أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

حديث للمطران كاليستوس وير
تعريب المتربوليت سابا اسبر

تكلّمت هذا العصر عن سرّ الاعتراف. أودّ التكلّم هذا المساء عن بعض الأفكار بخصوص الإفخارستيّا.

أبدأ بكلمتين. الأولى من القرن التاسع عشر الروسي، للقدّيس يوحنّا كرونستادت: "الإفخارستيّا أعجوبة متواصلة". والثانية من القرن الرابع عشر البيزنطي، للقدّيس نيقولا كاباسيلاس: "هذا هو السرّ النهائي. يستحيل الذهاب إلى ما بعده، ولا يمكن إضافة أيّ شيء إليه". فلنتأمّل سويّاً هذا المساء في هاتين الكلمتين اللتين تثبّتان الكنيسة في الوحدة، وتجعلها ذاتها، والتي هي قلب حياة المسيحيّين.

أودّ أن ألقي نظرة على شيئين. الأوّل: ما معنى كلمة "ليتورجيا"؟ والثاني كيف نتكلّم عن "السلام" في سياق الليتورجيا؟

أوّلاً، ما معنى كلمة ليتورجيا؟ وهي مفردة تشير في الاستعمال الأرثوذكسيّ إلى خدمة القدّاس الإلهيّ بخاصّة. الكلمة اليونانيّة "ليتورجيا" تفيد معنى "عمل الشعب"، وهي، بالحقيقة، معنى لاهوتيّ جيّد، من حيث أصل الكلمة، لأنّ الليتورجيا تعني، بشكل خاصّ، فعلاً تشاركيّاً. الليتورجيا فعل يقوم به، تشاركيّاً، عدد من الأشخاص، فعل لا يمكن لأحد أن يعمله بمفرده. فإذا اصطلحنا على نعت الإفخارستيّا بالليتورجيا فهذا يعني أنّه، في أثناء الخدمة، ثمّة مشتركون فاعلون. لا يوجد في الليتورجيا متفرّجون ساكنون.

لنفكّر سويّاً بالطريقة التي نعبّر فيها عن انخراطنا وتشاركيّتنا في طبيعة الليتورجيا الإلهيّة. ففي أثناء الخدمة الليتورجيّة نستخدم كلّ الصلوات بصيغة ضمير الجمع لا المفرد، ما عدا حالات نادرة محدّدة. نقول في الليتورجيا "نحن" لا "أنا"، أمّا ضمير المفرد فيظهر في حالات استثنائيّة فقط. في بدء قانون الإيمان نقول "أؤمن"، لأن قانون الإيمان كان يستعمل، أساساً، في خدمة المعموديّة، فيتلوه المعتمد إذا كان بالغاً معترِفاً بإيمانه. كذلك إذا انتبهنا إلى الصلاة التي يقولها الكاهن قبل الدخول الكبير، في أثناء ترنيم الشيروبيكون، نراه يستخدم ضمير "أنا". لكن هذه الصلاة تتلى سرّاً من قِبَل الكاهن، ولا تقال علناً، بشكل مسموع، إطلاقاً. وقد أُدخلت في الليتورجيا بعدما سادت تلاوة الصلوات بصوت منخفض لا يسمعه الشعب. إذاً باعتبارها صلاة للكاهن يقولها بصيغة "أنا". كذلك في الاستعمال الروسي نستخدم كلمة "أنا" قبل المناولة فنقول "أؤمن يا ربّ وأعترف". وهذه، في الواقع، تقال قبل المناولة استعداداً لها، فمن الطبيعي، عندما يصلّيها المؤمن في غرفته لوحده استعداداً للمناولة، أن يقولها بضمير "أنا".

أمّا في باقي الحالات، في أثناء القدّاس الإلهيّ، فالضمير المستخدم هو "نحن". بهذه الطريقة يعكس القدّاس الإلهيّ الصلاة التي سلّمنا إيّاها الربّ يسوع: الصلاة الربيّة. ففي الصلاة الربيّة نقول ضمير "نا" عشر مرّات، ولا نستخدم ضمير المفرد ولا مرّة. هذا يبيّن أنّ القداس الإلهيّ خدمة جماعيّة، عامّة، فعلاً مشتركاً.

