أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

كيف آلت الأهواء إلى هذا الواقع؟ يُرجع آباء الكنيسة أسباب عديدة، أوّلها ضعف العقل، لأنّه (أي العقل) بدأ يعمل باستقلاليّة عن القلب

بعد السقوط. فالتمزّق الداخلي الذي نتج عن خطيئة الجدّين الأوّلين جعل العقل يعمل من دون تناغم مع النفس. فأصبحت الحواسّ هي التي تسود الانسان وتستخدم العقل لتبرير سيادتها. ومن ثمّ، وبسبب سيادة الأهواء وتبرير العقل لها صار الانسان خاضعاً للأهواء التي تدفعه إلى الركض وراء المتع الحسّيّة.
نميّز أرثوذكسيّاً بين الأشياء التي تعمل بحسب الطبيعة وتلك التي تعمل بالاختيار الكامل، سواءً عن معرفة أو عن عدم معرفة.
يقول القدّيس أنطونيوس الكبير: "ليس الأكل بخطيئة، بل تكمن الخطيئة في الأكل بلا شكر ولا انضباط. ليس النظر بعفّة خطيئة، بل النظر بكبرياء وشهوة. ليس الإصغاء بهدوء خطيئة، بل الإصغاء بغضب. ليس انشغال اللسان بالشكر والصلاة خطيئة، بل التكلّم بالشرّ على الآخرين. ليس الشرّ في أن تعمل يداك الرحمة، بل في أن ترتكب السرقة. هكذا فإنّ أعضاءنا تخطئ وتصنع الشرّ بدل الصلاح عندما نعمل بحسب مشيئتنا الخاصّة لا بحسب مشيئة الله".
من الواضح أنّه لا توجد عندنا نظرة تدنيسيّة او تنجيسيّة لجزء من الإنسان، فالإنسان هو خليقة الله المكرَّمة المبارَكَة. لكن القوى التي سيطرت عليه وسادت بعد السقوط أبعدته عن مصدر خلقه وجعلته شرّيراً يدنّس ذاته. تكمن مسيرة الإنسان الجديد بعد المسيح في أن يعيد وضعه الى ما كان عليه أوّلاً؛ وقد صار هذا ممكناً في المسيح.
لذا تقوم أسس الحياة في المسيح على عدّة أمور منها: محاربة الأهواء وهي صغيرة، أي إيقاف انحراف هوىً ما ومن ثمّ إعادته الى وضعه الطبيعيّ. محاربة الأهواء وهي صغيرة أمر مهمّ جدّاً في الإرشاد الروحي الآبائي. ولتأكيد أهميّة هذا الإرشاد يعطي آباء الكنيسة، عادةً، تشبيه نزع الشجرة من جذورها. فكلّما كانت صغيرة وفتيّة سهلت عمليّة نزعها من الأرض، وبالعكس تصعب بمقدار ما تكبر وتعمّر، وقد تتطلّب جهداً هائلاً ومعونة من عدّة أشخاص، لا بل قد تستدعي استخدام الآلات.
طالما أنّ عيوبنا صغيرة يسهل التغلّب عليها. يحارب المؤمن عيوبه بجدّية وصدق منذ بدايتها.
كما تُعتبر معرفة الذات إحدى الأسس الرئيسة في الحياة في المسيح. يعتبر القدّيس اسحق السوري "معرفة الذات أهمّ من إقامة الموتى". جهل الإنسان بذاته يعني عدم معرفة عيوبه وأهوائه وانحرافاته، وتالياً عدم التخلّص منها. فما هو مجهول يبقى موجوداً؛ لكن الإنسان غير قادر على اكتشاف ذاته بمفرده.
من هنا تُعتبر المواظبة على المطالعة الانجيليّة والكتابات الآبائيّة المختصّة بالحياة الداخليّة والتقدّم من سرّ التوبة والاعتراف من العوامل الأساسيّة المؤدية إلى نموّ معرفة الذات. فبمقدار ما يعي الإنسان عيوبه ويسعى إلى التخلّص منها، يعرف انحرافاته ويسعى لتقويمها، وتزداد رهافة حسّه الروحيّ ويتقدّم في معرفة دواخل ذاته وتعرّجاتها. يتدرّج الإنسان في معرفة ذاته ويترقّى فيها من مستوىً إلى آخر أرفع وأسمى. فالمعرفة، ككلّ فضيلة، تنمو في الإنسان المجتهد.
