أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

هناك أيضاً أمرٌ آخر شديدُ الأهميّة وأساسيٌّ يشدّد جميع الآباء عليه، ألا وهو التواضع، الانفتاح الكامل على الله.

المقصود بالتواضع هو أن يرى الإنسانُ ذاتَه على حقيقتها فيعترف بسيّئاته ونقائصه. يبلغ الإنسانُ ذروةَ التواضع عندما يدرك، تماماً، أنّه بقوّته الذاتية لا شئ وأنّه بنعمة الله فقط كلّ شئ. الاعتداد بالنفس يؤذيها. يعلّمنا الواقعُ أنّ البشرَ بحاجة إلى التواضع أمام الله كي ينفتحوا على تقبّل النعمة الإلهيّة. يقول القدّيس يوحنّا السلّمي: "إنّ الذين امتلكوا هذه الفضيلة كسبوا الحربَ بجملتها". ويشبّه التقليدُ الآبائيّ الروحيّ النفسَ بالبيت، حيث كلُّ قسمٍ منه يرمز إلى فضيلة معيّنة، بينما يشكّل التواضعُ سورَ سطح هذا البيت، الذي يقي الأولاد، أي الفضائل، من السقوط منه. فالتواضع يحمي بقيّة الفضائل ويحفظُها.
يركّز عصرُنا على قوة الإنسان وإمكاناته، ويستغلّ الشيطانُ هذا الغرورَ البشريَّ ليجعلنا غير حسّاسين عمليّاً لنعمة الله. وتدريجيّاً، وتجربة بعد أخرى، يجد الإنسان نفسه وقد غرق في اليأس والخواء. أمّا عندما يكتشف حقيقةَ ذاته ويدرك ضعفَه أمام الخطيئة المتسلّطة عليه يتّجه إلى الله طالباً نعمته المقوّية. يختبر جميع المجاهدين روحيّاً أنّ المجاهد عندما يصل الى النقطة التي يدرك فيها، بكلِّ صدقٍ واقتناع، فقدانه الأمل بالخلاص من رذيلته بقوّته الذاتيّة، أنّ نعمة الله تأتيه وتخلّصُه منها.
تُعدّ الصلاة، التي يسمّيها آباء الكنيسة أمَّ الفضائل، إحدى الركائز الأساسيّة للحياة في المسيح. ومن المهمّ هنا ألّا نفهم الصلاة مجرّدَ حديثٍ مع الله، بل وعيٌ دائمٌ لحضوره فينا. المواظبة على ممارسة الصلاة تنمّي فينا، بنعمة الله، روحَ الصلاة، فتصير حياتنا صلاةً مستمرّة. اكتسابُ روح الصلاة يعني اكتساب روح الشكر والامتنان والفرح بالله كلّ حين، يعني انتفاءَ روحِ التذمّر والتشكّي.
ثمّة أمران آخران أريد أن أذكرهما، مع أنّهما قد يبدوان غريبين، وقد ينسبهما الكثيرون للرهبان لا للمؤمنين العائشين في قلب العالم؛ هما حياة السكون والتجرّد. إنّهما فضيلتان لازمتان لكلّ مسيحيّ، أراهباً كان أم غير راهب. نقصد بالسكون امتلاكَ روح الصلاة التي تجعلنا ندرك ونعي حقيقةَ حضور الله معنا في كلّ حين. ليس المقصود بالسكون مجرَّدَ انتفاءَ الصخب والانشغال الخارجيّيَن، بل الهدوء والسلام الداخليّين. يساعدنا الهدوء الخارجيّ على اكتساب روح الصلاة، ولذلك يُعتبر الانسحاب من الحياة اليوميّة الاعتياديّة من حين الى آخر ضروريٌ للإنسان المسيحيّ، لا بل يُعتَبَر من أسس حياته المسيحيّة. الصلاة، بغضّ النظر عن مدّتها، هي انسحابٌ من الهموم اليوميّة وتخصيصُ هذه المدّة لسكب القلب لربّنا ومناجاته. الإنسان المعاصر بحاجة ماسّة إلى اختبار ما نسمّيه الخلوة أو الرياضة الروحيّة. فهذه ضروريّة لكلّ إنسان حتّى يعود إلى ذاته ويمتلئ من حضور الله. وتكتسب في زمننا هذا أهميّة قصوى، لأنّ متطلبات الحياة اليوميّة، حتّى الصالحة منها، كثيرة، وتُوُقِعُ الإنسانَ في نسيان هدف حياته الأساسيّ. حياة السكون والخلوة ضروريّة من حين إلى آخر كي تعود سكّة حياتنا إلى خطّها المستقيم. يقول الرسول بولس: "ليس أحد يتجنّد للمسيح وهو يرتبك بأمور الحياة", ويقول القدّيس مرقس الأفسسي: "الذي يريد أن يغلب الأهواء بالانخراط في الأمور العالميّة يشبه الذي يريد أن يطفئ النار بالقش".
