أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

أتاني دامعاً يشكو من التحاق عائلة أعزّ أصدقائه بجماعة مسيحيّة من تلك الجماعات التي ظهرت في بلادنا في السنوات الأخيرة،

وذلك بسبب العوز الذي يضرب بلادنا، وكنت قد أنهيت للتوّ، قراءتي للكتاب الذي يروي رحلة العائدين إلى الكنيسة الأمّ في أميركا الشماليّة، بنسخته العربيّة، فعزّيته بالتالي:
صباح الثامن من شباط 1987 بدأت رحلة ألفين من المؤمنين الساعين بجدّ ومصداقيّة إلى اكتشاف كنيسة العهد الجديد، بالوصول إلى هدفها. في ذلك التاريخ مسح مطران أبرشيّة أميركا الشماليّة، فيليب صليبا، حوالى المئتين منهم بالميرون المقدّس ورسم عدداً من الشمامسة. وفي الآحاد التالية تتالت الرسامات الكهنوتيّة ودخول المؤمنين الجدد في عضويّة الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة.
بدأت رحلة هؤلاء المؤمنين قبل خمس عشرة سنة، حينما، أمام واقع تفريخ "الكنائس" في أميركا وقد باتت بالآلاف، بدأوا يتساءلون: "أيٌّ هي الكنيسة الأقرب إلى كنيسة العهد الجديد؟ أين هي الكنيسة الأولى التي يتكلّم عنها سفر أعمال الرسل؟".
وبدأت رحلة البحث، التي وصفها خطوةً خطوة قائد تلك الجماعة، الذي صار لاحقاً الأب بيتر غيليكويست في كتابه الممتع Becoming Orthodox، الذي توفّر بالعربيّة في العام 2014، بعنوان "على دروب الأرثوذكسيّة"، وأصدرته تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع.
يقول الأب بيتر واصفاً بدء الرحلة: "ماذا حصل لهذه "الكنيسة" التي نقرأ عنها على صفحات العهد الجديد؟ هل لا تزال حيّة؟ وإذا كانت موجودة فأين هي؟ لقد أردنا أن نكون جزءاً منها".
توزّع قادتهم القُسُس على دراسة مصادر اللاهوت الأولى بنيّة الوصول إلى معرفة شكل الكنيسة الأولى وجوهرها. تناول كلٌّ منهم البحث الدقيق في واحد من الحقول الثلاثة: العبادة والتاريخ الكنسي والعقيدة. أمّا رابعهم فتعهّد دراسة الكتاب المقدّس قائلاً: "تكمن خطتّي في التحقّق من كلّ نتائج اكتشافات بقيّة الإخوة قياساً على الكتاب المقدّس. لأنّنا إن لم نعثر لها على أثر هناك سوف لن أقبل بها". بينما تقاسم اثنان آخران البحث في السنوات التي سبقت وتلت فترة الإصلاح الدينيّ الكنسيّ (البروتستانتيّ). تبنّى أحدهما السنوات السابقة للإصلاح، بينما تعهّد الثاني السنوات اللاحقة.
كان همّهم الوصول إلى حقيقة الكنيسة الأولى، وتعديل جماعاتهم الدينيّة وفقها. واجهوا أمرين في مسيرة بحثهم، يتكلّم الأب بيتر عنهما هكذا: "أوّلاً، كلّنا أصبحنا مسؤولين الآن عن رعاية جماعات بشريّة، ولو صغيرة. قطعنا وعداً مع شعبنا بأنّنا سوف نأتي بهم إلى منهج إيمان العهد الجديد التاريخيّ. وبهذا العمل، لا يكون خروجنا بهدف خلق "نوع" آخر من المسيحيّة. ولم يكن هدفنا أن نبقى بروتستانت، أو أن نصير كاثوليك، أو خمسينيّين، أو نظاماً دينيّاً تابعاً. تجلّى حافزنا في أن نصير شعباً مسيحيّاً على أفضل ما يمكن أن نكون، أن نصير وسيلة تعبير القرن العشرين عن كنيسة القرن الأوّل". [حتى ذلك الوقت ما كانوا يعرفون شيئاً عن الكنيسة الأرثوذكسيّة].
