أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

يعرّف الأنبا موسى، في كتاب "المحاورات" للقدّيس يوحنّا كاسيان، الإيمانَ هكذا:

"الإيمانُ هو إدراك الإنسان ووعيُه لحالته الخاطئة (من الخطيئة)، وتالياً شعوره بالحاجة إلى مخلّص". من الواضح أنّ تعريف الإيمان هذا تعريف حياتيّ لا عقلانيّ، يختصّ بحياة المؤمن ككلّ، لا بقناعته العقليّة وحسب.
ليس الإيمان قناعة عقليّة على المستوى الفكري فقط. "الشياطين، بهذا المعنى، "يؤمنون [بوجود الله] ويقشعرّون" (يع 2/19). وثمّة أناس كثيرون يعتقدون بوجود الله، لكنّهم يعيشون بمقتضى هواهم الشخصي لا بمقتضى هوى الله. الاعتقاد بالله يبقى فكراً، قناعةً، لك أن تتناقش فيها وتتجادل وتتحاور مع الذين يخالفونك بالفكر ولا يعتقدون اعتقادك، وقد يكون مسرى حياتك وحياتك متشابهاً وحتّى واحداً!!إذّاك يكون الله عندك فكرة تتبنّاها، وعند غيرك فكرة يرفضها.
إيمانك بالله ينشئ فيك علاقة شخصيّة معه، أو تبقى بعيداً عن معرفته إلهاً حيّاً. ماذا ينفعك الإيمان إذا بقي على صعيد الاعتقاد، ولم يلامس قلبك ويغيّرك من الداخل، لا على صعيد الأخلاق والسلوك فقط، بل على صعيد الكيان كلّه؟ ما الفائدة منه إذا لم تختبر به السلام الداخلي الذي لا ينزعه شيء أو أحد منك، وإذا لم تغمرك المحبّة وتحوّلك إلى إنسان جديد.لاحظ كم أنّ فعليّ "آمن"و"أَمِن" قريبان في اللغة العربيّة. أن تؤمن بالله يعني أن تأمَن له، وتالياً تسلّمه حياتك، فتتحوّل إليه لتصير حياتك حياته (1يو 3/2).
بحسب الإيمان المسيحيّ لا تستطيع أن تؤمن بالله وتبقى على ما أنت فيه من عيوب ونقائص ورذائل. قد لا تتخلّص منها كليّاً، لكنّك إذا لم تبقَ أميناً على جهاد يوميّ، في سبيل التحرّر منها والترقّي في حياة الفضيلة، يبقى إيمانك غير فاعل وتتحمّل أنت مسؤوليّتك ومسؤوليّة تشويهه ونفور الآخرين منه بسبب من مسلكك غير المتطابق معه.
بحسب التقليد الروحيّ الأرثوذكسيّ لا تتحقّق معرفة الله لا بواسطة الفلسفة ولا العلم التجريبيّ، بل من خلال ممارسة الحياة الروحيّة المنتظمة، التي باستطاعتها وحدها منح الإنسان الانفتاحَ على الروح القدس. إذّاك فقط، يمكن للإنسان أن يتذوّق الله ويحظى بنعمة منه، باختبار فعليّ حيّ لمعرفته. ما عدا ذلك، يبقى الإنسان قابعاً في حدود المعتقدات والإيديولوجيّات.
المنطلق هو وعي الحاجة إلى مخلّص. أتى المسيح لكي يخلّص البشر، لا ليعطيهم بعض إرشادات وتعليمات. عندما لا يسعى المؤمن إلى خلاص نفسه يكون خارج البيت الأبويّ الإلهيّ. كثر هم الذين يريدون استرضاء الله وحسب، فيعمدون إلى ممارسات ليست سيّئة بحدّ ذاتها لكنّها غير كافية. جلّ همّهم أن يحوزوا على رضى الله لينعم عليهم أو يقيهم العقاب. هؤلاء يسمّيهم التراث الروحيّ الأرثوذكسيّ أجراء وعبيداً.