أفكّر دائما بالقصّة التي رواها دوستويفسكي، في روايته "الإخوة كارامازوف"، عن السيّدة العجوز والبصلة. تعلمون كيف أنّ الملاك، في الرواية، حاول أن يساعدها كثيراً ليخرجها من بحيرة النار، وكيف أنّ بعض الواقعين في البحيرة تمسكوا بقدميها على أمل النجاة معها، إلا أنّها رفستهم قائلة: "اذهبوا عنّي اذهبوا عنّي، فأنا المعنيّة بالبصلة، ولستم أنتم. البصلة بصلتي لا بصلتكم". ونعلم أنّها عندما تلفّظت بـ "بصلتي أنا" انقشرت البصلة وعادت العجوز فسقطت في النار. لو أنّها قالت فقط "إنّها بصلتنا" لكانت البصلة بالتأكيد قد حملت الجميع وسحبتهم من بحيرة النار. بقولها: "إنّها بصلتي أنا" قامت بفعل غير ليتورجيّ؛ بالحقيقة، كانت تنكر شخصانيّتها البشريّة.

كوننا بشر مخلوقون على صورة الله فنحن مخلوقون على صورة الثالوث القدّوس. والثالوث القدّوس يعني الحبّ المتبادَل. إذا كنّا مخلوقين على صورة الثالوث القدّوس فهذا يعني أنّنا مخلوقون لنحبّ بعضنا بعضاً. وإذا رفضنا أن نحبّ بعضنا بعضاً فهذا يعني أنّنا، بالحقيقة، نخسر شخصانيّتنا البشريّة. لذلك لا يوجد شخص حقّ إذا لم يوجد على الأقلّ شخصان، والأفضل أن يكونوا ثلاثة أشخاص في حوار واحدهما مع الآخر. نفهم عقيدة الثالوث القدّوس، بمصطلح شخصانيّتنا البشريّة هكذا: أنا أحتاجك لأكون ذاتي.

هكذا نجد الطريقة الأولى التي بها نرى كيف أنّ الليتورجيا الإلهيّة (القدّاس) فعلاً تشاركيّاً دوماً. على الدوام نقول "نحن". تعبّر الليتورجيا عن الحبّ المتبادَل. أحد الأشياء التي تعلمّتها من نيقولا زيرنوف[1]، في أوائل صحبتي للكنيسة الأرثوذكسيّة، مدى أهميّة وضرورة العبارة التالية في القدّاس الإلهيّ: "لنحبّ بعضنا بعضاً لنعترف بفكر واحد: بآب وابن وروح قدس، ثالوث متساوٍ في الجوهر وغير منفصل". من دون هذا الحبّ المتبادل ما من اعتراف بالثالوث، وما من ليتورجيا إلهيّة حقّة. أتذكّر عندما صرت كاهناً في أكسفورد أنّ نيقولا قال لي: "يجب أن نقول هذا المقطع من القدّاس بالإنكليزيّة"[2]. كان متحمّساً كي يكون كلّ شيء بالإنكليزيّة إن أمكن. ولم تكن هذه نظرة الآخرين من أبناء الرعيّة، لكن من الواضح أنّه كان يعتقد أنّ الناطقين بالإنكليزيّة يجب أن يُذكَّروا بحاجتهم إلى الحبّ المتبادل. للأسف أنّنا نحن المؤمنين المشتركين في القدّاس الإلهيّ لا نتبادل قبلة السلام مع بعضنا بعضاً، في أغلب الكنائس الأرثوذكسيّة[3]. لا أعلم ماذا تفعلون هنا في "فيزيلي"[4]. هل تتبادلون قبلة السلام؟ أنّه لأمر محزن ألّا نتبادلها في "أكسفورد"[5]، ولو أنّ تبادلها سقط من الاستخدام منذ زمن مبكر. في زمن القدّيس مكسيموس كان الكهنة فقط يتبادلون قبلة السلام.
-------------------------------------------
[1] لاهوتي روسي مهاجر (1898-1980). درّس اللاهوت في أكسفورد.
[2] باعتبار الرعيّة مكوّنة من أبناء الجالية الروسيّة كانوا يصلّون بالروسيّة. (المعرِّب).
[3] أعادت ممارستها أبرشيتنا الأنطاكية في أميركا الشمالية (المعرِّب).
[4] القرية الفرنسيّة حيث أُلقي هذا الحديث في خلوة روحية. (المعرِّب)
[5] مقر رعيّة المطران الذي يلقي هذا الحديث. (المعرِّب).