أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

فيما كنت أبحث عن تعاليم للقدّيس الجديد يوحنّا (مكسيموفيتش) (+1962)، بمناسبة عيده (4 تموز)، وقعت على عظة ألقاها بمناسبة أحد الدينونة

الذي يسبق الصوم الكبير، في أربعينيّات القرن الماضي في سان فرنسيسكو. يتطرّق القدّيس إلى المواضيع التي يبدو أنّها، كما اليوم، كانت مطروحة في أوساط الناس بعامّة، والمؤمنين بخاصّة: كعلامات نهاية الأزمنة والمسيح الدجّال وتهيئة العالم لمجيئه ومن ثمّ سحقه وإعلان ملك الله الأبديّ.
يقارب القدّيس الموضوع تقليديّاً ولكن بتواضع القدّيسين النادر. الملفت في العظة أنّ القدّيس لا يقدِّم ما يحدث في العالم على أنّه دلائل قاطعة لإثبات اقتراب نهاية الأزمنة، وإنّما يرى فيها إمكانيّة اقترابها. كما أنّه يطرح الأمور بقراءة إيمانيّة تحتمل التساؤل وتحمل على التفكير والتأمّل أكثر ممّا يقدِّم إثباتات لا نقاش فيها. ألم يعلّمنا السيّد الربّ نفسه أنّ تلك الساعة لا يعرفها أحد إلا الآب؟ ألم يطلب منّا أن نبقى صاحين وساهرين لأن ذلك اليوم يأتي كاللص في منتصف الليل؟
هاكم بعضاً ممّا ورد في عظته.
*****
يقول أيضاً إنّ سفر الرؤيا يتكلّم عن أحداث نهاية العالم والدينونة الأخيرة مجازيّاً وبطريقة غير مباشرة – مستترة. لكنّه يشدّد على تراجع الإيمان آنذاك أكثر ممّا يعطي علامات تفيد اقتراب الزمن الأخير. فيذكِّر بوجود تقليد كنسيّ أصيل يكلّمنا عن علامات اقتراب نهاية العالم وعن الدينونة الأخيرة.لكنّه، لكونه راعياً ممتازاً مهتمّاً بخلاص أبناء رعيّته، يركّز على البعد الإيماني الحياتي ليثبّت أولاده في الإيمان، فيستند إلى الآية القائلة "عندما يأتي ابن الإنسان أتراه يجد الإيمان على الأرض" (لو18/8) ليقول: "لن يكون ثمّة حالة خسران للحياة فقط بل للإيمان أيضاً...سينفذ الصلاح وينمو الشرّ... يصير الناس متكّبرين وجاحدين وناكرين للناموس الإلهيّ، وإلى جانب خسارة الحياة سيشهد العالم أيضاً ندرةً في الحياة الأخلاقيّة...ستتولّى القوى التي تهيّء لظهور "ضدّ المسيح" ((Anti Christ دوراً قياديّاً في الحياة العامّة. سيكون ضدّ المسيح إنساناً لا روحاً شيطانيّة متجسّدة".
ثم يذكِّر بقول الرسول بولس إنّ ضدّ المسيح لا يستطيع أن يظهر حتّى "يُزال كلّ ما يعيق" (2تس2/1-12). ويستشهد بالذهبي الفمّ الذي يشرح "ما يعيق" باعتباره السلطة الإلهيّة الناموسيّة. ويتابع القدّيس قائلاً: "تُصارِع سلطة [الناموس الإلهيّ] الشرَّ. أمّا "سرّ الإثم" الذي يعمل في العالم فلا يريدها، لا يريد أيّ سلطة تشنّ حرباً على الشرّ؛ على العكس، يريد سلطة الإثم، وعندما ينجح في تحقيقها، فلن يوجد عائق أمام مجيء ضدّ المسيح".
و"ستخون جموع هائلة الإيمان.أمّا نزعة البشر المميَّزة، فستكون السعي إلى التسوية. ستتلاشى استقامة الاعتراف بالإيمان. وسيبرّر البشر سقوطهم وستدعم نزعة التسوية الشرَّ المميت. وسيعتاد الناس على الارتداد عن الحقيقة وعلى حلاوة التسويات والخطيئة".