المؤمن الحقّ يسعى إلى تجاوز مرحلتي العبد والأجير ليصير ابناً لله حقّاً. يتخلّق بخلق الله ويتشبّه به محبّةً وبذلاً ولطفاً ووداعة وطهارة وسلاماً وسعادة ...إلخ. عندما نتكلّم عن مراحل التطهير والاستنارة والتألّه الموازية للعبد والأجير والحرّ نتكلّم لاهوتاً أرثوذكسيّاً صافياً. فالله لا يحتاج إلى استرضائك له، بل أنت تحتاج إلى العيش في كنفه، ونفسك لا تجد الراحة والسلام إلا بحضوره فيك.
من هنا كان التواضع الفضيلة الأولى والأهمّ في مسيرة المؤمن. ما لم تدرك عجزك عن هجران الخطيئة من جذورها، فعلاً وقولاً وفكراً، لم تبلغ بعد إلى التواضع الذي تحتاجه ليكون إيمانك بالله مغيِّراً لك ومجلّياً (على مثال المسيح في تجلّيه على جبل ثابور) إيّاك بنوره الإلهيّ غير المخلوق الذي لا يخبو. التواضع هو إدراك داخلي بافتقارك إلى الله.
لا يدعوك الإيمان المسيحيّ، الأرثوذكسيّ بخاصّة، إلى مجرّد اتّباعٍ رتيب لبعض القوانين والقواعد المسيحيّة، بل يطلقك في درب نمو صورة الله المخبوءة فيك والمشوَّهة بفعل السقوط الأوّل، لكي تصير على المثال الإلهيّ. عدا ذلك أنت مجرّد إنسان "آدميّ" كما نقول بالعامية، لأنّك تخاف الله، ومن المرجّح أن تتخلّى عن آدميتّك هذه عندما تنضغط أو تتعرّض لأذىً أو إساءة كبرى! ربّك يدعوك إلى ما هو أعظم من "الآدميّة" بكثير.
كيف يعي الإنسان حاجته إلى الخلاص؟ كيف يدرك حالة الخطيئة التي يحيا فيها؟ يساعده في ذلك جهاده من أجل التغلّب على الخطايا المتجذّرة فيه. عندما يحاول ويجتهد ويكتشف أنّه لم يتحرّر بعد، يدرك أنّ جذور خطيئته عميقة، أو أن محبّته لها نافذة إلى ثنايا خلاياه، إلى درجة يعجز عن نزعها من دون نعمة الله، فيتجّه إليه حاملاً عجزه الشخصي ورغبته الخالصة في الخلاص.
وقد يسمح الله محبّةً بك أن تختبر ألماً ما ليكسر كبرياءك ويوقظك إلى اللآلئ الروحيّة المخبوءة في داخلك، فتكتشف أنّك قادر بنعمته على أن تصير سماء على الأرض، وما كنت تدرك هذا من قبل. حينئذ تشكره على الألم الذي مررت فيه، فلولاه لما كنت لتدرك ما فاتك من الحياة الفضلى.
من هنا تفهم الصليب أداة خلاص، سواء كان صليب جهاد داخليّ شخصيّ ومرير للتحرّر من كلّ ما يلصقك بالأرضيّات ويمنعك من التحليق والسموّ، أو كان ضيقاً أو شدّة أو صدمة وما إليها. إن عرفت كيف تحمله بصبر وتسليم الذات لله يوصلك إلى القيامة التي ترنو إليها.
اتّكالك على جهودك فقط وعدم طلبك نعمة الله وحضوره فيك قد يوهمك بأنّك تسير قدماً، لكنه لا يمنحك الفرح والسلام الراسخين داخليّاً، واللذين يتغلّبان على ما قد تصادفه من مصاعب وشدائد ممّا لم يخطر ببالك يوماً أنّك قد تتعرّض لها.
اعرف ذاتك وإمكاناتك، حارب غرورك، انفتح على عالم الله. عاشر قدّيسيه. لا تبقَ محدوداً ببشريّتك الساقطة. هكذا تحيا القيامة ولو كنت على الصليب.