أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

الكبير غير المتكبّر، كما أنّ الرفيع غير المترفّع.

عندما تشرف على الطبيعة من قمّة جبل مرتفع ترى أمداء وجمالات لا تراها عندما تكون واقفاً في نقطة منخفضة. العلو جميل ومدهش، أمّا التعالي فقبيح وقميء.
التعالي صفة شخصيّة يتّسم بها من يعتبر نفسه أعلى من الآخرين وأكثر فهماً، وسامةً، مالاً، قيمةً، ...إلخ منهم. يرى المتعالي نفسه أفضل من الجميع وفوقهم. ينظر إليهم من علٍ، فيراهم صغاراً قدّامه.
الأمر ذاته ينطبق على المتكبّر، وهو إلى ذلك لا يغفر ولا يتغاضى ولا يسامح وإذا ما تجاوز، أحياناً، إساءةً ما فلأنّه لا يقيم وزناً لمن ارتكبها ولا يعتبره كائناً بشريّاً مثله. إنّه، حتّى في تجاوزه الإساءة يتجاوزها بدافع الكبرياء.
ليس هكذا الكبير. فهو، لأنّه يحبّ الأشخاص والمجتمع بعامّة ويريد خيرهم، يَسَعُ ويحتوي ويستوعب ويتغاضى ولا يتفوّه بكلام يجرح أو يؤذي أو يعيق تقدّم الروح الإيجابيّة.
يميّز الكبير جيّداً بين النقد والانتقاد، فترى كلماته مدروسة ورصينة وفي محلّها. إن جرح فبنيّة الشفاء وحدها. لا تحرّكه غيرةً أو هوىً أو أَثَرَةً ولو كانت فيه باعتباره بشراً، إلّا أنّه يضبطها ويبقى صاحياً لئلّا تكون الدافع وراء تصرّفه، بل ما يعاكسها من نيّات ورغبات وإرادة خيّرة.
إذا ما رأى تصرّفاً وضيعاً يعبر عنه ولا يقف عنده، فاهتمامه منصبّ على ما هو رفيع ومفيد وبنّاء. وإن تعرّض للإساءة فإنّه يتجاوزها محبّةً بفاعلها ومن أجل الخير العام، بخاصّة إذا ما كانت ردّة فعله تجاه المسيء ذات أثر سلبيّ على الصعيد العامّ.
الكبير متواضعٌ لأنّه يستوعب، ولا يجعل ذاته عائقاً أمام أيّ عمل مفيد للآخرين، ولو كان في هذا العمل تجاوز له أو إساءةٌ شخصيّة، بقصد أو بغير قصد. وهو تالياً، يقظٌ في أيّ عمل أو تصرّف يُقدِم عليه، لئلّا يتجاوز غيره أو يسيء إليه أو إلى الجماعة. لا يريد أن يسبّب ضرراً أو إعاقةً، لا بتعمّد ولا بغير تعمّد.
عدم وقوفه عند الصغائر والتفاصيل سمة الكبير. فعيناه على الغاية الأساس. يتطلّع إلى الأفضل والأحسن والأكمل والأكثر فائدة لغيره وللمجتمع. في سبيل هذه الأهداف يغضّ الطرف عن أمور كثيرة ومواقف قد تكون لصالحه وتتناسب مع بشريّته، لكنّه لا يراها موافقة للبناء. لذلك تراه يتخطّى تعدّيات ومظالم تقع عليه وتسبّب له ألماً، لا بل قد تجرحه في الصميم.
ليس الكبير أبله، لأنّه يرى كلّ شيء ويعرف مكامن الشرّ ودوافعه، ويدرك الحساسيّات والأوضاع الشائكة، لكنّه لا يقف عند كلّ هذه وما يشابهها. يعرف الإساءة والمسيء لكنّه يتغاضى عنهما لأنّ همّه أكبر بكثير من هذه الصغائر.
في تغاضيه عن الأخطاء لا يكيد ولا يناكف ولا يعاكس كي يثبت ذاته، ولا يستنكف عن العمل بسبب الأخطاء سواء جاءت عن طريقه أو عن طريق غيره.
