أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

(عظة في شفاء البرص العشرة)

إنجيلُ اليومِ يا أحبّة مفيدٌ لنا جدّاً، وكلّنا في هذه الظّروف الصّعبة التي نجوزُها، كلّنا بحاجةٍ إلى أن نتمعّن فيه لأنّه يحمل لنا رسالةً بِتْنا ناسينَ لها تقريباً بالكلّيّة. إنّها رسالةُ حياةِ الشّكرانِ. أنْ نَشكُرَ، أنْ نَشكُرَ على كلِّ شيءٍ. واحدٌ فقط من العشرة شكرَ الرَّبَّ لأنّه منحَهُ الشفاء، وكان غريباً، أيْ ليسَ من الذين يعرفون الله. هذا يعني أنَّ نعمة الله قد تَلمُسُ أيضاً الذين قد نظنُّ نحن أنَّهم لا يعرفون الله، لكنَّ الأهمَّ أنَّه شَكَرَ، والأهمُّ بالنّسبة لنا أن نتعلّم منه أن نَشكُرَ.
نحن في هذه الأيّام العصيبة نشكو كثيراً، نتشكّى كثيراً، نتذمّر، "نفشُّ خلقنا" أمام بعضنا بعضاً. هذا أمرٌ طبيعيٌّ، لأنَّ الإنسان المُتْعَبَ بحاجةٍ لأنْ يعترف بتعبه، لأنْ يُخرِجَ ما بداخلِهِ من أتعابٍ وضغطٍ وتمزّقاتٍ. ولكنّه إذا اعتاد أن يُخرِجَها دائماً وأمام أيٍّ كان، يقعُ بعدَ حينٍ في الإدمانِ عليها وفي الاكتئاب وفي اليأس، ممّا يجعَلُهُ غيرَ منتبهٍ إلى ما عندَهُ من أمورٍ حسنةٍ، يصيرُ أسيراً للأمورِ المُتْعِبَةِ، ويأتي وقتٌ يرى فيه حتّى الأمورَ الحسنةَ غيرَ كافيةٍ وغيرَ مَرْضِيَّةٍ، وتالياً لا يستطيعُ أنْ يفرحَ بها حتّى في وقتها.
أليسَ هذا ما نحياهُ اليومَ؟ أينما ذهبنا لا نسمع إلا التشكّي مّما نحن فيه. حسناً، ما نشكو منه صحيحٌ، وما نحن قلقون منه وبسببه صحيحٌ، ولكنْ يَنْدُرُ جدّاً أنْ نسمعَ كلمةَ تعزيةٍ، كلمةَ تشديدٍ، كلمةَ رجاءٍ، ونحنُ أبناءُ الرّجاءِ والقيامةِ. أين يظهر إيمانُنا أيّها الأحبَّةُ إنْ لم يظهرْ في الشّدائدِ والضّيقاتِ؟ أيظهَرُ في الرّخاءِ؟ كلُّنا يعلَمُ أنَّنا في المرضِ نصلّي كثيراً، وعندما تعودُ العافيةُ والصِّحةُ ننسى أنْ نصلِّيَ.
لماذا لا يَشْكُرُ الإنسانُ؟ لأنَّه مشدودٌ دائماً بين واقعِهِ وبينَ ما يصبو أن يصيرَ واقِعَهُ، بينَ إمكاناتِهِ المحدودةِ وبينَ طموحِهِ اللامحدودِ. هذا الانشدادُ وهذا التوتُّرُ الذي يعيشُهُ هو توتُّرٌ خلّاٌق يجعلُهُ يحوِّلُ الصّحاري إلى واحاتٍ وجنّاتٍ، لكنَّهُ، إنْ لم يعشْهُ بشكرٍ وبفرحِ اللَّحظةِ التي هو فيها يصبح مأساةً عليه وكارثةً لأنّه يحرمُهُ من الفرحِ في اللَّحظة ومن الفرحِ بالأمورِ الحسنةِ لأنّه دائماً قلقٌ وخائفٌ ويريدُ أنْ يكونَ أفضلَ.
أَلا نُجَرَّبُ جميعاً ومرّاتٍ كثيرةٍ بأنْ نتطلّعَ إلى أفضلَ ممّا حَصَلْنا عليهِ في لحظةِ حصولِنا على الذي كنّا نسعى إليه كي نَحْصَلَ عليهِ؟ يُخْطَفُ الفرحُ من حياتِنا مرّاتٍ كثيرةٍ بأيدينا أيّها الأحبَّةُ لأنّنا لا نعرفُ أنْ نشكرَ ولأنّنا لم نَعْتَدْ ولم نُعَوِّدْ أنفسنا على أنْ نشكرَ.
