أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

عندما يوجد الإنسان في ظروف قاهرة تجبره على أن يكيّف حياته بحسبها، دونما رغبة منه، يواجه خيارات صعبة.

فهو إمّا أن يتكيّف قسراً، وتبقى المرارة في داخله، وتظهر في التشكّي والتذمّر والتمرّد الكلاميّ واشتهاء عكس ما هو مجبر على اتّباعه. أو أن يتكيّف بواقعيّة مرنة مع المستجدّات القاسية، التي لا يريدها أساساً حتّى لعدوّه، وتالياً يستخرج منها ما هو مفيد على صعيد بناء شخصيّته وحياته.
قراءة الأحداث قراءةً روحيّة تساعد في استنهاض هممٍ وطاقاتٍ كامنة في داخل الإنسان، وتالياً إيجاد مخرج لها وتحويلها إلى سبلٍ خلاصيّة له. هذا يستلزم مؤمنين يفتّشون عن الحياة الإلهيّة ولا يحدّون أنفسهم بحياة الجسد، مؤمنين يعيشون على وقع اختبار الملكوت السماوي.
نشهد في هذه الفترة ضيقاً معيشيّاً شديد القسوة، ونشهد، بعامّة، موقفين إزاءه، كلاهما سلبيّ. فإمّا أن تجد من يشكو ويتذمّر ويغضب ويكتئب ويسير على درب اليأس، غير قادر على تغيير أوضاعه وتحسينها. أو تجد من يقتنص اللحظة ليتذوّق متعة أو سعادة، يدفعه إليها خوفه من ألّا تتكرّر، فيستسلم إلى بذخٍ في غير محلّه، إن كان قادراً، أو إلى هدر القليل الذي لديه، ما يحرمه من الأساسيّات في ما بعد.
ماذا يقدّم الإيمان بالله أمام هذا الواقع المرير؟
إذا كان المؤمن مضطرّاً إلى اتّباع التقشّف والتقتير لا محال، فلماذا لا يخوض خضّم هذا البحر المالح على ضوء إيمانه الأصيل ببعده الروحيّ، أعني التحرّر الداخلي؛ فيحوّله إلى فرصة لفكّ قيود التقاليد الاجتماعيّة التي يرزح صاغراً تحتها، بألف حجّة وحجّة.
تدعو المسيحيّة إلى طلب ملكوت السماوات أوّلاً. وفيما تشدّد الكنيسة الشرقيّة على التحرّر الداخليّ، تنادي الكنيسة الغربيّة اليوم بـ "التبسّط في العيش". وفي الحالين هو ما يسمّيه اللاهوت المسيحيّ "النسك".
ثمّة مفهوم شائع خاطئ للنسك؛ يعتبره الكثيرون خطأً أنّه أمر يختصّ فقط بمن نذروا أنفسهم، ويُدعون بالنسّاك. ليس النسك هدفاً بحدّ ذاته، وإنّما وسيلة على دروب تحقيق الهدف، ألا وهو الامتلاء من حضور الله، والتركيز على جوهر الحياة والوجود. يساعد النسك الإنسان على التحرّر ممّا يضغط عليه بغية استعباده، ويهدف إلى تصييره قادراً على التحكّم بسهولة بأمور حياته، بدلاً من أن تتحكّم هي فيه. لذلك إذا استُبدلت كلمة النسك بالحريّة الداخليّة يبقى المعنى صحيحاً.
إذا ما سعى المسيحيّ في طلب ملكوت الله، فلا مناص له من اختبار التحرّر الداخليّ والتدرّب عليه، بدءاً بالأمور الصغيرة، وصولاً إلى الكبيرة. من هنا يفيد تذكّر أنّ كلمة "النسك" باللغة اليونانيّة تعني تدريباً، تمريناً، اختباراً. يدرّب المؤمن نفسه على السيطرة على كلّ الأبواب التي يمكن أن يدخل الأذى منها إليه.
بهذا المعنى يصير النسك تعفّفاً عن أمور صالحة ومحلّلة، بغية امتلاك السيادة عليها، وتالياً البلوغ إلى التحكّم فيها. وإذا كان النسك مطلوباً في الماضي، في الزمن الذي لم يكن تُعرَض أمام الإنسان إغراءات كثيرة، كم يكون مطلوباً اليوم، أمام الإغراءات الهائلة التي تحاول طحن الإنسان بغية تلبيتها.
ليس النسك تعليماً موجّهاً إلى فئة دون أخرى. إنّه تعليم الإنجيل لكلّ المؤمنين، وجذوره واضحة جدّاً في أقوال الربّ. وهاكم بعض الأمثلة: "اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه والباقي يُزاد لكم"، "لا تهتمّوا للطعام بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون... انظروا إلى طيور السماء..."، "لا تستطيعون أن تعبدوا ربّين الله والمال"، "من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني".
إن تراجع قيمة المدخول والمسار التصاعديّ للغلاء والتضخّم المعيشيّ جعل الكثيرين يقتّرون حتّى في طعامهم وأدويتهم، وأجبرهم على التخلّي عن الكثير من الحاجات لا زهداً فيها ولا استبدالاً لها بما هو أفضل، بل عجزاً منهم عن الحصول عليها. غير أنّ الغريب أن تجد الأكثريّة مضطرة إلى التقشف في المأكل لكنّها غير مستعدّة للتخفيف من التدخين!!!
يستطيع المؤمنون تحويل واقعهم الضاغط إلى ما يؤول إلى فائدتهم الروحيّة، أو أقلّه يتعاملون معه بأقلّ قدر من التذمّر الداخليّ والتأزّم، فيتعاونون طوعاً، أفراداً وجماعات ومؤسّسات، على التبسّط في العيش بغية طلب الأفضل، ويفتّشون، على ضوء إيمانهم، عن تعبيرات جديدة للمحبّة التي تتطلّبها الأزمنة الرديئة التي يختبرونها، ويستبدلون ما كانوا لا يستغنون عنه سابقاً بما هو دائم وأبديّ.
هذا لا يتمّ بمجرّد الاستغناء عمّا لا يستطيع الإنسان التمتّع به. إنّه يتطلّب توجّهاً روحيّاً يستبدل الزمنيّات العابرات بالروحيّات الباقيات، ويستبدل شوقاً بشوق آخر. كما يترافق مع توجّهٍ أوضح إلى طلب "النصيب الصالح الذي لا يُنتزع". إنّه يتطلّب تنمية حياة المحبّة والتعاون والتعاضد والخروج من الذات نحو خدمة الآخر.
يا ليتنا نختبر مفارقة تذوّقنا الفرح بمقدار ما نطلب ونقدّم لغيرنا لا لذواتنا.
هل ترانا قادرين على تغيير نمط عيشنا فنطلب الباقيات أوّلاً، ولا نعد مقيّدين بالعابرات؟ هل نترك العالم يرسم لنا خياراتنا ويتحكّم بها أم ندع إيماننا يسيّرنا؟ هل نقبل لنهر المجتمع أن يجرفنا كما يريد، أم نتمسّك بخشبة إيماننا لنقف على الضفّة التي نريدها نحن؟ أليس الضيق فرصة لتقويم مسيرة حياتنا وتدعيمها روحيّاً بما يزوّدنا بالقدرة على الاستمرار ومواجهة الشدائد؟