أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

الصورة الإلهيّة في الإنسان

البعد الثالث لصورة الله هو الإبداع (القدرة الخلّاقة). يقول القدّيس أثناسيوس: الشخص البشريّ خالقٌ على صورة الله الخالق". وبعبارة J.R.Tolkien (+1973): "نحن خالقون فرعيّون sub creators وبتخصيصٍ أكثر، الحيوان البشريّ حيوان يستعمل الأدوات. فنحن لا نعيش في العالم ببساطة (على السليقة)، بل بقوّة هويّتنا في الصورة والمثال الإلهيّين. نحن نُعيد تشكيل العالم ونغيّره. نزوّده بمعنى جديد. نعطي الخليقة صوتاً، نعيدها لله تسبيحاً. تأمّلت في هذا الأمر مرّة فيما أنا عائد من فرنسا، حين تذكّرت فجأة أنّني لم أبتع هديّة لأمّي بمناسبة عودتي إلى البيت. فاندفعت بسرعة إلى داخل مخزنٍ في إحدى القرى، فوقع نظري على زجاجة عليها صورة سنجاب. وبما أنّني أحبّ السناجب، فقد فكّرت بشراء هذه الزجاجة. وكانت زجاجة مشروب عنبريّة Liqueur مصنوع من البندق. ففكّرت بأنّ السناجب تعمل الكثير من الأعمال: يمكنها أن تخطّط للمستقبل، وأن تجمع البندق وتخبئه مؤونةً للشتاء في أماكن خاصّة، وتنسى أين وضعت بندقها وتتعارك مع سناجب أخرى حول مؤونة البندق. وهذه ميزات بشريّة أيضاً. لكنّني تأمّلت في شيء واحد لا تعمله السناجب: إنّها لا تصنع مشروباً من البندق!
هذه صورة إيضاحيّة لجانبٍ من الصورة الإلهيّة. أن نكون على صورة الله، فنحن مزوّدون بقوى خلّاقة: نستطيع جعل الحقيقة تتجلّى في مستوى جديد، لكنّنا بالمقابل وبسبب قوانا البشريّة نستطيع أن نمسخ (نشوّه) الخليقة كما نستطيع أن نجعلها تتجلّى. يمكننا أن نسمّم المياه ونلوّث الهواء بطريقة لا تفعلها الحيوانات. نعم، إنّه لصحيح أنّ الحيوانات تفعل هذا ولكن إلى درجة محدودة: إنّها تغيّر العالم من حولها. حيوان السمّور يبني سدوداً، والنحل ينشئ خلايا للعسل، لكن الحيوانات لا تغيّر البيئة إلى الحدّ والعمق الذي يفعله البشر بقوّة الصورة الإلهيّة. يُمارَس إبداع الصورة الإلهيّة هذا في حقول مختلفة: في البحث العلمي، في الموسيقى، في الشعر، في الفنّ؛ خذوا رسم الأيقونات مثلاً! يقول القدّيس ثيودور الستوديتي: لأنّ الشخص البشري مخلوقٌ مُصاغ على صورة الله ومثاله، فثمّة شيء إلهيّ بخصوص القيام برسم أيقونة.
النقطة الرابعة والأخيرة أكثر أهميّة من الثلاثة الأولى (الملوكيّة والحريّة والإبداع). تشكُّلُنا على صورة الله يمنحنا وعياً ذاتيّاً يزوّدنا بوعي الله، بخيار واعٍ ومتعمَّد. نحن البشر بمستطاعنا أن نعيد تقديم العالم إلى الله. النقطة الرابعة هي مقدرتنا على أن نقدّم العالم ثانية إلى الله في التسبيح والتمجيد والشكران. بالشكر نصير أنفسنا. لا تستطيع الحيوانات أن تفعل هذا. الكروان والزيز والضفدع يسبّحون الله بطريقتهم، لكنّهم لا يدركون الله ولا يعونه.
باعتبار الإنسان أيقونة حيّة لله الحيّ فهو كاهن الخليقة. التقدمة الشاكرة ميزة أساسيّة في الطبيعة البشريّة. هنا أودّ أن أستشهد بنصّ من رواية دوستويفسكي "ملاحظات من تحت الأرض": "لنفترض أيّها السادة أنّ الإنسان ليس غبيّاً. وإذا لم يكن غبيّاً، فهو على نحو ما جاحد (ناكر للجميل، غير شاكر). إنّه على نحوٍ بارز كائن غير شكور. أفكّر غالباً بأنّ التعريف الأفضل للإنسان هو أنّه مخلوق له ساقان ولا يملك حسّاً بالامتنان". ويتابع بطل الرواية القول: "الإنسان وحده يقدر أن يلعن. هذا هو امتيازه، والشيء الذي يفرّقه بالأخصّ عن الحيوانات الأخرى".
كلّ هذا صحيح ولكنّه صحيح للإنسان الساقط، للإنسان الذي هجر الله، أمّا في حالة البشر الذين خلقهم الله من الأصل ليكونوا مُفتَدي المسيح، فصفاتنا معاكسة للصفات التي يقولها دوستويفسكي. الوصف الأفضل للإنسان، للكائن البشري، سمته الرئيسة التي تجعله يكون نفسه هي الشكر والامتنان. ما يفرّقه عن المخلوقات الأخرى، ما يشكّل امتيازه ككاهن للخليقة، هي قدرته على مباركة الله، على توسّل بركة الله للأشخاص الآخرين والأشياء. ذروة هذه التقدمة الشاكرة فعلٌ فائقٌ هو فعل العبادة البشريّة، الإفخارستيّا، الليتورجيا الإلهيّة.
