أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

ليس ارتكابنا الخطيئة هو ما يمنعنا من دخول ملكوت السموات، فطالما نحن أحياء وعيوننا مفتوحة فسنخطئ. جهادنا بكلّ قوّتنا لنكون كما يريدنا المسيح

هو ما يذهب بنا إلى السماء. من المهمّ أن تعلم بأنّ الأوحد الخالي من الخطيئة هو المسيح وما من آخر غيره. خلاصنا كامن في هذا الجهاد، واعتمادنا في التغلب على تجربة الوقوع في الخطيئة هو على نعمة الله لا على ذواتنا، سواء نجحنا أو فشلنا.
علينا أن نطلب من الربّ تزويدنا بنعمته، فإن منحنا إيّاها لن نغضب أو نزني أو نسرق أو...إلخ. إذا لم يرسل الله نعمته إلينا فقدرتنا وحدها لن تمكّننا من التغلّب على خطايانا.
هذا لا يعني ألّا نسعى لنكون بحسب ما يريدنا المسيح. علينا أن نكافح خطايانا ونحاربها. قد نظنّ بأنّنا إذا توقفنا عن فعل الخطايا فلن نخطئ بالمرّة!! لكن ماذا عن ارتكاب الخطيئة بذهننا أو بعيوننا أو بآذاننا؟
علينا ألّا نيأس ونقول: "إنّني أسقط في فخّ الخطيئة نفسها دوماً، ما يعني أنّني عاجز عن إنجاز أيّ تقدّم. أنا لا أعمل شيئاً!". نحن نعمل الكثير: نعترف، نتعلّم التواضع، نتوب،...إلخ. هذا السعي يساهم في خلاصنا أكثر من الفضيلة التي نمتلكها ونتفوّق فيها؛ فالشيطان يمتلك فضائل أيضاً.
عملتّ مرّة عملاً صالحاً، فمضيت إلى شيخي الروحي لأخبره، وكنت راهباً مبتدئاً آنذاك. عندما رآني عرف حالاً ما الأمر، وقبل أن أتفوّه بكلمة واحدة قال لي:
"يا ولدي، لماذا علينا أن ننتفخ ونفتخر؟ أَلأنّنا نصوم؟ لن نباري الشيطان في الصوم، فهو أعظم صوّام؛ فهو لا يأكل أبداً. أَلأنّنا نسهر ولا ننام كثيراً؟ لن نسهر أكثر من الشيطان، فهو لا ينام مطلقاً. هل نعفّ عن أمور كثيرة بدافع محبّتنا للمسيح؟ لكنّنا لن نتفوّق على الشيطان بالعفّة، فهو لا يملك شهوات جسدانيّة، لأنّه لا يمتلك جسداً من الأساس".
صدمني قوله!
ليس عدد الفضائل التي نمتلكها هو المهمّ، فالشيطان يفوقنا في بعض الفضائل. ولكن هل تخلّص هذه الفضائل الشيطان؟ لا، وهي، بحدّ ذاتها، لن تخلّصنا نحن أيضاً.
ماذا أعني بهذا؟ ألّا نكون فاضلين؟ لا، فعلينا مواصلة الجهاد لكي نمتلك الفضائل. المسيحي الحقّ إنسان فاضل، لكن ليس كلّ إنسان فاضل هو مسيحيّ حقّ بالضرورة. ثمّة الكثير من الفاضلين بين غير المسيحيّين. الفضائل بحدّ ذاتها ليست مخلِّصة. يجب أن نخلص بالتوبة والتواضع.
لكن التواضع لا يتحقّق بترداد كلمات فارغة مثل: "من أنا؟ أنا لا شيء!" ولا بالتظاهر بالمسكنة لجعل الناس يقولون عنّي: "انظروا كم هو إنسان فاضل: انظر فلديه هذه الفضيلة وتلك...".
عندما نتظاهر بالتواضع نجعل الناس يمدحوننا. لا يتحقّق التواضع الحقيقيّ بالاعتقاد بأنّنا أفضل من الآخرين، بل بامتلاك الذهن المتواضع والروح المتواضع. التركيز على الذهن أساسيّ، لأنّ كلّ أمر شيطاني يولد في ذهننا أوّلاً.
إذا سقطنا روحيّاً مراراً، فعلينا ألّا نيأس، لأنّ الكهنة والبطرشيل والتوبة... متوفرون. التوبة والتواضع يخلّصاننا. يخاف الشرّير من التوبة والتواضع. فالشرّير عنده فضائل كثيرة لكن واحدة تنقصه وهي التواضع؛ وغياب التواضع يولّد الجحيم ويقود إلى الهلاك.
لقد نزل المسيح بنفسه من السماء لكي يرينا قوّة التواضع. وكما يقول الكتاب المقدّس: واضع ذاته إلى المنتهى وصولاً إلى القبول بالصليب. هذا هو التواضع الذي يلزمنا لكي نخلُص.

