أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

الفارق بين الطُموح والطمع دقيق ورفيع، يكاد يكون بمقدار شعرة. كثيراً ما يخلط الإنسان بين الاثنين دونما وعي. أن تكون طموحاً يعني أن تبقى متطلِّعاً إلى الأفضل،

إلى التحسين والتطوير، إلى التقدّم والتنمية. أمّا أن تكون طمّاعاً فأنت تتطلّع إلى الحصول على المزيد ممّا يخصّك، إلى توسيع وتعزيز سلطتك، مكانتك، أملاكك، أموالك، فلا تتمتّع باللحظة التي أنت فيها، لأنّ شوقك إلى الأكثر ينهشك فلا يترك لك فرصةً للتمتّع بما أنت فيه.
الطَمُوح إنسانٌ راضٍ بما عنده ويسعى في الوقت ذاته إلى تطويره. أمّا الطمّاع فليس راضياً بما عنده، مهما عظم، وجلّ همّه أن يزيد ويستزيد.الفارق قائم في الشخصيّة. الأوّل ذو شخصيّة مرتاحة، سليمة، متوثّبة، بَهِجة، ذات توتّر خلاّق وطبيعيّ... بينما شخصيّة الثاني قَلِقَة، مضغوطة، غارقة في همّها، مشدودة ذات أعصابٍ متنبّهة ومُفقِدة للفرح.
يتطلّع الطَمُوح إلى الأحسن وهو سعيدٌ بما قد حصّله، وعيناه على ذاته، وعنده سلام وفرح داخليان، ويتمتّع بمحبّة الآخرين له وبمحبّته لهم. لا يحسد من هو أفضل منه، ولا تتآكله الغيرة منه، بل يحفّزه إلى السعي إلى الأفضل ما أمكنه، ليتحسّن ويحسّن أوضاعه، فيصير ما هي شخصيّته عليه ويحقّق ذاته ولا يفقد جوهره.
أمّا الطمّاع، فيتطلّع إلى المزيد وعيناه على الآخرين؛ يريد الفوز عليهم وإحراز قصب السبق ليكون هو الأوّل والمتفوّق في كلّ شيء. عيناه لا على حاجته بقدر ما هي على تجاوز ما عند غيره. إنّه إنسان غير مكتفٍ بما هو عليه ولا بما عنده. تحكمه عقدة الدونيّة التي تدفعه بدورها إلى التعظّم ومظاهره المختلفة بحجّة الطموح والترقّي والنمو.
يتعاطى الطَمُوح وأشياء هذه الدنيا، كالعلم والمال والممتلكات... إلخ، بحسب دور كلٍّ منها ووظيفته في الحياة. هي عنده وسائل لمتابعة الحياة وتحسينها، وتالياً للخدمة. أمّا الطمّاع، فيتعاطى معها باعتبارها أهدافاً قائمة بحدّ ذاتها. يسعى إليها ليمتلكها، فيصير هو في خدمتها.
الطَمُوح متواضع، أما الطمّاع فيستحيل أن يكون متواضعاً.
*****
راودتني هذه المقارنة فيما كنت أسمع، مؤخراً، ردود أفعال الأهل على نجاح أولادهم في شهادة التعليم الأساسي (البروفيه)هذا العام. لم ألحظ إلا قلّة تشكر على النجاح، وتشجّع ولدها عليه وتهنؤه وتفرّحه. في حين أنّ الأكثريّة، من أهالي المتفوقين والأذكياء بخاصّة، خطفت العلامات القليلة التي بقيت ناقصة عن العلامة التامّة فرحتهم! لقد أقلقهم وهزّ مشاعرهم سلباً عدم إحراز العلامة التامّة، فتنغصّ فرح نفوسهم بالنجاح. فأضاعوا فرصة التفوّق عليهم وعلى أولادهم!
هل بإمكاننا تسمية هذا السلوك طموحاً؟ لا أعتقد مطلقاً. إنّه، في عمقه، رغبة لا واعية في رؤية أولادهم أفضل من جميع الناس. رغبة متولّدة من حبّ التعظّم والغيرة والحسد. رغبة تجعلهم يطالبون أولادهم لا بتحقيق شخصيّتهم وذاتهم وصقل قدراتهم وتنمية مؤهلاتهم، فيصيرون أشخاصاً أسوياء وناجحين، بقدر ما تجعلهم يتعاطون وإيّاهم مجرّد وسائل لتحقيق رغباتهم الذاتيّة، وما عجزوا هم عن تحصيله في فتوّتهم.