يقال إنّ الحيوان البشريّ حيوانٌ يضحك ويبكي، عنده حسّ بالفكاهة وحسّ بالمأساة. هذا صحيح جدّاً. لكنّنا نحتاج إلى أن نذهب أبعد من هذا. يقال إنّ الحيوان البشريّ حيوانٌ منطقيّ أو سياسيّ. ولكن ثمّة ما هو أبعد وأعمق أيضاً؛ فالحيوان البشريّ حيوانٌ إفخارستيّ [شكريّ]، حيوانٌ يحقّق ذاته في فعل تقدمة الخليقة تقدمةً حرّة وشاكرة، فيعيدها إلى الله. لاحظ أنّنا في الليتورجيا الإلهيّة لا نقدّم لله حبّات قمح بل خبزاً، لا عناقيد عنب بل خمراً. نعيد إلى الله تقديم ثمار الأرض ولكن لا نعيدها كما هي بحالتها الطبيعيّة، بل بعد تحويلها بأيدٍ بشريّة. في تقدمتنا الليتورجيّة نعبّر عن طبيعتنا الأيقونيّة باعتبارنا مبدعين فرعيين، نعبّر عن قدرة الإبداع التي لدينا.
*****
الآن وقد فحصنا ما يعنيه كوننا على صورة المسيح، اللوغوس. فلنتكلّم بإيجاز متأمّلين في ما يعنيه أن يكون الإنسان على صورة الثالوث القدّوس. وهذا يعيدنا أكثر إلى موضوع الحنان. المعنى الأساسيّ والقاعديّ لإيماننا بالله الثالوث هو هذا: ليس المسيحيّون موحِّدين فقط، بل يميّزون في الله وحدةً أساسيّة وتنوّعاً شخصيّاً أيضاً. ليس إلهنا المسيحي إلهاً شخصيّاً فقط، بل فيه علاقة شخصيّة؛ ليس وحدةً unite فقط بل اتّحاداً. الله محبّة – لا محبّة ذاتيّة، محبّة موجّهة إلى داخل ذاته حصراً، بل محبّة الثلاثة – الآب والابن والروح القدس – محبّة الواحد للآخر، كلٍّ منهم يتوجّه نحو الآخر، كلٍّ منهم يقطن في الآخر ولأجل الآخر في محبّة ليست حصريّة بل شاملة.
وكما قال اللاهوتي الأرثوذكسيّ الكبير المعاصِر يوحنا زيزيولاس : "كيان الله كيانٌ علائقيّ". ويتابع: "من دون مفهوم الشركة، سيكون الكلام عن الله أمراً مرعباً بالمطلق". لنستعمل مصطلح مارتن بوبر، يوجد في داخل الله علاقة أنا وأنت المثلّثة الوجوه: من الأزل يقول الأوّل للثاني: "أنت ابني الحبيب". من الأزل يجيب الثاني الأوّل: "أبّا يا أبتِ". ومن الأزل يختم الثالث هذه المحبّة المتبادَلة.
كوننا مخلوقين على صورة الثالوث القدّوس الإلهيّ فنحن البشر مدعوّون إلى إنتاج هذه المحبّة المتداخلة (المتبادَلة) على الأرض. كلّ ما هو مؤكّد عن الله كثالوث مؤكّدٌ أيضاً على المستوى الآخر للكيان البشريّ المخلوق على صورة الله. ليس الله محبّة للذات مغلقة، بل محبّة متبادَلة ومشارِكة؛ وهكذا هي [أو ما يجب أن تكون عليه] محبّة الشخص البشريّ.
ما من شخص حقّ ما لم يوجد على الأقل شخصين في شركة واحدهما مع الآخر. شخصيّتنا الثالوثيّة البشريّة ليست متمركزة على الأنا، بل هي خارج الأنا. طبيعتنا البشريّة اجتماعيّة، أو لن تكون شيئاً. هذا هو "المعنى الأساسي لعقيدة الثالوث بخصوص الطبيعة البشريّة". أنا أحتاج إلى الآخرين كي أكون ذاتي.
يوضح كلّ ما ذكرناه القيمة المركزيّة للحنان من أجل كلّ فهم للأيقونة البشريّة. كوننا على صورة الله الثالوث، على صورة المحبّة، فإنّنا نصير بشراً حقيقيين من خلال مقدرتنا على أن نتألم مع الآخرين ومن أجلهم، في مرافقة طيّبة ومُحبّة. وهذا ما تعبّر عنه بصريّاً ورمزيّاً أيقونة الثالوث التي رسمها القدّيس أندريه روبليف بتصويره الملائكة الثلاثة الذين أتوا لزيارة إبراهيم تحت بلّوطة "ممرا". لا يجلس الملائكة الثلاثة في الأيقونة في صفّ واحد بل حول طاولة متوجّهين إلى بعضهم بعضاً، وفي وجوههم المتقابلة ونظراتهم المتبادلة نحن أيضاً موجودون نوعاً ما. الثلاثة منخرطون في حوار. ما هو موضوع حوارهم؟ "لقد أحبّ الله العالم حتّى إنّه بذل ابنه الوحيد". إنّهم يتحدّثون عن فعل إخلاء الذات، عن المحبّة العطوف، التي وفقها مات المسيح يسوع على الصليب. ثالوث روبليف إذن أيقونة الحنان الإلهي الفائق.
قال أفلاطون مرّة: "بدء الحقيقة هو أن تشعر بحسّ التعجّب". اليوم جدّد حسّك بالتعجّب أمام جمال الشخصيّة البشريّة، شخصيّتنا المخلوقة على صورة الله الثالوث: شخصيّتنا البشريّة المدعوّة إلى الحصول على مثال الله بواسطة عيش الحنان وممارسته، الحنان الذي هو مكلف ولامع، تضحوي ومفرِح بشدّة أيضاً.
المطران كاليستوس وير
تعريب المطران سابا اسبر