نحن نحاول ألّا نقع في الخطيئة، لكن الله، بقصد منه، يسمح لنا بالسقوط لكي يعلّمنا أن نحرز التواضع، وعندما نبكي على خطايانا يكلّلنا الله بالتواضع بسبب صراعنا مع الخطيئة. لذلك علينا ألّا نيأس أبداً.
اجعل عدم تكرارك لخطاياك قانوناً لنفسك، وقلْ: "لن أغضب بعد الآن، لن أفعل هذا أو ذاك...". ومن ثمّ قلْ: "يا ربّي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ". ثم احنِ رأسك تحت بطرشيل الكاهن.
سوف نفهم ما قد أحرزناه عندما يأتي الوقت الذي نقف فيه أمام الله. فالإنسان يقيس الأشياء بطريقة مختلفة عن قياس الله لها.
عليك ألّا تيأس البتّة إذا لم تنجز شيئاً، فهذا لا يعني أنّك فشلت. ما من خطيئة أعظم من محبّة الله؛ ما من خطيئة لا يمكن الانتصار عليها بمحبّة الله. اعترف وتقبّل المناولة المقدّسة ولا تنسحب من الكنيسة. من الأفضل أن تكون خاطئاً في الكنيسة من أن تكون فاضلاً وأنت خارجها. من الأفضل أن تكون مشاغباً، وتبقى مع المسيح، من أن تكون صالحاً لكن مع الشيطان. لن يخلّصنا صلاحنا وحده بل محبّتنا للمسيح وللجهاد الروحي الذي ننخرط فيه من أجل المسيح.
غفا أحد الرهبان خلال خدمة الصلاة في الكنيسة. تعرفون أنّ الحياة الرهبانيّة شظفة، فالنفس تتوق إلى الأمور العليا لكن الجسد لا يملك على الدوام القوّة اللازمة لاتّباع النفس. انتهت الخدمة وغادرنا الكنيسة. وفيما نحن نستعدّ للدخول إلى غرفة الطعام، قال أحد الرهبان للذي نام، محاولاً إغاظته: "لقد رأيتك يا أبتِ تغطّ في النوم ونحن في الكنيسة".
فأجابه: "أن ننام ونحن في فلك نوح أفضل من أن ننام ونحن خارجه".
من الأفضل أن نخلص بالمسيح حتّى لو نمنا في الكنيسة من أن نبقى مستيقظين في الشارع خلال الطوفان.
التوبة هي ما يخلّصنا ولا شيء آخر. لذا علينا أن نتوب باستمرار. لماذا الأمور هي هكذا؟ لأنّنا نخطئ طوال الوقت، ولأنّه يجب ألّا نرتبط بالخطايا التي نرتكبها. يقول القدّيس دوروثيوس إنّك يمكن أن تُغضب الآخرين من خلال الطريقة التي تتطلّع فيها إليهم وهكذا تقع في الخطيئة. فماذا يفترض بنا أن نعمل إذن؟ هل نختفي في حفرة وننتظر دون حراك حتّى نموت؟
حالما تفتح عيناك في الصباح قلْ: "يا ربّي يسوع المسيح ارحمني" و"المجد لك يا الله". إنْ تفعل هذا [على الأرض] فستفعله في السماء. عندما يقول المرء: "يا ربّي يسوع المسيح ارحمني"، فإنّه يُظهر رغبته في أن يكون مع المسيح وأن لا يخطئ بإرادته تالياً. أمّا إذا أخطأ فستكون خطيئته ضدّ إرادته، بحسب ما يقوله بولس الرسول: "أشعر في أعضائي بشريعة أخرى تحارب شريعة عقلي وتجعلني أسيراً لشريعة الخطيئة"(رو7/23-24). فإنْ لم يستطع بولس العظيم أن يغلب خطيئته، فهل سنغلبها نحن؟ فكيف سنخلص إذن؟ سنخلص بالتواضع وطلب الرحمة الإلهيّة.
عندما نطلب من الله شيئاً ما فهو غالباً لا يستجيب لنا. لماذا؟ ببساطة، لكي يحفظنا في الصلاة. وعندما يعطينا سؤلنا أخيراً نكتشف بأنّنا استفدنا من صلاتنا أكثر ممّا استفدنا من الذي أرسله لنا. لذلك يؤخّر الربّ أحياناً إعطاءنا ما نطلبه منه بلجاجة.
إنّه يضعنا أحياناً في أوضاع صعبة أو آلام؛ مرضاً على سبيل المثال، لكي يمنعنا من ارتكاب الخطيئة. أمّا إذا انتهى المطاف بنا في الخطيئة فلن نكون سعداء بالتأكيد.
الأب نيقن من الجبل المقدّس

تعريب المتربوليت سابا إسبر