ويتابع: "ثانياً، اتفقنا منذ البدء على أن نمارس كلّ ما مارسته "كنيسة العهد الجديد"، وأن نكون على كلّ ما كانت عليه، في أثناء تتبّعنا لها عبر التاريخ. وإن وجدنا أنفسنا أنّنا كنّا مخطئين، فسوف نقوم بالتغيير".
بدأت رحلة البحث وكانوا يعدّلون جماعاتهم المسيحيّة بحسب النتائج التي توصّلوا إليها. عدّلوا العبادة لتكون أقرب ما يكون بحسب مفهومهم إلى العبادة الأولى، ورسموا بعضاً منهم أساقفة لوجود أساقفة في كنيسة أعمال الرسل ورسائل بولس الرسول....إلخ.
اكتشفوا خلال السنوات الخمس الأولى من مسيرتهم ما كان قد اكتشفه، قبلهم بعدّة عقود، المطران كاليستوس وير: أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة حافظت بأمانة على ما قد تسلّمته الكنيسة من الربّ بواسطة الرسل. اكتشفوا "أنّ أسس العقيدة المسيحيّة والعبادة والإدارة في الأرثوذكسيّة، اليوم كما في الماضي، لا تخضع أبداً لإعادة النظر فيها والمفاوضة عليها. لم تترك "الكنيسة" خطّ مسيرها خلال ألفي سنة. إنّها كنيسة واحدة، جامعة، مقدّسة، رسوليّة. إنّها "كنيسة العهد الجديد". أبواب الجحيم حاولت باستمرار، إلا أنّها لم تقوَ عليها".
بعد ذلك أمضوا عقداً من الزمن، من العام 1977 حتى 1987، في التعرّف إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة، إلى إكليريكيّيها وإلى شعبها. ولنترك الكلام هنا للأب بيتر: "كانت خبرة تفوق حدّ التصديق أن نجد الإيمان الصحيح في المسيح الذي سعينا لنتمسّك به، وأن نجده محفوظاً بأمان في إطار ثقافيّ لا نكاد نعرف عنه شيئاً".
لم تكن مسيرة دخولهم في الجسم الكنسيّ الأرثوذكسيّ خالية من العقبات والصدمات، إلا أنّها فُتحت حينما فتح الروح القدس لهم باب التواصل مع الكنيسة الأنطاكيّة. كانت نصيحة البطريرك إغناطيوس الرابع للمطران فيليب بعدما استمعا إليهم: "لنعمل كلّ ما بوسعنا كي نساعدهم". وهذا الأخير لم يتأخر قطّ في تطبيقها.
بعد اكتمال مسيرتهم، رجع المئات في غضون الأشهر الأولى، إلى الأرثوذكسيّة. ونشأت إرساليّات جديدة، وبدأت تصلهم رسائل استطلاعيّة كثيرة من رعاة يحبّون المسيح وكنيسته ويبحثون عن ملء العبادة القويمة والإيمان.
يورد الأب بيتر في نهاية كتابه قول الأب جيمس مينا، وهو أرثوذكسيّ أنطاكيّ بالولادة، يوم رسامة الكهنة الأوائل منهم لهم في الخامس عشر من شباط 1987 في كنيسة مار نقولا في لوس أنجلُس: "إنّ آباءنا اعتنقوا هذا الإيمان المسيحيّ الأرثوذكسيّ وأحضروه معهم إلى أميركا. والآن جاء دورنا لنجلب أميركا والغرب إلى هذا الإيمان". مصادقاً على كلامه، يختم الأب بيتر قائلاً: "وهذا ما نتطلّع إليه في الألفيّة الثالثة".
تتابعت بعدهم جماعات كثيرة في الاهتداء إلى الأرثوذكسيّة. أخبرني الأسقف أنطون في العام 1996 أنهم يستقبلون شهريا رعية أو اثنتين من الراغبين في عضوية الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة.
على الرغم من الأيّام القاسية التي نمرّ فيها، لنتذكّر أنّها ليست الأولى، وأنّ أجدادنا فضلّوا الموت واحتملوا الجوع والاضطهادات المتنوّعة على أن يتخلّوا عن إيمانهم الذي وُلدوا فيه بنعمة مجانيّة، بينما يبحث عنه الآخرون بمشقّة!