أمّا التجرّد أو النسك فهو الحرّية الداخليّة التي تمكِّن الإنسان من استعمال أمور الدنيا من دون الاستعباد لها. تكلّمنا سابقاً عن أهميّة ضبط الحواسّ وقطع المثيرات، وهما من الأعمال النسكيّة. الابتعاد عمّا يسبّب التجربة والتعب عمل نسكيّ. لكن لننتبه، فليس النسك عملاً سلبيّاً فقط، أي مجرّدَ امتناعٍ عمّا يؤذي الإنسان، بل عملٌ ايجابيّ أيضاً، يقوم على استبدال ما يؤذي بما ينفع، وتالياً، عيشِ الحرّية واختبارِها بملئها. السلوك بمقتضى ما هو لخيري وخلاصي فعلٌ نسكيّ.
يرفض المؤمن ممارسة ما هو غير صالح طوال حياته، أمّا ما هو صالحٌ بحدّ ذاته، فيرفضه في أوقات معيّنة كي يستبدله بما هو أكثر صلاحاً له، لا لكي يحرم نفسه أو يعذّبَها. تعذيب النفس أو الجسد مفهوم غريب عن الحياة في المسيح كما تفهمه الكنيسة الأرثوذكسيّة. فالمطلوب هو تصعيد الجانبين الجسديّ والنفسيّ في الإنسان وليس الغاءهما، فالمسيحيّة لا تسعى إلى خلاص جزء من طبيعة الانسان، بل الانسان بكلّيته.
أخيراً، لا بدّ من التوقف عند مصطلح "روح أو حياة التوبة". فمفهوم التوبة نمطَ حياةٍ يرافقنا طالما نحن أحياء شبه غائب عن الأذهان. حياة التوبة تخطٍّ مستمر لِما هو أفضل وأحسن وأكثر صلاحاً وخيراً. أفضل تعبيرٍ لحياة التوبة جاء على لسان بولس الرسول: "أمتدّ الى ما هو أمام وأنسى ما هو وراء". إنّه سعي لا حدود له، لأنّ الحياةَ مع الله مفتوحةٌ على المطلق. بينما يشرح القدّيس يوحنّا السلّمي التوبة عملانيّاً بقوله: "ليست التوبة حزناً على الخطايا الماضية فقط، بل ممارسةُ الفضائل في زمن الشدّة". فالحزن على وجود الرذيلة يجب أن يقود الإنسانَ الى العمل على استبدالها بالفضيلة. وهكذا يتابع ترقّيه من الرذيلة إلى الفضيلة إلى الاكتمال في الفضيلة إلى تذوّق نعمة الله. إنّه طريق سعادة لا حدود له. تقول التوبة للمسيحيّ: تستطيع أن تكون أفضل وأكمل، فلا تتوانى عن تنميّة الأمور الصالحة فيك.
هكذا نرى أنّ حياة التوبة حياةٌ إيجابيّةٌ يحياها المؤمن بفرح لكونه يسعى إلى الكمال. يقول الأب الروماني ديمتري ستانيلوي: التوبة هي الإبرة التي يوخز الله قلوبنا بها حتّى لا تبقى واقفةً بل سائرةً باستمرار. ويعتبرها أحد القدّيسين ناراً متواصلة. إذا عشنا روح التوبة هذا تصير كلّ الأسس التي تكلّمنا عليها معاشةً بشكل دائم ومستمرّ الى أن تصير طبيعة حياتنا موافقة تلقائيّاً لإنجيل المسيح.