المؤمنُ يشكُرُ على الأمور الحسنة التي عندَهُ في المرحلة الأولى. وكلّنا عندنا أمورٌ حسنةٌ، نشكر على الصّحّةِ ونشكر على أنَّ أولادَنا بِقُرْبِنا، ونشكرُ على الطَّقسِ، ونشكرُ على أنَّنا لا نزال نتمتَّعُ بمقوّماتِ الحياةِ ولو كانت بمستوى أدنى ممّا نرجو أنْ تكون. الذي يعرف أنْ يشكُرَ، يشكُرُ لأنّه يرى، أمّا الذي يتذمّرُ فقط فإنّه لا يرى، وتالياً ينتقل من غمٍّ إلى غمٍّ.
وعندما ننضج روحيّاً أكثرَ نشكرُ على الأمور الحسنة التي عند غيرنا. سُجِنَ أحدُ الكهنة في روسيا إبّانَ الحكمِ الشيوعيِّ سنواتٍ طويلةٍ في زنزانةٍ ليس بها مِنْ نوافذَ إلّا طاقةٌ قربَ السَّقفِ يدخلُ منها الضوء. عندما خرجَ من زنزانَتِهِ وأُطلِقَ سراحُهُ وجدوا على جدرانِ الزَّنزانة كتاباتٍ من الأسفلِ من الأرضِ وحتّى المستوى الذي تصل يدُهُ إليه: أشكرُكَ يا الله على الشّمسِ التي يتمتّعُ بها الآخرونَ خارجَ هذه الزّنزانة، أشكرُكَ على الهواءِ المنعشِ الذي يتمتّع به الآخرونَ خارج هذه الزّنزانة. عندما ننضج روحيّاً نشكر من أجل الآخرين، نشكر على الأمورِ الحسنةِ التي هي متوفّرةٌ عندَ كثيرينَ، ولو لم تكن متوفّرةً عندنا، لأنَّ الشُّكرانَ يجلِبُ الحبَّ أيّها الأحبّة.
وعندما ننضج أكثر نشكر حتّى على المحن والكوارث والضّيقات، لأنّنا نستنتجُ منها بعد حينٍ بنورِ اللهِ حكمةً وفائدةً لا نعلم بهما ساعة حدوثها. والكتاب المقدّس مليءٌ بخُبُراتٍ من هذا النّوع. عمل اللهُ على سبيلِ المثالِ من أجلِ تهيئةِ البشريَّةِ لمجيءِ المسيحِ من ابراهيمَ إلى القرنِ (الثّامن – السّابع) قبل الميلاد 1200 سنةً. وحطّمَ كلَّ ما فعله عندما احتلَّ البابليّونَ فلسطينَ. دمّروا الهيكلَ وسبوا الشّعبَ وقتلوا الكهنةَ. قال المؤمنون ماذا فعلت بنا يا ربُّ؟ ذَهَبَ كلُّ شيءٍ أنت تعبت حتّى عملتَهُ طِوالَ هذه القرونِ.
لكنَّنا في ما بعدُ نعلم من الكتاب المقدّس نفسِهِ أنَّ ما حصل كان لازماً وضروريّاً كي تتطهّر جماعة الله من دنيويّاتِ الوثنيّةِ التي كانت تخترقها حتّى تتهيّأ الأُمَّةُ التي يأتي منها المسيحُ ليخلِّصَ البشريِّةَ كلّها.
الأمثلةُ كثيرةٌ ولا يسعنا في هذه العظة القصيرة أنْ نتكلّم عنها كثيراً، لكنْ تأكّدوا يا أحبّةُ أنَّ الشّرَّ لا يأتي من الله، يأتي من الخطيئة التي تحكم هذا العالم، عالم السقوط، لكنَّ الله لا يمنعها أحياناً لأنّه يريد أنْ يُنتِجَ منها خيراً أفضلَ بكثيرٍ.
إنْ لم نَصِلْ إلى هذا النّضج الروحيِّ نبقَ أسرى حياة دنيويّة أرضيّة ملونّة ببعض ألوان الإيمان فقط لا أكثر، وتالياً لن نختبر الحياة الأبديّة التّي نحن مدعوون إليها ومدعوون إلى أن نعيشها منذ الآن، هذا كلّه يبدأ بأن نُدَرِّبَ أنفسنا على الشّكر.
اشكروا، اشكروا في كلِّ حينٍ، اشكروا على كلِّ شيءٍ أيّها الأحبّة، فتّشوا عن الأمور الحسنة أوّلاً واشكروا عليها حتّى تتدرّب نفسكم على الشّكران. آنذاك تستطيعون أن تواجهوا كلّ الشّدائد مهما عَظُمَتْ ومهما ثَقُلَتْ برجاءٍ وعذوبةٍ وتعزيةٍ تُبَلْسِمُ قلوبَكُم وتمنحكم السّلام الذي يحتاجه كلٌّ منّا. آمين.