أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

استعادة الأيقونة الإنسانيّة

"بعدما نادى الغرب بموت الله، بدءاً من نيتشه، لحقه سريعاً موت الإنسان، لا كشخص ذو فرادة فقط، بل كقيمة بحدّ ذاته. في خضّم استرخاص الإنسان بطرق أكثر من أن تُعَدّ وتُحصى، يُعيد حديث المطران كالستوس وير كشف عظمة الإنسان؛ مخلوق الله المميَّز. فيشرح، بسلاسته المعهودة التي يتمازج فيها العمق والبساطة معاً، أربعة أبعاد أساسيّة لمعنى الصورة الإلهيّة في الإنسان. ننقله إلى العربيّة لأهميّته، علّنا ندرك قيمتنا، وتالياً قيمة كلّ إنسان، في عيني الله وتالياً في عيني كلّ مؤمن" [المعرِّب].
***
تُفهم عبارة "الحنان الإلهي" بطريقتين: عموديّاً وأفقيّاً. نعني بالمعنى العمودي، حنان الله المنحدر إلينا من السموات. أمّا بالمعنى الأفقي فنعني به، انعكاس الطريق التي تَقَوَّينا فيها بحنان الله عبر إظهارها لبعضنا بعضاً. سنركّز في هذا الحديث على البعد الأفقيّ، بالأخصّ من خلال موضوع الحنان الإلهي واستعادة الأيقونة البشريّة. نبدأ بمقطع من القرن السابع للقدّيس الكاتب اسحق السوريّ:
"سأل شيخٌ: ما هو القلب المتحنّن؟ فأجابه: إنّه قلبٌ يحترق لأجل كلّ الخليقة: للبشريّة، للعصافير، للحيوانات، للشياطين، ولكلّ الموجودات. عند ذكرهم أو رؤيتهم تسيل دموع ذلك الإنسان لكثرة الحنان الذي يفعم قلبه. وبسبب رحمته العميقة فإنّ قلبه ينقبض ولا يستطيع تحمّل سماع أو رؤية أيّ ألمٍ أو أقلّه، وهو يلمّ بأيّ شيء من الخليقة. لذلك فهو يقدّم، باستمرار، صلوات ترافقها الدموع، حتّى لأجل الحيوانات غير العاقلة ولأجل أعداء الحقّ، وحتّى لأجل من آذوه، لكي يُحفظوا أو يحصلوا على الرحمة. حتّى إنّه يصلّي لأجل الزواحف بسبب تحنّنه العظيم الذي يفيض من قلبه من دون مقياس على مثال الله".
لاحظوا كم أنّ التحنّن الذي يتكلّم عنه القدّيس اسحق شاملٌ، يعانق الكلّ ويتضمّن الخليقة كلّها في مداه. إنّه أوّلاً، عطف على البشريّة بكلّيتها. ليس القدّيس اسحق انتقائيّاً، لكنّه لا يحدّ رؤيته بالكائنات البشريّة. يمتدّ عطفه إلى كلّ الخليقة الحيّة. نكرّر أيضاً بأنّه ليس انتقائيّاً. نعم علينا أن نحبّ الحيوانات الجذّابة كالعصافير والسناجب، لكن علينا أن نشعر بالعطف أيضاً على الحيوانات الأقلّ جاذبيّة: الزواحف، العقارب، البرغش. كانت الزواحف بخاصّة مؤذية وسامّة في الصحراء التي عاش فيها القدّيس اسحق. يقول: "علينا أن نعطف حتّى على الشياطين". وهذا ادّعاء أكثر غرابة. وعليّ أن أنصحكم، بأن لا تهتمّوا بعالم الشياطين ما لم تكونوا بمستوى قامة القدّيس اسحق الروحيّة، لأنّ الشياطين يشكّلون خطراً عليكم.
لاحظوا أنّ القدّيس اسحق يقول أيضاً إنّ الحنان النابع من داخلكم هو على مثال الله؛ فالحنان الإلهيّ انعكاسٌ مباشر لخلق الإنسان على صورة الله ومثاله. من دون العطف، فأنا لست إنساناً حقّاً: أنا دون الإنسان. من دون العطف أنا لست إنساناً، ولأستعمل عبارة C.S.Lewis في روايته Perlandro "أنا لا إنسان".
هذا يطرح سؤالاً: ما هي العلاقة بين الشخص البشريّ، أيقونة الله، ونوعيّة العطف؟ ولأجيب على هذا السؤال، نحتاج أوّلاً، إلى أن نسأل: "ماذا نعني بصورة الله ومثاله في هذا السياق؟". بتفحصّ هذا الموضوع، في بداية حديثنا، لنضع في الذهن أنّنا نحن البشر سرٌّ لأنفسنا. من أنا؟ ماذا أكون؟ ليس الجواب واضحاً على الإطلاق. فحدود الشخصيّة البشريّة واسعة المدى بشكل مفرط. تصل حدود البشر في المدى إلى اللانهاية، وفي الزمان إلى الأبديّة. كما أنّ الله يتخطّى فهمنا، كذلك الشخص البشريّ الذي على صورة الله، فهو يتخطّى الفهم أيضاً. نحن الأرثوذكس نحبّ الكلام عن اللاهوت الإيجابيّ واللاهوت السلبيّ. لكن نحتاج إلى موازنة هذه المقاربة أنثروبولوجيّاً بإيجابيّة.
