الصوم الذي يجب أن يسبق المناولة، وكذلك غياباً شبه كلّي لسرّ الاعتراف!! أمّا مصالحة المتخاصمين، فللأسف أُهمِلَت إلى درجةٍ بتنا نرى فيها من لا يخجل من أنّه يخاصم أخاه بالجسد ولا تمنعه هذه الخصومة عن التقدّم من الكأس المقدّسة.
علا الصوت الذي طالب بتقويم هذه الممارسة والانتباه إلى الاستعداد المسبق باعتباره حلًّاً للقضية التي طرحها الوباء مؤخراً، أو اتّخاذ الوباء، وهذا أكثر دقّة، فرصةً لتقويم أخطاء واعوجاج الممارسة الحاليّة. في الحقيقة، أنتج التهاون بهذا السرّ الأساسيّ، سرّ الشكر، مواقف متهاونة تجاه التعاطي معه وكيفيّة ممارسته أيضاً.
هنا يُطرح السؤال حول النظريّ والعمليّ في الإيمان الدينيّ بعامّةٍ، والمسيحيّ بخاصةٍ. فالتعليم بخصوص سرّ الشكر واضح في أنّ اجتماع المؤمنين في القدّاس الإلهي واشتراكهم الكامل فيه هو تجلّي لصيرورتهم جسداً للمسيح الواحد الحيّ. لذلك طالبت القوانين القديمة بفصل المؤمن من الكنيسة إذا تغيّب ثلاثة آحاد متتالية عن القدّاس. وهذا ما كان يتمّ في القرون الأولى، أقلّه حتّى الرابع.
استتبعت الكنيسة هذا التعليم بتحديد التزامات مسبقة يقوم بها المؤمنون قبل اشتراكهم في القدّاس وتناولهم من الكأس المقدّسة. تتمحور هذه الالتزامات حول مساعدة المؤمنين كي يعيشوا سرّ التوبة بملئه ويكونوا يقظين إلى أهميّة ما هم مُقدِمين عليه ومستعدّين له بأقصى ما يمكنهم من الاستعداد.
في البلاد السلافيّة التي لم تخضع للتاريخ الذي عرفته بلداننا في الشرق الأوسط، بقي هذا الالتزام حيّاً. وقد يبدو اليوم في روسيا وغيرها بالغ الشدّة قياساً بالتهاون الموجود في أوساطنا. يتهيّأ المؤمنون هناك للمناولة المقدّسة بالصوم الكامل ثلاثة أيّام قبل صباح الأحد! هذا النوع من الاستعداد معروف أيضاً في الأوساط اليونانيّة التي هي على صلة روحيّة وثيقة بالإرشاد الروحي الشفائي المستقى من الأوساط الرهبانيّة. [لم تتحوّل المناولة المقدّسة إلى مجرّد ضيافة إفخارستيّة!!].
يجب ألّا يتعاطى المؤمنون مع كلّ تعليم نظريّ بتطبيق فوري له دونما تهيئة، لئلّا يتحوّل إلى ممارسةٍ شكليّة، تُفقِدهم جوهره والغاية منه، ولا تغيّرهم نحو الأفضل ولا تنمّيهم في الحياة التي في المسيح، لا بل تصير ممارسة كهذه سبباً لإعاقة نمّوهم الروحي وتأخّرهم في اكتساب حياة الفضيلة بالإضافة إلى إدانتهم.
غياب ممارسة سرّ الاعتراف يعني غياب حياة التوبة عن المؤمنين. الخطايا أمراض، والمرض يُميت ما لم يُكشَف للطبيب ويُعالَج. وإذا ما تورّم والتهب، فقد يضطر الطبيب إلى استئصاله حفاظاً على حياة المريض. قد يتعايش الإنسان مع مرضه، وتالياً خطيئته، فيتحمّل الأوجاع ويتناول المسكّنات، وتبدو آثار الوجع عليه ألماً وكآبة وتذمّراً وقلقاً. والخطيئة هكذا إنْ تعايشنا معها، يقسو قلبنا وتظهر أعراضها في إقبالٍ متزايد عليها وبحثٍ دونما جدوى عن الفرح والسلام ومعنى الوجود والحياة.
آنذاك تصير المناولة المقدسة بحدّ ذاتها أداةً لدينونةٍ أعظم لمن يأخذها دونما توبة واستعداد. إليكم ما يقوله بولس الرسول في هذا الصدد وفيه زبدة التعليم: "فليمتحن كلّ واحد نفسه، ثمّ يأكل من هذا الخبز ويشرب من هذه الكأس. مَنْ أكل وشرب وهو لا يراعي جسد الربّ، أكل وشرب الحكم على نفسه. ولذلك كثر فيكم المرضى والضعفاء ومات بعضكم. فلو كنّا نمتحن أنفسنا، لتجنّبنا الحكم علينا. ولكن الربّ يحكم علينا ويؤدّبنا لئلا يديننا مع سائر العالم " (1كور11/2-32).
لنتّخذ من الوباء فرصةً لتقويم أنفسنا وممارساتنا، لئلّا نظهر جاهلين لا نعرف كيف نستثمر الشدائد، وعراةً من النعمة، فنخسر الحياة في الدنيا والآخرة.