أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

ترتبط حياة التوبة ارتباطاً وثيقاً بحياة المسيحي، فلا تنتظم مسيحيّته ما لم يحيَ التوبة نهجَ حياةٍ. هذه الكلمة، التي تخيف الكثيرين اليوم،

لا تعني أكثر من أن يُقلع الإنسان عن رذائله ويستبدلها بالفضائل التي تعاكسها. تاب المرء إلى الله، في اللغة العربية، يعني أنّه رجع عن معصيته إليه (المنجد). لكن الإنسان يستصعب التوبة لأنّه في واقعه الساقط أسيرٌ لذاته وشهواته وعاداته. لذلك قال آباؤنا الروحيون إنّ من يرى خطاياه أعظم ممّن يرى الملائكة، وقال بعضهم: "معرفة الذات أعظم من إقامة الموتى".
يرفض الإنسان، بعامّة، رؤية عيوبه. يرغب في أن يرى ذاته كاملةً لا نقص فيها. رؤيته لنقصه أو لضعفه تتعبه وتزعزع ثقته بذاته، فيلجأ إلى التجميل. هل عبثاً تزدهر صناعة التجميل في عصرنا؟ غالباً ما يبدو الإنسان غير ما هو عليه في الحقيقة. يستمدّ وجوده من إعجاب الآخرين به ومدحهم له، ولو كان عارفاً بكذبهم عليه ومجاملتهم له.
كثيراً ما يدفعه الخوف من الموت والوحدة إلى الخطيئة. يُقبِل الإنسان بنهمٍ على إشباع شهواته بأنواعها، وغالباً ما يتمّ ذلك في اللاوعي، طلباً لأمانٍ يُبعِد عنه شبح الموت والعزلة.
خذ الجنس على سبيل المثال. يرمي الإنسان المعاصر ذاته فيه ابتغاء تواصلٍ حسيّ حميميّ يوهمه أنّه في شركة مع آخر، وليس لوحده، وتذيقه النشوة الجسديّة طعم فرح سريع التبخّر. لكنّه عندما يعتاده يدمن عليه، ولا يعود قادراً على التحرّر منه إلّا بنعمة إلهيّة خاصّة وجهاد جبّار وصادق مع الذات. تتحكّم شهوة الجسد بصاحبها. ولأنّ الخبرة تؤكّد له عدم بلوغه مأربه، أيّ التخلّص من الخوف، تراه يعود إلى شهوته مستزيداً، أملاً بخلاصٍ يدرك في أعماقه أنّه لن يتحقّق، لكنّه لا يرى درباً آخر إليه. فيعيده يأسه وانقطاع رجائه إلى ما أدمنه، إذ لا يرى لنفسه مسكِّناً آخر.
لماذا هذا التفنّن المستشري في تنوّع وتطوّر أساليب الوصال وتقنياتها؟ إن لم يكن بحثاً عبثيّاً عن ملء حياة ومعنى وجود، يختبر الزاني في عمقه أنهما لا يتحقّقان في الزنى، لكنّه لا يملك وسيلة أخرى لتحقيقهما، فيستسهل ما يعرفه.
نجد في هذا السياق أنّ بعضاً ممّن عشقوا الجسدانيّات حتّى النهاية، ثمّ اكتشفوا عشق الله، قد حوّلوا عشقهم إلى الإلهيّات بالزخم نفسه الذي كان يتملكهم تجاه الجسديات، وصاروا من كبار القدّيسين. يقول المعلّم الروحي الكبير، القدّيس يوحنّا السلّمي إنّ "العفّة استبدال عشقٍ بعشقٍ، استبدال الأرضيّات بالسماويّات، والجسديات بالروحيّات". ينتصب كلٌّ من القدّيس موسى الحبشي والقدّيسة مريم المصريّة مثالين صارخين أمامنا على هذا التحوّل في العشق.
بالعودة إلى موضوعنا، يخشى الكثيرون التقدّم من الاعتراف لأنّهم، على الأرجح، لم يختبروه علاجاً شفائيّاً لهم، بل مجرّد حصول قانونيّ على الغفران، فتراهم يميلون إلى بلوغه في علاقتهم الشخصيّة مع الله. أو ربّما يعود التهاون في ممارسة الاعتراف إلى عدم عيش حياة التوبة كما يليق. يكتفي الكثيرون ببعض الممارسات المسمّاة مسيحيّة، ويشدّدون على الأخلاق بشكل عامّ، ولا يرون حاجة بهم إلى الأكثر. كذلك تساهم تربيتنا الشرقيّة في تشديدها على إخفاء العيوب عن الآخرين والظهور بمظهر الكمال أمامهم، في نمو الخوف من مواجهة دواخلنا ومعرفتها جيّداً.