تعاطٍ كهذا يجعل الولد محصوراً في الهمّ الدراسي على حساب حاجاته الإنسانيّة المختلفة، من جسديّة ونفسيّة وروحيّة، بغاية أن يصير خزنة معلومات تؤمّن له العلامة التامّة.
المعرفة الواسعة ليست محصورة بتجميع العلامات بحسب نظام تعليمي قد لا يكون الأفضل، لا بل هو بذاته قابل للتعديل والتغيير وفق الظروف والتطوّرات العلميّة نفسها.
لا نجد هذه الظاهرة عند بعض الوالدين فقط، بل عند بعض التلاميذ أيضاً. الإطار العام الذي صرنا نعيش فيه، بات يطغى على الجميع ويوجّههم لا إلى تحقيق ذواتهم وبناء شخصيّاتهم وإدراكهم، التي يعتبر العلم أحد ركائزها الأساسية في عالمنا المعاصر، بقدر ما يدفعهم إلى التنافس ضمنيّاً مع غيرهم بهدف إحراز السبق عليهم.
أعرف ولداً نقصته علامة ونصف عن العلامة التامّة. نغّصه أهله وقتلوا فرحته بالتركيز على سبب ضياع العلامة والنصف وكيف ولماذا وما كان يجب ...إلخ. فلم تعد لا حلوى النجاح ولا احتفالاته ولا تهاني المحبّين تعني له شيئاً، حتّى تسنّى لي لقاؤه والتصويب على الأخطاء التي رافقت إعلان النتيجة. ومع ذلك بقي إلى فترة ليست بقصيرة متأرجحاً بين كلام والديه وكلامي.
بينما آخر فرح له وبه والداه، لكنّه أصيب بحزن دفعه إلى التوحّد من جرّاء نقص بضع علامات. وعبثاً حاول الوالدان إخراجه من حزنه.
ألا تلاحظون أنّ مطالبة الأولاد بتحصيلٍ يفوق قدراتهم يوقعهم في الخيبة والعصبيّة لينتهي المطاف بهم إلى التمرّد أو الكآبة؟! أو أنّه يوقعهم في التوجّه نحو تحقيق مطالب أهاليهم، فينجحون لكنّهم يصابون بأمراض نفسيّة يبقون وأهاليهم يعانون منها طوال حياتهم!
من الضروري تنمية روح الطموح والنجاح دراسيّاً عند الأولاد، لكن هذا لا يتحقّق بالتركيز على تجميع العلامات التامّة. إن كان الولد عبقريّاً أو فائق الذكاء تصير العلامة التامّة نتيجة طبيعيّة لمقدراته الفائقة. الإنسان الطموح حقّاً يصير بالتوجّه نحو المعرفة وتوسيعها وتوسيع الإدراك عنده، بتنمية المقدرة على الاستيعاب والتحليل والنقد والتجريب، لا على مراكمة العلامات فقط.
ما نفع الإنسان في إحرازه العلامة التامّة، فيما هو ضعيف الشخصيّة وغير قادر على ما يحصل في العالم من حوله ولا على التواصل السليم معه؟ ألم تلتقوا بمتفوقين فوق العادة في اختصاص ما لكنّهم غير اجتماعيين بالمرّة؟!
لم أتكلّم هنا على بناء الشخصيّة الروحيّة السليمة. أردت فقط لفت النظر إلى خطر الخلط بين الطموح والطمع، وإلى التنبّه إلى خطر جعل أولادنا مستوعبات علوم لا حقول معرفة تنتج ثماراً تفيدهم وتفيد البشريّة بأسرها.
رحم الله والدي الذي لم يؤنبني مرّة على تقصيري في علامات الدراسة على الرغم من حلمه بأن أعوّض عن تقصيره وأصير طبيباً. بل كان يؤنبني عندما لا أبدي قدرة على استيعاب أمر ما تتمّ مناقشته. أرادني متفوّقاً، لكنّه أرادني صاحب معرفة أوّلاً، فكان له الفضل في حثّي على القراءة والبحث أكثر من تجميع العلامات. أكثر الله من أمثاله.