أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

بالإذن من أبي العلاء المعرّي نصف الضجيج الكلامي في واقعنا الكنسي على منواله، فنقول:

[في أنطاكية ضجّة بين أتباع المسيح،
هذا بالحقّ يدقّ وذاك بالحقّ يصيح،
كلٌ يعظّم حقّه يا ليت شِعري ما الصحيح؟].
*****
تبدو نغمةُ المناداة بالحقّ وحَمْلِ لوائه موضةً في وسطنا الكنسيّ في هذه الأيّام. إنّ زمننا المأساوي الشائك والدقيق يشكّل، من دون شكّ، تربةً خصبة لكي يُدلي كلٌ بدلوه في أيّ حدث كنسيّ مهما يكن غير ذي أهميّة.
ولا شكّ في أنّ وسائل التواصل الاجتماعي سهّلت الأمر جدّاً ونقلت الرأي من الحلقات الصغيرة، كما كان الأمر قديماً، إلى الحلقة الأوسع على مدىً جغرافيّ عالميّ.
ولا شكّ أيضاً في وجودِ أخطاءٍ وعثرات في كلّ مجتمع بشريّ، أكان دنيويّاً محضاً أو إلهيّ الطابع، لأنّ البشر خطّاؤون ولم يبلغوا إلى الألوهة.
ولا شكّ في أنّه يحقّ للمؤمنين التعبيرَ عن آرائهم ومواقفهم ومشاركتها مع الآخرين من إخوتهم.
ولا شكّ في أنّ الأحداث باتت تنتشر بسرعة مذهلة في هذا الزمن الإلكترونيّ، فيسمع بها القاصي والداني، المهتمّ وغير المهتمّ، ولكن من دون شكّ أيضاً، أنّ التشويش الإعلاميّ بات في ذروته، لأنّ كلّاً يقدّم وجهة نظره على أنّها الحقّ كلّه!
ضجيج الإعلام، المتنوعةُ أشكالُه وألوانُه والمتكاثرةُ شخصيّات مقدِّميه ومرَّوِجيه، بات يحجب الصورة الكاملة لأيّ لوحةٍ، فلا يرى المتلقّي إلّا الجزء الذي يقدّمه صاحب الخبر أو الرأي أو الموقف.
على هذا وغيره، صارت العاصفة تهبّ وتذرّي وتبعثر وتُعثِر سريعاً، أمام أيّ خبر ينتشر. والمحزن في الأمر أنّ أكثرية الناس لا تدقّق في ما تسمعه أو يصل إليها. يتبنّى أغلبهم موقفاً ممّا تلقّاه، ولا يكلّفون أنفسهم جهد التدقيق أو الاستفسار عن مدى صحة وصدق وموثوقيّة ما وصل إليهم!!
هكذا تكبر كرة الثلج لتصير كتلةً مدمّرةً لأيّ نفسٍ تصطدم بها، وتثير فيها الشكوك والاتّهامات والمواقف العنيفة وما إليها.
والأنكى من هذا كلّه، أنّ حملة لواء الحقّ يتطوّعون، من أجل الحقّ، للدفاع عن أيّ موقف يحدث في أوساطهم أو في أوساط غيرهم من الجماعات الدينيّة أو المجتمعيّة. حتّى باتت صرخة أحدهم في محلّها، وقد تساءل متحيّراً: "لماذا تنشأ العاصفة عند غيرنا لكنّها تبلغ ذروة عصفها عندنا؟".
******
قليلٌ من الصمت عن الكلام بات أمراً ملحّاً وواجباً. تَلزَمُنا عودة إلى النفس وقليل من محاسبة الذات قبل الغير، وشيء من التجرّد وتمييز الأهواء الشخصيّة التي تدفع بنا إلى الكلام الهجوميّ الطابع، الذي لا طائل منه سوى الضرر والتشكيك والإعثار والتشويش، لئلّا يصير الكلام هدّاماً بدلاً من أن يكون مفيداً، بنّاءً، مُصلِحاً، يقدّم بديلاً أو اقتراحاً أو رؤية، بهدوء وتواضع.
