أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

رسالة الوداع التي ألقاها راعي الأبرشية في جناز شقيقه طلال في 22/12/2020 في كاتدرائية مار جرجس في اللاذقية

لم تعد تراتيل الأرض تشبعك أيها الحبيب، ففي الآونة الأخيرة صارت نفسك تهفو إلى العلويات، لتنشد مع الملائكة، الذين جُبلت من طينتهم، للمسيح المتجسد الذي أحببت عيده هذا جداً: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة. تكوينك البريء جعلك تمجّ هذه الدنيا وتستبدلها بالدنيا الحقّ. تلك التي يحلو لنفسك الطاهرة أن تتذوّقها وتتمتّع بها.

معك حقّ يا أخي، فشتّان ما بين تمجيد الله من الأعالي مع ملائكة السماء وبين تمجيده من الأرض مع ما هبّ ودبّ من صفيٍّ وخبيث، ومن بارٍّ وشرّير.

ألهذا كنت تَزِنّ علينا بندائك الدائم إلى مريمتَيْك، مريم والدة الإله تعزية روحك، ومريم أمّك بالجسد، أن خذاني إليكما، متى ستأخذاني، اشتقت يا أمي تعالي وأريحيني!

على علمي أنّنا ما أنقصنا شيئاً عنك يا حبيبي، لكن توقك إلى الحرّيات الحقيقيّة وصفاء الحياة مع القدّيسين ونور الربّ الذي كنتَ "تدوشنا" بأنّك منوَّر به كان عندك أقوى من كلّ خلابات هذه الدنيا وأوهامها.

بلغت الزهد طبيعيّاً. قلّ طعامك في السنوات الأخيرة، واكتفيت بنوع واحد منه في الوجبة الواحدة. كنت تمزح معنا بأنّك ناسك غير تقليديّ. لا تصوم الصوم التقليدي ولكن طعامك محدود النوعيّة جدّاً. كنّا نضحك معك وإليك، غير أنّك كنت الأذكى بيننا والأفهم روحيّاً منّا جميعاً.

بصيرتك الروحيّة نتاج عمل الروح القدس في روحك وجسدك. بحسّك الروحيّ كنت تقرأ الأمور حتّى بات حدسك مخيفاً لنا أحياناً.

يا ملاكنا، يا فرحنا، يا ضوضاءنا-البهجة. ستهدأ كثيراً من بعدك الفكاهات المسليّة والكلمات الموقظة وسرعة البديهة التي تميّزت بها. مَنْ "سيناقر" مَنْ في غيابك. ستسود جديّة صارمة وسنفتقد جميعنا إلى وجهك الضحوك وبراءتك الغاضبة ونجاح بعضهم في "زكزكتك" أحياناً.

وماذا عن ترتيلك الذي يَتَّمْتَنا منه. كانت أرواحنا تتعزّى بصوتك الشجيّ وترتيلك العفويّ الخالي من قوانين الموسيقى الحادة والمنساب من نفس ملائكيّة. وماذا عن ملء سهراتنا في المناسبات بأغانيك البريئة المتقنة الأداء، خاصّة عندما تنبع منك برضاك لا عن تعزّز؟!

أمّا أنا فلن يكون فراقك عليَّ سهلاً من بعد 56 سنة من العشرة شبه الدائمة. يا ملاكي الحارس ومصدر كلّ خير ونعمة أسبغهما الله عليّ. بفضلك أنت منحني أكثر ممّا أستحقه بكثير. أنت من قدتني إليه وجعلتني خادماً له وبذا منحتني أعظم غنىً في الوجود.

اختلاجاتك منذ الطفولة كانت اختلاجاتي. لقد صغتني، يا حبيبي، إناءً خزفيّاً سريع العطب، لكنّه مفتوح لاحتضان خالق السماء والأرض. لولاك ما كنت عرفت أيّ طريق أسلكه، لكن بك كانت الطريق واضحة ولا تُستبدل بكل ثروات الدنيا وأمجادها وجاهاتها. خيرٌ لي أن أكون صعلوكاً في بيت إلهي من أن أشارك الخطأة في مجالسهم.

كنت تبثّ الفرح حيثما حللت. علّمتنا جميعاً أنّ الذين يبدون ناقصين قياساً بمقاسات الكمال البشريّة الأرضيّة الساقطة يُظهرون بركات ونِعماً لا تُعدّ ولا تُحصى وبفضلهم نفهم معنى القداسة، لا بل نختبرها.