يسأل الناس أحياناً ماذا نعني بهذه الألفاظ، الإيجابي cataphatic والسلبي apophatic؟ حسناً "الأبوفاتيك"، في الواقع، لفظة مُضَخَّمة نوعاً ما "للسلبيّ" أو "النفي"، أما "الكاتافاتيك" فهي لفظة مُضَخَّمة نوعاً ما للفظة "إيجابيّ" أو "توكيديّ". أريد أن أقدّم مثلاً توضيحيّاً على ما أقوله، من كتيب صغير موجود في بيتي يدعى "علامات الأزمنة". هذا الكتيب ثمرة مسابقة أطلقتها جريدة Time اللندنيّة، منذ سنوات. دُعي الناس إلى إرسال صور فوتوغرافيّة تصوّر ملاحظاتٍ لغزية أو متناقضة في ما بينها. ثمّة مثالان من ذلك الكتاب الصغير يوضحان معنى "أبوفاتيك" و "كاتافاتيك". الأوّل ملاحظة "أبوفاتيك" من أستراليا. تظهر الصورة لافتة كتب عليها: "هذا الطريق لا يقود إلى مدينتي "كيرنس" و"تاون فيل"، لكنّه لا يقول إلى أين يقود. أمّا الملاحظة الثانية ف "كاتافاتيك"، وتصوّر: خطّ سكّة حديد، وإلى جانب الخطّ يوجد صندوق بداخله جرس ولافتة تقول: "إذا رنّ الجرس فتوقّف وتطلّع وأنصت ولا تعبر الخط. وإذا لم يرنّ الجرس، فابقَ واقفاً ومتطلعاً ومنصتاً، فلعلّه لا يعمل".
تلاحظون من هذين المثالين أنّ العبارة السلبيّة قد تبلِّغ، في الحقيقة، رسالةً إيجابيّةً. فالعبارة التي تقول بأنّ هذه الطريق لا توصل إلى "كيرنس" و "تاونس فيل"، لا تعطي، في الحقيقة، فكرة إلى أين تقود هذه الطريق. هذه هي طبيعة اللاهوت الأبوفاتيك في التقليد الأرثوذكسي، بالضبط. فمن خلال نفينا ما هو الله عليه، نحصل على رؤية أو تبصّر معيّن عمّا يكونه الله بما يتخطّى الكلمات ويتجاوز اللغة ويذهب أبعد من تخيّلنا. الآن خاصيّة الشخصيّة البشريّة المبهمة الأبوفاتيك هذه تطال، بخصوصيّة أكثر، فهمنا لِما نعنيه بعبارة "الصورة والمثال". كتب أحد آباء القرن الخامس، إبيفانيوس سلاميس: "لا يمكننا إنكار أنّ كلّ المخلوقات البشريّة هي على صورة الله، لكن لا يمكننا أن نعقل بالمقابل، كيف أنّها على صورة الله". ويقول في مكان آخر إنّ التقليد يتمسّك بالقول بأنّ كلّ إنسان هو على صورة الله، لكنّه (التقليد) لا يعرِّف بالتحديد هذه الصورة ولا أين تقع بالضبط.
ثمّة قصّة عن توماس كارليل الذي في أُثناء رجوعه من الكنيسة في أحد أيّام الآحاد، قال لأمّه: "لا أعرف لماذا يعظون عظات طويلة؟ لو كنت أنا الواعظ لذهبت إلى اللبّ، ولما قلت أكثر من هذا: "أيّها الصالحون، أنتم تعرفون ما يجب أن تعملوه، اذهبوا الآن واعملوه". فقالت له أمّه: "إيه، يا توماس، ألن تخبرهم كيف سيعملونه؟". هذا ما فعله إبيفانيوس بالضبط، لم يقتنع بجواب والدة كارليل لأنّه لا يخبرنا كيف أنّنا على صورة الله. فهل نستطيع أنا وأنت أن نقوم بهذا الجواب بشكل أفضل؟
أودّ أن أستكشف معنيين لكون الإنسان على صورة الله.
قد يعني هذا أوّلاً، على صورة المسيح. وثانياً، قد يعني على صورة الثالوث القدّوس. فلنلقِ نظرة على هذين المعنيين. نعم، أوّلاً، تعني صورة الله المسيح، ابن الله، الكلمة Logos، عقل الله. وبما أنّ المسيح هو اللوغوس، فنحن البشر على صورة الله نكون "لوغييكين" ممنوحين عقلاً وإدراكاً ذاتيّاً وقوّة تفكير منظّم وحديثاً متماسكاً. نحن نتبصّر، نقرّر، عندنا ضمير وحسّ بالصحّ والخطأ؛ وهذه كلّها متضَمَّنة في الصورة الإلهيّة. [يتبع]
المطران كاليستوس وير
تعريب المتروبوليت سابا اسبر