أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

لا تألف الكنيسة الشرقيّة مصطلح "الروحانيّة". المصطلح التراثي المستخدم فيها هو "الحياة في المسيح".

يقصد اليوم بالروحانيّة بعامّة النهج الروحيّ الذي يتبعه هذا أو ذاك وفقاً لإيمانه. حسب ثقافة عصرنا، لكلّ إنسان روحانيّته، ولا يشمل هذا المصطلح المتدينين بالمعنى التقليديّ فقط. فحتّى اللا دينيين لهم روحانيّاتهم الخاصّة بهم. تعرف بعض الكنائس روحانيّات عديدة متنوّعة ضمن الجسم الكنسيّ الواحد. فعلى سبيل المثال، نجد لكلّ رهبنة في الكثلكة روحانيّـتها المميِّزة والخاصّة بها. أمّا أسس المسيرة الروحيّة في الأرثوذكسيّة فواحدة، وإن تلوّنت وتنكّهت بمواهب وخصوصيّات الشخص الذي يلمسه الروح القدس، ويخاطب، عبره، أناس عصره.
هدف "الروحانيّة"، إذا ما استخدمنا المصطلح بمفهوم "الحياة في المسيح"، يكمن في الوصول إلى كمال المؤمن في المسيح، وإلى اتّحاد المؤمن مع الله في المسيح. يبقى هذا الهدف مفتوح على المطلق، بحسب تعليم آباء الكنيسة، لأنّ حياة الكمال مع الله لامتناهية، وينتقل الإنسان فيها من مجد إلى مجد، على ما كتب بولس الرسول.
في كلّ الأحوال، ثمّة مقولة يتداولها آباء الكنيسة، يصوغها، بكلام يفهمه الإنسان المعاصر، القدّيس صفروني زخاروف، وتقول ما مفاده أنّ الإنسان يتطبّع بحسب الإله الذي يؤمن به، أي إنّ صفات الله الذي أؤمن به وأعاشره تطبع طبيعتي بها وتجعلني على شبهه.
بماذا تتميّز الحياة في المسيح في الكنيسة الارثوذكسيّة؟ في الواقع ثمّة فرادة لا يدركها الكثيرون، لأسباب عديدة، منها تأثرهم بثقافات أخرى أكثر من ثقافة كنيستهم.
تبدأ المسيرة الروحيّة من معرفة النظرة الأرثوذكسيّة للإنسان وأهوائه. ماذا تعني الأهواء؟ الهوى لغةً يعني الميل إلى. أهوى الشيء أي أميل إليه، أحبّه. وتحمل اللفظة في اللغة اليونانيّة معنى الألم، ومنها اشتُقّت باللغات اللاتينيّة Passion.
يرى اللاهوت الأرثوذكسيّ أنّ هذا الميل نحو شيء غير حسن علامةٌ على وجوده، في الأصل، باعتباره ميلاً لشيء آخر حسن. فالإنسان المخلوق على صورة الله مدعّو، أساساً، إلى البلوغ إلى مثال الله. والأهواء التي فيه قبل السقوط كانت أهواء صالحة تساعده في مسيرة النمو نحو المثال الإلهي. لكن صورة الله هذه تشوّهت بسقوط الإنسان الأوّل، ممّا شوّه الأهواء وجعلها تنحرف عن مسارها الأصلي. لم تختفِ الأهواء الصالحة من الإنسان الساقط، لتحلّ أهواء ساقطة محلّها، بل هي إيّاها تبدّلت عن هدفها الأوّل. ماذا حدث فعليّاً في سقوط آدم وحوّاء؟ يقول القدّيس صفروني ثمّة كارثة حلّت بالإنسان والخليقة، لكن "بإمكاننا أن نختبر حالة السقوط، التي هي انحراف رهيب عن حبّ الآب".
"فالأهواء التي كان الله قد أوجدها في الانسان اتّجهت اتّجاهاً مخالِفاً للاتّجاه الذي خلقها الله لأجله، فصارت تطلب عكس ما وُجدت لأجله. من هنا لا تقوم الحياة في المسيح، بحسب المنهج الأرثوذكسيّ، على استئصال الأهواء وإماتتها، بل على إعادتها إلى الوضع الأوّل الذي كانت عليه قبل السقوط، أي تقويمها ثانية.