ما يحدث في أوساطنا، وما أظهره، بخاصّة، تطوّر العالم الافتراضيّ، كشف عن فجوة هائلة في عيش الإيمان. أنْ نحيا إيماننا باعتباره إيديولوجيا (نظريات وأفكار ورؤى...) أو فولكلوراً (احتفالات وتقاليد وعادات...)، يعني أنّ أزمتنا روحيّة وحضاريّة قبل أن تكون إداريّة أو رعائيّة أو اقتصاديّة ... إلخ.
هل يشارك كلّ من ينظّر أو يردّد كلام غيره إخوتَه في معاناتهم؟ أَلا يوجد فصامٌ حقيقيٌّ بين واقعهم والواقع الذي يعيشه معظم المؤمنين؟ أَمَا من أبراجٍ عاجيّةٍ (أوضاعٌ مادّيّة أو أمنيّة أو وظيفيّة أو جغرافيّة)، يطلق الكثيرون سهامهم منها؟ هل يعتقدون حقّاً أنّ آراءهم ومواقفهم كافيةً لتغيير الأوضاع وتصحيح المسار وقلب الظروف؟ أَلا يدركون أنّ مشاكلنا وأزماتنا ذات جذور تاريخيّة وتراكميّة أيضاً؟ وتالياً لا تنحلّ بمجرّد مهاجمتها وتعريتها!
المصلحون البنّاؤون يحتاجون إلى أن يكونوا محلّلين هادئين أكثر من منظّرين، مصلّين أكثر من مهاجمين منفعلين، مشاركين فعليّين للمتألمين الذين يحملون لواء الدفاع عنهم أكثر من مجرّد كلاميّين بخصوصهم، يفرغون شحنة غضبهم عبر سطور تذهب أدراج الرياح لكثرة السطور والمسطّرين في هذه الأيّام. وللأسف تذهب بعد أن تكون قد شحنت نفوس الكثير من غير العارفين بما يدور وشكّكتهم وشوشّتهم.
ألا يعرفون أنّ الربّ حذرّنا من إعثار الآخرين بكلام حادّ قائلاً: "من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له أن يُعلَّق في عنقه حجر الرحى ويُغرَق في لجة البحر. ويل للعالم من العثرات، فلابد أن تأتي العثرات، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة!" (مت18/6-7). [غنيّ عن القول أنّ العثرة تأتي بفاعلها وناقلها].
من ينادي بالحقّ عليه أن يستمع للحقّ الذي يحمله غيره أيضاً. محتكر الحقّ قاتلٌ لغيره ولجماعته ولو كان قصدُه إحياءَها.
للأسف لم أجد إلّا قلّةً نادرةً من المهاجمين الكلاميّين تشمّر عن ساعديها وتساهم في تأسيس ما يعزّي إخوتها أو يخفّف من معاناتهم.
يا أحبّة، تروّوا قليلاً وفكّروا قبل أن تنطقوا أو تكتبوا. اسألوا أنفسكم هل ما تقولونه يبني النفوس ويبلسم الجراح ويساهم في إصلاح الأوضاع ويزيد المحبّة الفاعلة؟
في أنطاكية نفوسٌ صادقة ونقيّة كثيرة، لكن فيها أيضاً الكثير من الشِعر والتغنّي والتنظير واحتكار الحقّ. الحاجة اليوم إلى فعلٍ أكثر منه إلى الكلام. هذا وقت تظهير إيماننا بسرّ التجسّد. هل نحتاج إلى التذكير بأنّ الله لم يخلّص البشريّة بالكلام، بل بالمسيح كلمته الذي تجسّد وشارك الإنسانيّة آلامَها ومات عنها وقام لأجلها ليقيمها إلى فجر الحياة الفضلى التي وعدها بها.
لنكن جميعاً على مثاله. كفانا غروراً وانفعالاً وتفريغ شحنات!
*****
#اليوم_عيد_رفع_الصليب. فلنتذكّر أنّ من أراد أن يكون مخلِّصاً عليه أن يصلب ذاته. بعيداً عن الصليب مآل كلّ كلام إلى تضخيم الوهم الذاتي لا غير.