أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

الصورة الإلهية في الإنسان
أريد أن أتطرّق إلى أربعة مضامين تخصّ الصورة الإلهيّة في الإنسان.

أوّلاً، تشير صورةُ الله إلى الملوكيّة. جاء في قصّة التكوين (1/26): "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا". كلمة الإنسان هنا التي تعني آدم، لا تحمل معنى الإنسان بصيغة الذَكَر، بل الكائن البشريّ. لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا، وليتسلّطْ على سمك البحر وطيور السماء وعلى القطعان والحيوانات البريّة والأرض". أن يكون في صورة الله أي يمارس السلطة، لكن السلطة هنا لا تدلّ على "الهيمنة أو التسلّط". لا تعني الطغيان الاستبدادي. لا تعني الاستغلال الشرس. السلطة التي لنا نحن البشر هي أن نكون على صورة الله ومثاله. في تعاطينا مع البيئة علينا أن نُظهِر محبّة الله وحنانه ولطفه. فالكائن البشريّ هو أيقونةُ الله الحيّ الحيّة. إنّه مَلِكُ الخليقة على مثال مَلِكِ الكون الإلهيّ. فلا ننسينَّ قطّ هذه الكرامة المَلَكيّة التي لنا نحن البشر.
ثمّة كلمةٌ في كتاب مارتن بوبر (+1965) "قصّة الحاسيديم؟"، ترد إلى ذهني. يسأل الرابي شاليمو: "ما أسوأ ما يفعله الشيطان؟". ويجيب: "أن يجعل أحدهم ينسى أنّه ابنُ المّلِك". هذا ما يسعى الشيطان إليه: أن يجعلنا ننسى كرامتنا، معنانا، نصيبنا، ككائنات على صورة الله الملك. هذا يبدو واضحاً في طقس التبخير في عبادتنا الأرثوذكسيّة. يبخِّر المحتفِل (الكاهن أو الشمّاس) المائدة المقدّسة من جوانبها الأربعة والأيقونات التي على الإيقونسطاس أوّلاً، ثمّ يبخّر المصلّين. وحالما يبخّرهم يحني رأسه أمامهم وهم بدورهم يحنون رؤوسهم أمامه. في هذا الطقس المترافق مع انحناءاتٍ متبادَلةٍ، نعترفُ بها بأنّ كلّاً منّا هو على صورة الله. يبخّرنا المحتفِل ويحني رأسه أمامنا لأنّه يرى فينا صورة الله الخالق. وهكذا فنحن أوّلاً ملوك وملكات حُمِّلنا مسؤوليّة ممارسة السلطة على العالم الذي حولنا.
ثانياً، تدلّ الصورة على الحريّة. كما أنّ الله حرّ، هكذا الشخص الإنساني على صورة الله هو حرّ أيضاً. حريّة الله مطلقة وغير مقيَّدَة، أمّا حريّة الإنسان فهي نسبيّة ومحدودة بالوراثة، بالتوالد، بالظروف الخارجيّة. ومع ذلك، فهناك توازٍ أصيل بين مستوَيي الحريّة هذين. بكلمات القدّيس مكسيموس المعترف: "إذا كان الكائن البشريّ مخلوقاً على صورة الألوهة المُحِبّة والفائقة الجوهر، فلأنّ الألوهة هي حريّة، وهذا يدلّ على أنّ الكائن البشري هو حريّة كما صورة الله". وهذا ما ورد في العظات المكاريوسيّة: "السموات، الشمس، القمر والأرض ليس لها إرادة حرّة، فقط أنت لك ذلك لأنّك على صورة الله ومثاله. لأنّه كما أنّ الله سيّد نفسه ويعمل ما يشاؤه، هكذا أنت أيضاً سيّد نفسك، وإذا ما اخترت فيمكنك حتّى أن تدمّر نفسك".
إذا عكسنا الأمر على الصورة الإلهيّة، فلنستدعِ إلى الذهن كلمات سورين كيركيغارد (+1855): "الشيء الأعظم الممنوح للكائنات البشريّة هو الاختيار: الحريّة".