كنت تعذّبنا أيضاً، وتفرض رأيك بما يخصّك بعناد لا يلين. لكنّك درّبتني والإخوة على الصبر والاستيعاب والتحمّل وكسر الأنانيّة. فبلغنا بفضلك حرّية داخليّة ما كانت لتتحقّق فينا لولاك. وسّعت قلوبنا وحننّتها على الخليقة كلّها. منك تعلّمنا كيف نحمل بعضنا أثقال بعضنا الآخر؛ وهكذا نتمّ ناموس المسيح.

مساكين هم الناس الذين لا يقرؤون روحيّاً. يبقون في أتون جحيمهم من جرّاء تحمّلهم القسريّ لأثقالهم المتنوّعة، أمّا من كان عنده مثلك فيحمل الثقل بفرح ورهافة كما يحمل ألماسةً عظيمة في آنية خزفيّة.

مَنْ مَنَّ الله عليه بمثلك يتعرّف، حتّى في لحظات تعبه وتذمّره، إلى خبايا داخله الروحيّة المفترسة إيّاه والآخرين. هذه قد تجعله وحشاً كاسراً إن لم يلطّفها بالخدمة والتضحيّة خاصّة أمام أمثالك. كانت رعايتك دربنا إلى الملكوت.

سامحني يا حبيبي. كنت أتعب منك أحياناً. لكن شعورك المرهف بأنّك عبء عليَّ كان يخنقني ويؤلمني أكثر من قدرتي على ضبط نفسي على تحمّلك.

لماذا أعترف لك اليوم؟ لأنّني أعرف يقيناً أنّ رقّة نفسك كانت تعرف العجز الذي فيك، وهذا كان يؤلمك في الصميم ويثقل عليك لأنّك تُضطر إلى الاتّكال على غيرك فيه. غير أنّ أحداً ممّن صاحبوك يا حبيبي لم يسندك مرّة إلا بقلب طافح بالفرح والامتنان لأنّك منحته بركة خدمتك.

لقد عوّضَك ربّك بحبّ الكثيرين لك ممّا لم يجده عظماء هذه الأرض. عرف جميع أحبّة الله الكنز الفريد الذي تكتنزه في داخلك فأحبّوك وتاقوا إليك وراعوك وحنوا عليك كما على أعزّ أطفالهم.

اسمع ما كتبه أحدهم عنك ليلة وداعك إيّانا: "إنّه (أي أنت) رسالة الله لي كلّما رأيته أو افترشتْ ذاكرتي محيّاه .. فمعه كنت أذوق كيف هو القلب الأبيض .. وكيف هو الإنسان الأوّل قبل السقوط .. كان جديّاً وأحياناً حادّاً في قول الصدق .. إذا أحبّ يحبّ .. وإذا لم يرتح إلى وجهٍ كان يشيح ببصره عنه من دون إدانة أو تعبير ... يأتي إلى أمور الدنيا وكأنّه شيخ كبير .. لأنّه لا يعرف التمثيل .. أي لا يكذب .. يتماسّ والآخر فقط إذا كان الذي أمامه يحسّ .. الإحساس هو الروح.. الروح القدس".

سأفتقد حضور الروح القدس فيك من بعد رحيلك عنّي، لكن ثقتي بأنّك انضممت اليوم إلى عداد الملائكة السماويّين، يعزّيني بأنّك سترعاني وتفتقدني من السماء أكثر ممّا كنت تعمله على الأرض.

أنت لم ترحل، غبت بالجسد فقط. لا تنسَ محبّيك ومن أحببتهم. لقد أعتقك الله من ظلام السقوط البشع الذي نحن فيه، ليمتّعك بمجده الذي نصبو كلّنا إليه. فلا تدعْ عينك تغفل عنّا، فقد بتنا بعثرة في هذا الوجود. ما لم يتحنّن علينا أمثالك نصير هباءً وغباراً. بحنّوك اجمعنا وكومّنا أمام الربّ الذي ترتع في نوره الذي لا يخبو الآن، ليجبلنا من جديد خليقة جديدة نورانيّة لا يعتريها سقوط.

قلْ للسيّد إنّنا أحببناك حبّاً كبيراً، ولو أخطأنا أو قصرّنا عن ضعف أحياناً، لعلّه بشفاعتك يرأف بنا جميعاً يا حبيبي!