أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

يقع عيده في 28 أيلول من كلّ عام

لمع نجم القدّيس اسحق السريانيّ في منتصف القرن السادس، معلِّماً بارعاً في الحياة الروحيّة، حتّى ضُرب المثل به بالقول المتداول في الأوساط الرهبانيّة، الآثوسيّة بخاصّة حالياً: "بِعْ كلّ شيء واشترِ اسحق"؛ والمقصود بالطبع كتاب القدّيس اسحق.
أصل هذا القدّيس من القطر الغربيّ من الخليج العربي [كان هذا القُطر يمتد من الكويت إلى جنوبي عُمان]. انتهج السيرة الرهبانيّة منذ حداثته وترقّى فيها حتّى لمع في سماء الفضيلة والكمال، فذاع صيته الحسن واستُدعيَ إلى الأسقفيّة، واختير أسقفاً على نينوى (العراق). لكنّه لم يتحمّل رعاية من لا يهتمّون بتطبيق الكلمة الإلهيّة وعيشها، فطلب التخلّي عن الأسقفيّة والعودة إلى حياة التوحّد والصلاة الملائكيّة.
إليكم الحدث الفاصل كما ورد في سيرته: "في يوم من الأيّام، بعد تسلّمه عصا الرعاية، وبينما هو في مبنى الأسقفيّة جاء إليه اثنان، أحدهما دائن والثاني مديون. وكان الأوّل يطالب الثاني بالدَين الذي عليه، بالرغم من أنّ الثاني كان يعترف له به. وإذ لم يكن المال متوفّراً لديه طلب من الأوّل أن يمهله وقتاً قصيراً من الزمن ليؤمّن له المال المطلوب. فانتفض الدائن وقال للقدّيس، إنْ لم يفِ هذا الرجل الدَين اليوم فإني سأشكوه إلى القاضي. فأجابه القدّيس وقال: اسمع يا بنيّ، مادام الإنجيل يوصينا بعدم مطالبة الأشياء المغتَصَبة ذاتها، ألا ترى أنّه حرّيٌّ بك أن تهمل مديونك يوماً واحداً ليؤمّن لك مالك؟ فأجابه ذاك العاتي المستبدّ: دعْ الآن جانباً ما يقوله الإنجيل!
فلما سمع القدّيس هذا الكلام قال في نفسه ماذا جئت لأعمل هنا ما دام هؤلاء الناس لا يسمعون لوصايا الإنجيل؟ وبعدما تذكّر حياته الهدوئيّة الأولى البعيدة عن الاضطرابات ورأى نفسه مشتّتاً بمسؤوليّات الأسقفيّة، وقارن بينهما، ترك منصبه وتوجّه إلى البرّيّة المعشوقة راجعاً إلى قلّايته وقضى فيها بقيّة حياته مجاهداً ومترقّياً حتّى بلغ مرحلة متقدّمة جدّاً اختبار الحياة مع الله، وبات معلّماً روحيّاً عظيماً. ولايزال كتابه ملهماً للأعداد الهائلة من طالبي الكمال المسيحيّ.
دونكم بعضاً من تعاليمه:
- بدء الحكمة مخافة الله.
- بداية طريق الحياة هي تأمّل الذهن بصورة مستديمة في أقوال الله، والعيش في الفقر.
- لا يستطيع أحد أن يقترب من الله ما لم يبتعد عن العالم أوّلاً. ولا أعني بالابتعاد الابتعاد الجسديّ، بل الابتعاد عن أمور العالم.
- مادام حبّ الجسد مسيطراً عليك، فلن تقدر أن تكون شجاعاً وخالياً من الفزع، تجاه ما يداهم جسدك المحبوب من مضادّات كثيرة.
- الإنسان الذي يقرأ النصوص المهمّة قراءة سطحيّة يجفّ قلبه وتخمد فيه تلك القوّة المقدّسة التي تمنح القلب مذاقاً حلواً وتساعد النفس على الفهم بطريقة عجيبة.
- من يهرب من المجد الفارغ بمعرفةٍ يقتني في نفسه حسّ الدهر الآتي.
- أعتقد أنّ المحسن ما لم يتخطّى إحسانه حدودَ عدلِه فليس بمحسن.
- لا تربط حرّيتك بأسباب التنعّم كي لا تصبح عبداً للعبيد.
- أحبب العفّة كي لا تُخذَل أمام الله أثناء الصلاة.
- احسب نفسك بحاجةٍ إلى التعلّم في كلّ شيء فتُعتبر حكيماً كلّ حياتك.
- عندما تصنع خيراً مع أحد لا تنتظر منه المكافأة، وبذلك يجازيك الله علانيةً.
- بدء ظلام الذهن هو الكسل في الخدمة والصلاة، ولا سبيل لضلال النفس سوى الانحراف عنهما.
- لا يتحرّر الإنسان من لذّة فعل الخطيئة ما لم يمقت سببها من كلّ قلبه مقتاً نهائيّاً.
- الرأفة هي بمثابة حزنٍ تحرّكه النعمة وتُميله نحو الجميع بعطفٍ دون أن تجازي الشرّير بالشرّ، وإنْ كانت تملأ بالخير من يستحقّه.
- إنّ زلّات الجسد بإزاء تدبير الله ورحمته تشبه حفنةً من تراب مرميّة في بحر كبير، وكما أنّه لا يمكن سدّ ينبوع فائض بغزارةٍ بحفنةٍ واحدةٍ من التراب، لا يمكن أن تغلب شرور المخلوقات عظمة الله ورأفته.
- إذا أعطيتَ شيئاً لمحتاج تداركه بالابتسام وعزِّ ضيقه بأقوالٍ صالحة، لأنّ ذهنه يفرح بالابتسامة أكثر ممّا يفرح بنوال الحاجة.
- ليس من فهمٍ من دون تواضع، ومن يخلو من الثاني يخلو من الأوّل.
- اجلس مع البرص ولا تجلس مع المتكبّرين.
--------------
السريانيّ بمعنى أنّه كتب باللغة السريانيّة. هكذا يصنّف الأدب اللاهوتي الآبائي فيقول: "الآباءَ اليونان" (أي الذين كتبوا باللغة اليونانيّة، وهم ليسوا بالضرورة من بلاد اليونان الحاليّة، كيوحنّا الدمشقي على سبيل المثال لا الحصر)، و"الآباء اللاتين" (الذين كتبوا باللغة اللاتينيّة، وليسوا بالضرورة من أتباع الكنيسة الباباويّة، كجميع القدّيسين الغربيّين الذين وُجدوا قبل الانشقاق الكبير 1054م)، و"الآباء السريان" (الذين كتبوا باللغة السريانيّة، وليسوا بالضرورة من الكنيسة السريانيّة اليعقوبيّة (ذات الطبيعة الواحدة) المعروفة في اللغات الأجنبيّة بال SYRIAC تمييزاً لها عن ال SYRIAN". علماً أنّ النسخة السريانيّة لكتاب القدّيس اسحق الشهير قد فُقدت مع الزمن، ووتعتبر النسخة اليونانيّة النسخةَ الأصلية له اليوم.