المسيحيّة مسيرة شفائيّة، واللاهوت الأرثوذكسيّ لاهوت شفائيّ والكنيسة فيه مستشفىً روحيّ يعالج الإنسان الساقط ليعود ذلك الكائن الذي يعرف مصيره وغاية وجوده، كائناً يتشبّه بالله ويسعى ليصير على مثاله، لا مجرّد كائن يسترضي الله ببعض التقدمات التي لا يحتاجها، له المجد.
أنت مدعوّ إلى أن تتطهّر وتتنقّى بالكليّة، فكراً وقولاً وفعلاً، لا من الخطايا فحسب، بل من أسبابها ودوافعها. لذلك تحتاج إلى معالجة روحيّة، إن سعيت إليها وتوفّر لك أب اعترافٍ ناضجٍ روحيّاً ومستنير لا تعود بحاجة حتّى إلى العلاج النفسي. تضعك هذه المسيرة على الدرب الموصل إلى خلاصك ونموّك في المسيح واتزان شخصيّتك.
إن لم تتعرّف إلى ذاتك بصدقٍ وعمق، وتعرف الدوافع التي تقودك إلى التصرّف على عكس ما تتمنّاه في عمقك، وتختبر الصراع بين إنسانك القديم وذاك الجديد، فاعلم أنّك لا تزال على هامش المسيحيّة وتالياً الإنسانيّة أو على عتبتهما، وأنّك بحاجة ماسّة إلى الاعتراف حتّى تبدأ بدخول بيت الربّ أو بالأحرى تصير، كما تقول صلواتنا، هيكلاً حيّاً له.
ثمّة بعدان مترابطان للاعتراف في الكنيسة الأرثوذكسيّة: قانونيّ وشفائيّ. يهدف القانونيّ إلى حصول الإنسان على الغفران، بينما يتطلّع الشفائي إلى إنسان خالٍ من الأمراض الروحيّة. لا يتحقّق القانوني من دون مسيرة استشفائيّة تؤكّد العزم على التوبة، وتالياً لا يُختصر بتأديب عقابيّ أو قصاص كما يعتقد، خطأً، الكثيرون.
التأديب استشفائيّ. يحتاج المريض جسديّاً إلى اتّباع برنامج حمية غذائيّة معيّنة وتمارين رياضيّة وفترة راحة ونقاهة بالتزامن مع تناوله الأدوية المطلوبة. يطول زمن اتّباع هذا البرنامج ويقصر تبعاً لنوعيّة المرض ومناعة المريض.
هكذا الأمر روحيّاً أيضاً. يعطي الأب المعرِّف المعترفَ قانون صلاة خاصّ، سجدات، أصوام، قراءآت روحيّة، أعمال محبّة ...إلخ، بناء على تقديره لجسامة الخطيئة المرتكبة ومدى تغلغل هواها في نفس المعترف ومدى قدرته على تطبيق هذا العلاج وما إلى ذلك.
أمّا البعد الشفائي، فيقوم على الإقرار بالأخطاء وكشف الأفكار قبل تحوّلها إلى أفعال، بهدف قطع الطريق على الخطيئة قبل أن تتحقّق بالفعل. إنه عمل تطهيريّ وقائيّ.
يقول كتاب "شيخيّات" التراثي (يرونديكو باليونانيّة): "إذا أزعجتك أفكارك غير النقيّة، فلا تحجبها، بل أخبر أباك الروحيّ بها للحال ودِنْها. بقدر ما يكشف الإنسان أفكاره يزداد قوّة. فالفكر الشرّير يتدمّر مباشرة عندما يُكشف. إذا خبّأت شيئاً، فسوف يكتسب قوّة عظيمة عليك، لكن إذا ما كشفته أمام الله، بحضور آخر، فسوف يجفّ وييبس ويخسر قوّته".

توبة صادقة كهذه تقترن بمنح الكاهن المعترف الحلّ عن الخطايا التي اعترف بها التائب، فينطلق من جلسة الاعتراف محمّلاً بنعمة إلهيّة تقوّيه وتسنده في رحلة علاجه الاستشفائيّة هذه.
يقول المطران كاليستوس وير إنّ "حياة المسيحيّ سفرة متواصلة من الصورة إلى المثال". فهل يمكننا مواصلة هذه السفرة من دون عيش هذا السرّ المنسيّ واختباره؟