نجد، في الواقع، أنّنا عندما نبدأ باكتشاف ذواتنا نندهش من كثرة السيّئات المخبوءة فيها. لا يدرك الإنسان سقوطه المريع إذا لم يفتح نوافذ نفسه على الله، ويرجع إليه في تحديد قيمه وفضائله. الانقطاع عن المؤثرات الحسيّة والفكريّة التي تقود إلى الخطيئة ضروري جدّاً. بالحقيقة، تأتي معظم خطايانا من أشياء حسيّة، نشعر بها أو نراها أو نسمعها، فتحرّضننا وتثيرنا. هنا يرشدنا تراثنا الروحيّ إلى أهميّة حفظ الحواسّ وضبطها. فالحواسّ هي النوافذ التي تدخل المثيرات من خلالها، إنّها الأرضيّة التي تتحرّك رياح الأهواء عليها.
يقول القدّيس يوحنّا كاسيان: لا يطالبنا الله بأن نتخلّى عن علاقتنا بالناس، بل أن نقطع الأسباب الشرّيرة من ذواتنا. أمّا القدّيس مرقس الافسسيّ فيقول: وحده الذي يكره الأهواء يتخلّص من أسبابها. فمحاربة الأهواء تبدأ في التخلّص من مصادرها. والتحرّر من الأهواء يعني كره انحرافها وكره الخطيئة الناتجة عنها. فالأهواء تأتي منّا ومن المحيط الخارجي الذي يحرّكها الكامن منها فينا. لذا يُنصح بالتدرّب على ضبط الحواسّ، والابتعاد عن المحيط الموبوء قدر الإمكان. يتمّ ضبط الحواسّ بعدم استخدامها بما يؤدي الى ارتكاب الخطيئة، وبمنعها من الاحتكاك بما يدفع إلى ذلك.
للأسف، نجد أنّ ثقافة العصر الحالي لا تشجّع على ضبط الحواسّ، لا بل تدفع إلى محاربته. يشبه الذي لا يضبط حواسه من يبارز الريح، لأنّه يحارب الهوى من دون التصدّي للفتحة التي يأتيه الهوى من خلالها.
الوصفة العامّة لجميع الناس بخصوص أسس الحياة الروحيّة المسيحيّة هي انجيل الربّ يسوع المسيح. لكن هذه الوصفة ليست واحدة من جهة كيفيّة التدرّب على العيش بحسبها، لذا تولي الكنيسة الإرشاد الشخصيّ مكانةً مهمّة جدّاً. فالأمر يتطلّب معالجةً دقيقةً شخصيّةً لكلّ إنسان بمفرده. من هنا لا يمكن تحقيق هذه المسيرة من دون حياة توبة واعتراف.
ليس الاعتراف، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، مجرّد إقرار بالخطايا أمام الكاهن. إنّه كشف النفس للطبيب الروحيّ حتّى يداويها. تماماً كما أنّ المريض يكشف علّته وموضعها أمام الطبيب. قد يشترك العديدون بوجع عضو ما، لكن بالمعاينة، يكتشف الطبيب الأسباب المختلفة التي تؤدي إلى مرض كلّ شخص بمفرده، فيعطي كلّ مريض الوصفة الطبيّة المناسبة له. هكذا يفعل أب الاعتراف الناضج روحيّاً مع المعترفين.
فالأمراض الروحيّة هي واحدة، بعامّةٍ، لكن درجتها وأسبابها تختلف من إنسان إلى آخر وكذلك ضعفه أمامها وبنية شخصيّته. يُعتبر هذا التمييز أساسيّاً في المعالجة الروحيّة بحسب المنهج الآبائيّ. ومن هنا التشديد على أهميّة الأب الروحي المختبِر والناضج.
للمقال صلة ....