أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

يحيّرنا صمتك يا ربّ أحياناً، أو هكذا يبدو لنا. قد لا تكون صامتاً، بل بالأحرى نحن العاجزون عن الإصغاء إليك.

كيف نسمعك ونحن في ضجيج أوجاعنا اليوم، وفي صخب جنوننا المستشري؟

يقول بعضنا إنّ الضيقات والشدائد تقرّبنا إليك، ولذلك تسمح بها وتصمت عن إسكاتها! لست متأكّداً من هذا تماماً، لأنّك لم تتصرّف هكذا حينما تجسّدت وقضيت زمناً قصيراً على أرضنا البائسة هذه. كنتَ حنوناً جدّاً. ورد في إنجيلك مرّات عديدة أنّك نظرت إلى الجموع فتحنّنت عليهم لأنّك رأيتهم غنماً لا راعي لها. لم تصادف مريضا إلّا وشفيته حتّى بعض الموتى أقمتهم.

وأيضاً، لأنّ قلّة قليلة تصغي من خلال الألم والأوجاع إليك فتتغيّر وتتجدّد وتنقلب حياتها جذريّاً، لتبلغ فرح الارتماء عند قدميك. أمّا الأكثريّة فتقسو أكثر فأكثر وتهرب من قسوتها إلى عالم الخطيئة فيعلو ارتفاع أصوات الاهتمامات القاتلة في دواخلها ولا تعود قادرة على الإصغاء.

سامحني يا ربّ. فأنا لا أحاججك، فمن أنا لأقف في حضرتك محاججاً، لكنّي أسكب قلبي أمامك باسم جميع الذين يعانون، وبدأوا يتعبون. طريقة موت أحبّائنا بهذا الوباء أقسى من موتهم بحدّ ذاته. يكاد صمتك والألم يقتلنا يا ربّ. لا يحمل ضعفنا كل هذه الأثقال، إلا إذا حَمَلْتَها معنا.

يحلّ عيد ميلادك هذا العام والقلوب مكسورة والنفوس عاجزة عن تحسّس الفرح. الحزن عميم يا يسوعي وقد بات متجذّراً حتّى كدنا نخشى موت النفوس وانعدام الرجاء.

باتت الأثقال غير محتملة يا يسوع، وهي إلى ازدياد، وخطايانا ترفع من وتيرة تسارعها.

أصفياؤك يتألمون ضعفين يا ربّ، مرّة للأوجاع التي يكابدونها كغيرهم، ومرّة للجنون الذي بات فيه الكثيرون منّا نحن الذين نحمل اسمك. لقد استفحلت الوثنيّة فينا وأفرطنا في طقوسها، وشوّهنا وجهك ورسالتك.

أنت تعلم يا ربّ أنّ الحروب الروحيّة الداخليّة أقسى من تلك التي تأتي من الخارج.

أيّة شهادة تلك التي نقدّمها لهذا العالم الذي ينازع والذي جئت أنت لتحييه؟ أية حياة تلك التي نقدمها نحن تلاميذك؟ أما بات الكثيرون منّا يهربون من لقائك الحيّ الذي يضعهم وجهاً لوجه أمام ذواتهم. لا يزالون سكارى بذواتهم وشهواتهم وخلابات هذه الدنيا الفانية إلى درجة تعميهم عن رؤية جمالك وفرحك.

ترانا نبادر إلى تشويهك بتحويل الأعياد المقدّسة إلى مهرجانات وثنية على حقيقة صورتنا الهوجاء المشوّهة والساقطة، بدلا من أن نرتقي إلى نورك الوضّاء لينيرنا من الداخل ونغدو بدورنا مسحاء صغار مخلَّصين ومخلِّصين.

نبحث عن تفاهات فرح لأنفسنا، بدلاً من أن نقتنص ما يجلب الفرح لغيرنا، وتالياً لنا.

يفتقد المكلوم القدرة على سماع صوتك الخفر يا يسوع. من كان يخمّن أنّ سيّد السماء والأرض يولد في صمت ليل ساكن في أحقر مكان على وجه الأرض!

على الرغم من بساطة إنجيلك، اعتدنا أن ننتظرك في المجد والسؤدد والعظمة، أن نتوقعّك في السيادات والسلطات والخوارق، أن نلتفت إلى العواصف والزلزلة والريح لنسمع صوتك، مع أنّك علّمتنا أنّك لا تتكلّم من خلالها! ألم يسمع إيليّا النبي صوتك أخيراً في النسيم اللطيف الذي تلاها؟

علّمتني الخبرة الرعائيّة أنّ الموجوع لا يقدر أن يتعزّى وهو في صخب تمزّقاته الداخليّة، وأنّ عجزه من جرّاء عنف ألمه غالباً ما يمنعه عن استيعاب العزاء. آنذاك يحتاج إلى احتضان، إلى رفقة، إلى عناق، إلى تعاطف صادق، إلى مشاركة. ومع ذلك نجتمع إليه في ذروة المحنة وصخبها، وننفضّ عنه عندما يكون قد تهيّأ للعزاء. وبعد أن تهدأ نفسه، ويخفّ العنف المصطرع في داخله، يصير قادراً على تمييز صوتك عن غيره من الأصوات، ظنّاً منّا أنّنا قمنا بواجبنا، متناسين أنّ الحبّ لا الواجب ما دفعك إلى إنقاذنا!؟


نعرف أنّك لا تتركنا، وإن كنّا لا ندرك دوماً صمتك الذي يبدو لنا قاتلاً ونحن في خضمّ أتعابنا.

ظنّ الشيطان أنّه أخذ كلّ شيء من أيوب، ولكن الله كان كلّ شيء لأيوب!

في عتمة مغارتك هذا العام، علّمنا أن نسجد بسكون لنسمع أنفاسك، وأعطنا التواضع كي لا نُسقِط عليك عجزنا عن فهمك عندما لا نسمعك. امنحنا نعمة الامّحاء أمام حبّك لندرك فقرنا إليك، ونعي أنّك في النهاية وحدك بيتنا وإليك المنتهى وفيك الحياة الأبديّة.

ما لم نطرح جنون هذا العالم وصخبه لن نذوق صمت ميلادك المليء بالحياة الحقّة.

هذا سرّك يا الله. من يدركه منا؟ أعطنا أن نحترمه ونصمت أمامه إلى أن نتمتم شيئاً منه. ساعدنا كي لا نرنو إليه بفذلكات عقليّة أو بقسوة بشرية نلصقها فيك، بل بلوم الذات وإفراغها من قاذوراتها، فنتشبه بك ولا نحلّلك عقليّاً.

أنت وحدك أوجدتنا من العدم، وتالياً أنت وحدك تعرف سرّنا والطريقة التي تخاطب فيها كلّاً منّا. المسنا بحنوّك لئلا يثقل سرّك علينا فيكسرنا بدلاً من أن يُحيينا.

ذكّرنا دوماً بزهرة ميّال الشمس التي تقول لنا إن بيتنا هو فوق. غريب أمرنا يا ربّ. نراها ونعرف أنّها تذبل وتطأطئ رأسها حالما تغيب الشمس، لكنها تعود مع شروقها في اليوم التالي لتشرئب وتدور مع دورة قرصها الوهّاج. نعرف وننسى أو نتناسى!

يا ربّ

كتب أحد أصفيائك مرّةً: "عالمٌ يحيا كسيحا، ضائع يبغي مسيحا، مُعرِضٌ عن كلّ قيد، لم يزل مُلقى كسيحا".

فأعطنا، أعطنا أن يكون كلٌ مسيحا.