يقول القدّيس يوحنّا السلّمي (+649) إنّ الهوى ليس شيئاً موجوداً فينا كما نعرفه الآن، بمعنى أنّ الله لم يخلق الاهواء السيّئة. ويتابع قائلاً إنّ العديد من الفضائل الطبيعيّة أتت إلينا بواسطة الأهواء التي أوجدها الله فينا قبل السقوط. ويعطي أمثلة كالتالي: بذرة الإنجاب طبيعيّة فينا، لكنّنا حوّلناها الى الزنى. الغضب الذي أعطانا الله إيّاه لكي نثور ضدّ الشيطان والشرّ طبيعيّ فينا، ولكنّنا استعملناه ضدّ القريب. لدينا حافز طبيعيّ لكي نتفوّق في الفضيلة، لكنّنا بدل ذلك نتنافس في الشرّ. تثير الطبيعة فينا التنافس في المجد، ولكنّه المجد السماوي، والفرح بالبركات السماويّة. من الطبيعي أن نتكبّر على الشياطين. الفرح مُلكٌ لنا بالطبيعة ويجب أن يكون فرحاً لحساب الربّ ولصالح فعل الخير لقريبنا. لقد أعطتنا الطبيعة استياءً، لكنّه يجب أن يكون ضدّ أعداء نفوسنا. لدينا رغبة طبيعيّة في الطعام، ولكن ليس للإسراف.
فهذه الأهواء طبيعيّة فينا، ولكنّها، نتيجة الخطيئة، تحوّلت عن مسارها واتّجهت اتّجاهاً مخالِفاً يدمّر الانسان ويؤذيه. والمطلوب من الانسان بعد مجيء المسيح، أن يعيد هذه الأهواء الى حالتها الطبيعيّة الأولى. هكذا نرى أنّ الفرق كبير جدّاً بين أن نقوّم هذه الأهواء وبين أن نميتها أو نستأصلها. لا يعرف تراثنا كلمة إماتة، ففعل ما يعرف في بعض الكنائس بالإماتة يُستخدم عندنا كفعل تقشّف أو تهذيب أو تحرّر.
نحن مدعوّون إذاً لكي نميّز بين الشرّير فينا وبين السليم، حتّى نعرف كيف نحوّل الأمور ونعيدها إلى وضعها الطبيعي. في معرفة دقيقة لنفس الانسان وتمييز رهيف بين ما هو أصلي وما هو زائف، يقول القدّيس مكسيموس المعترف (+662): "ليست الأطعمة هي الشرّيرة، بل النَهَم. ليس إنجاب الأطفال، بل النجاسة. ليست الأشياء المادّيّة هي الدنسة، بل البخل. ليست الكرامة هي الشرّيرة، بل الكبرياء".
ثمّة قوىً طبيعيّة في النفس لازمة لها. أفسدت الخطيئة، وتالياً البعد عن الله، هذه القوى، فصار المطلوب هو إعادة هذه القوى الى طبيعتها الأصليّة. إنسانٌ لا يغضب، على سبيل المثال، ولا شيء يحرّكه ولا يتحمّس لأيّ صلاح، إنسانٌ جامدٌ سلبيّ من دون أحاسيس passive. نقول عنه بالعاميّة "حائط وليس إنساناً". الغضب هوىً مزروع فينا لكي نغضب على الشرّ، لكي نمقت كلّ ما هو فاسد وغير صالح، وإلّا فكيف نحارب الشرّ ونواجهه. إن كان إحساسنا لا يتحرّك فينا يصير الصالح والطالح، الأسود والأبيض، بالمستوى نفسه.
الأهواء بطبيعتها، كما هي بعد سقوط الإنسان، انحراف لطموح الانسان. قال أحدهم بحقّ: تشدّ الأهواءُ الإنسانَ الى العالم الذي يصغّره، بينما إذا شدّته الى الله، يكبر ويصير صالحاً. واقع الأهواء اليوم أنّها تقودنا الى الخطايا، والخطايا تعذّبنا وتولّد ألماً فينا.
.... يتبع