الإنسان، بعامّة، يغفر لنفسه ويتسامح معها، لكنّه لا يفعل هذا الأمر مع غيره. الكبير يحاسب نفسه ولا يتساهل معها، وفي الوقت ذاته، يتجاوز أخطاء غيره وإساءاته ويغفرها.
وإذا ما ظُلم واعتبر أنّ ما يحدث يضعه في موضع حرج وعسير، وقد لا يقدر أحياناً على تحمّله، فإنّه، وإن اختطّ لنفسه نهجاً جديداً، لا يعادي من سبّب له ذلك، بل إن كان من المؤمنين، يؤمن بأنّ ما حصل عن طريق هذا أو ذاك، شخصاً كان أو مجموعةً، إنّما حصل بسماحٍ من الله بدافع محبّته الشخصيّة له كي يستزيد هو من الفضائل التي تنقصه، وينتبه إلى الرذائل التي لا تزال معشِّشة فيه، بخاصّة تلك المختبئة في الزوايا المعتمة من داخل ذاته. يعتبر الصدمة، أو الظلم أو الإساءة نعمة أخرجت العقارب القاطنة فيه، تلك التي تبثّ سمومها في داخله، كلمّا ظُلم أو افتُري عليه، ليشتعل غضباً وثوراناً وحقداً وتحاملاً، وهو يعتقد أنّه يدافع عن الحقّ، بينما الحقيقة، أنّ الأنا المجروحة تتآكله وتزيد في نيران أهوائه السيّئة اشتعالاً.
هذا لا يعني أنّه لا يدافع عن حقّه، أو يتنازل عنه بسهولة، لا، بل يفعل هذا برقيّ إنسانيّ وأساليب خالية من الأهواء الشخصيّة. لذلك تراه يصمت حينما تقع الواقعة، لتهدأ انفعالاته ويصير قادراً على التحكّم بها. بعد ذلك يفعل ما هو مناسب.
الكبير إنسانٌ إيجابيّ، لا تخيّبه السلبيّات، سواء كانت فيه أو في غيره. فهو وإن توقّف أمامها أحياناً بداعي إنسانه الذي لم يبلغ الكمال بعد، غير أنّه يعاود النهوض ليتابع عمله البنّاء متجاوزاً المعوّقات الشخصيّة بشكل خاصّ. عيناه مثبّتتان على ربّه لا على البشر الذين ما من كامل بينهم. اختباره لضعفه الشخصيّ أمام رذائله وعيوبه، يدفعه إلى التماس الغفران لغيره وتفهّم ضعفه إزاء تجاربه وطبائعه ونشأته وظروفه.
الكبير كبيرٌ بربّه وبه وحده يكبر. وعندما يتطلّع إلى غيره يشرف عليه من رفعة نور الله الساكن فيه، فيراه على غير ما يراه من يتطلّع إليه انطلاقاً من مواقف وحسابات و"حرتقات" بينهما.
الكبير يحبّ الصمت ويفضّله لأنّه يفسح المجال للتروّي. يدرك الكبير أنّ للكلام وقتاً وللصمت وقتاً، فلا يستعجل الكلام ولا يدخل في جدال وسجال إلّا حينما يلهمه الله ويرى أنّ الشهادة للحقّ باتت ضرورة قصوى، أو أنّ التقريب بين المتنازعين بات ممكناً بنعمة الله.
إنّه إنسان صلاة. الله تعزيته الوحيدة بما يتحنّن عليه مباشرة أو عن طريق الأحبّاء. يمنعه روح الصلاة من الوثوق بقدراته الشخصيّة وحدها والاعتماد عليها في تقويم الأمور، بل يضع المواهب التي منّ الله عليه بها في تصرّف الله، الذي إذا أراد، يستخدمه صوتاً له للحقّ أو قلباً للتعزية أو يداً لإيصال العطيّة. لا يطرح نفسه من ذاته، بل بتكليف إلهي لا يتأكد الإنسان بعامّة منه إلّا إذا كان على طهارة رفيعة ومحاسبة دقيقة لذاته.
كم من كِبارٍ بيننا لا نلحظهم! وكم نحتاج إلى وفرة في الكِبار!
اللهمّ لا تحرمنا منهم أبداً.