ويتابع قائلاً: " يقول القدّيس يوحنّا اللاهوتي إنّ جميع الذين يسجدون له (ضدّ المسيح) سيحملون علامة على جباههم ويدهم اليمنى. هل ستكون هذه العلامة على الجسد فعليّاً، أم أنّ هذا تعبير مجازيّ لحقيقة اعتراف البشر، في أذهانهم، بضرورة عبادة ضدّ المسيح وإخضاعهم مشيئاتهم له؟ ليس الأمر واضحاً".
يرد في رسالة بطرس الرسول أنّ الأرض والسموات ستنحلّ في اليوم الأخير. "ولكن يوم الربّ سيجيء مثلما يجيء السارق، فتزول السماوات في ذلك اليوم بدويّ صاعق وتنحلّ العناصر بالنار وتحاكَم الأرض والأعمال التي فيها"(2بط3/10).فيرى قدّيسنا في التكنولوجيا النوويّة (الانشطار النووي) إمكان فهم انحلال عناصر الأرض والسموات القديميتين، وذوبانها بنار هائلة. لكنّه لا يجزم، بل همّه أن يؤكّد على التعليم اللاهوتيّ بأنّ نهاية العالم لا تدلّ على عودته إلى العدم، بل على تحوّله. فكلّ شيء سيتغيّر فجأة بطرفة عين.
ويتابع قائلاً: "ستذوب كلّ العناصر، وينحلّ العالم في لحظة. سيتغيّر كلّ شيء في لحظة. وتظهر علامة ابن الله، أي علامة الصليب. والعالم كلّه الذي خضع، بطواعية، لضدّ المسيح "سينوح". وسينتهي كلّ شيء: يسقط ضدّ المسيح قتيلاً، وتنتهي مملكته وكذلك حربه مع المسيح. أمّا مسؤوليته عن حياة الناس، فتعود إلى الله الحقّ، المسؤول عن الحياة".
ويتساءل: "من هو إذن ذلك الرجل: ضدّ المسيح؟ يعطي الرسول يوحنّا صورة الرقم 666، لكنه يقول إن جميع المحاولات التي تمت لفهم هذه التسمية باءت بالفشل".
أمّا بخصوص الدينونة في اليوم الأخير، فيقول كلاماً لافتاً: "سيفرح بعضهم عند رؤيتهم علامة الصليب بينما يقع بعضهم الآخر في اليأس والحيرة والرعب. بهذه الطريقة ينفصل الناس عن بعضهم. في رواية الإنجيل يقف بعضهم إلى يمين القاضي وبعضهم إلى يساره – يفصلهم الضمير. تطرح حالة نفس الإنسان بعضهم في جانب وبعضهم في الجانب الآخر، إلى اليمين وإلى اليسار.حالة نفس الإنسان هي من يعيّنه في اليمين أو في اليسار.بعضهم يذهب إلى الفرح وآخرون إلى الرعب".
"عندما تنفتح "الكتب "يتوضّح للجميع أنّ جذور كلّ الرذائل إنّما هي في نفس الإنسان. هنا السكر أو الفسق. يعتقد بعضهم إذا ما مات الجسد تموت الخطيئة معه. لا، فالانحراف هو في النفس، والخطيئة تحلو للنفس. وإذا ما امتنعت النفس عن التوبة عن الخطيئة ولم تتحرّر منها، ستأتي إلى الدينونة الأخيرة برغبتها ذاتها بحلاوة الخطيئة، ولن تشبعها هذه الرغبة مطلقاً، وفيها ستعرف آلام الكراهية والخبث. هذه هي حال الجحيم".
"نار جهنّم"، يقول القدّيس يوحنّا"هي نار داخليّة، إنّها نار الرذيلة، نار الضعف والخبث، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان الناجم عن الخبث الواهن".
كلامه جدير بالتأمّل في زمن يخيف بعضهم الناس بكلام يقدّمونه بمثابة عقيدة!
*****
سيرة القديس يوحنا مكسيموفيتش (1896-1962) المعروف بأسقف شنغهاي أو سان فرنسيسكو، استثنائيّة جدّاً. ناسك إلى حدّ لا يُصدَّق وعجائبيّ منذ أن كان حيّاً، ولا تزال عجائب كثيرة تتمّ بشفاعته. تكرَّم رفاته الموجودة في كاتدرائيّة في مدينة سان فرنسيسكو "فرح كلّ المحزونين". يعتبر من أكثر القديسين المعاصرين تكريماً في أميركا والعالم.
ملاحظة :لقراءة العظة كاملة وتحمليها مجانا" الضغط على الرابط التالي :

عظة أحد الدينونة للقدّيس يوحنّا مكسيموفيتش