إن أردنا بعض أمثلة على الحريّة بحسب الصورة الإلهيّة فلنتطلّع إلى شخص إبراهيم في العهد القديم، فنكتشف أنّه يترك بيته وينطلق إلى الأرض الموعودة. يخرج إلى المجهول من دون أيّ فكرة عمّا سيكون مقصده النهائي. إبراهيم مثال الخيار الشجاع الحرّ. أمّا في العهد الجديد، فنفكّر بوالدة الإله في حادثة البشارة. لم يُرِد الله أن يتجسّد من دون قبول طوعي ممّن اختارها لتكون أمّه. هذا يؤكّده بشكل خاصّ الكاتب البيزنطي القدّيس نيقولاس كاباسيلاس في القرن الرابع عشر. فملاك البشارة انتظر استجابة مريم الحرّة، انتظرها لتقول: "ها أنا ذي أَمَةٌ للربّ. ليكن لي بحسب قولك". كان بمستطاعها أن تقول لا. ولو قالت لا لكان تاريخ العالم مختلفاً. لم تكن العذراء القدّيسة في البشارة أداة منفعلة passive))، بل دُعيت لكي تلعب دوراً فاعلاً. إنّها مشارك خلّاق في حدث التجسّد.
الحريّة عطيّةٌ ثمينةٌ من الله، لكنّها تتطلّب أيضاً تضحية، وبإمكانها حتّى أن تكون مأساويّة. بكلمات الفيلسوف الروسي نيقولا بردياييف (+1948): "عرفتَ دوماً أنّ الحريّة تلد الألم، بينما رفضك لأن تكون حرّاً يقلّص الألم". ليست الحريّة سهلة كما يزعم خصومها وأعداؤها. الحريّة قاسية، إنّها حِملٌ ثقيلٌ. غالباً ما ينكر الناس الحريّة لكي يسهّلوا مصيرهم (نصيبهم). هذا يبدو بوضوح في رائعة دوستويفسكي (+1881) "الإخوة كارامازوف"، في قصّة المفتّش الأعظم. في تلك القصّة، يعود المسيح ثانيةً إلى الأرض، إلى إسبانيا، في القرن السادس عشر، حيث يبدأ بالضبط بعمل ما عمله في فلسطين في القرن الأوّل. يذيع بشرى الخلاص للبشر، يشفي المرضى، يبارك الأطفال. يراقبه المفتّش الأعظم بعدم رضىً ويرسل حرّاسه ليقبضوا عليه ويودعوه السجن. يأتي المفتّش إليه في السجن ليلاً ليراه، ويقول له: "لماذا عدتَ؟ أرجعتَ لكي تحرّر الناس. لكن هذه الحريّة صعبة عليهم جدّاً، وجعهم منها فوق طاقة احتمالهم، وقد انتزعنا منهم هذه الحريّة لكي يعيشوا حياتهم بهدوء ومن دون قلق، من دون ضغط. لقد صحّحنا عملكَ". لكن المسيح لا يجيب على اتّهامات المفتّش المطوّلة. وتنتهي القصّة بانهيار المفتّش لأنّه لم يتحمّل صمت المسيح. فيقول له: "اذهب". ويفتح له باب السجن قائلاً: "اذهب ولا تعد ثانية". أمّا المسيح فلا يقوم بأي تصرّف سوى أنّه يقبّل المفتّش ويمضي في طريقه. المقصود من هذه القصّة بوضوح هو أنّ الحريّة صعبة. وإذا ما أخذنا الحريّة من الناس فإنّهم، في الحقيقة، يعيشون حياتهم بسهولة أعظم وقلق أقلّ.
الحريّة، في الحقيقة، حِمْلٌ ثقيل. لكنّنا حالما ننكر حرّيتنا، نرفض صليب الاختيار والصراع، نرفض صورة الله فينا. نصير أقلّ من إنسان، نصير لا بشر. وعلى المنوال ذاته، إذا أنكرنا على الآخرين حرّيتهم، فإنّنا نشوّه إنسانيّتهم. نتوقّف عن اعتبارهم أشخاصاً أحياء على صورة الله. وهنا بالأخصّ، يكمن بؤس وشقاء وصدمة إثم الاتّجار بالبشر، وكلّ أشكال الاستغلال والإيذاء الجنسيّين. نعامل البشر في حالات كهذه لا ككائنات بشريّة، لا كمواضيع موهوبة الحريّة، بل كسلع للمضاربة كما نشاء. نعاملها إذّاك لا كأشخاص على صورة الله بل كأشياء. نفقد بهذه الطريقة كلّ التوقير للصورة الإلهيّة وهكذا نخسر كلّ حسّ بالعلاقة مع الآخر. لذا فإنّ الاتّجار بالبشر مخزٍ إلى حدّ هائل! إنّه إنكارٌ للضحيّة وللحريّة وللشخص.. إنكارٌ للصورة.[يتبع]
المطران كاليستوس وير
تعريب المتروبوليت سابا اسبر