أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

باعتبار أنّنا نتكلّم عن ضمير "نحن" فلنلاحظ عنصراً آخر في الليتورجيا، عنصراً يشدّد على أهميّة الحبّ المتبادَل، على أهميّة التضامن الجماعيّ في خدمة القدّاس.

عندما آتي، إلى الكنيسة لأحتفل بالقدّاس، وقبل أن أدخل إلى الهيكل كي ألبس بدلة الخدمة، أقول صلاة الاستعداد وأنا واقف أمام الإيقونسطاس. ثم أقبّل الأيقونات وأستدير إلى الغرب وأنحني. وفي أغلب الأحيان لا يكون أحد في الكنيسة في ذلك الوقت الباكر، فأنا أنحني إذاً للملائكة ولكن إذا وُجد أحد في الكنيسة فسيردّ على انحناءتي بانحناءة من قبله. الأمر الثاني، باعتباري محتفِلاً، قبل أن أمضي إلى المذبح المقدّس لآخذ التقدمات الموجودة في الكأس والصينية وأحملها وأخرج بها في الدورة الكبرى، فإنّني أحني رأسي مرة أخرى أمام الناس وهم ينحنون بالمقابل. ومرّة ثالثة، قبل المناولة المقدّسة، يستدير المحتفل إلى الغرب وينحني أمام الناس مستغفراً إيّاهم، مع أنّه في كثير من الأحيان تكون أبواب الإيقونسطاس مغلقة في أغلب الكنائس الأرثوذكسيّة ولا أحد يرى[1]!

ماذا نقصد عندما نتبادل الانحناءات أمام بعضنا بعضاً؟ هل هي حركات مجاملة متبادلة؟ لا، فلها معنى أبعد بكثير. فالكاهن وهو ينحني يقول بصوت عال أو في قلبه: "اغفروا لي". وعندما ينحني المؤمنون الحاضرون يجيبونه: "اغفر لنا". والاثنان يقولان في قلوبهم: "ليغفر الله لنا". لذا فالذي نفعله في تبادل الانحناءات هو طلب الغفران وقبوله – الغفران المتبادل. وهذا يظهر أيضاً في الإفخارستيّا. فنحن لا نأتي لنتلقّى المناولة وحدها كأفراد منعزلين، نأتي كأعضاء جماعة، ونأتي، أو يجب أن نأتي، كأعضاء جماعة متصالحة – جماعة في سلام مع نفسها. من دون قبول الغفران وإعطائه ما من احتفال بالمعنى التام.

ثمّ، ثالثاً، لنلاحظ شيئاً آخر في الليتورجيا (القدّاس). قبل البدء بالأنافورا[2]، صلاة التقدمة العظمى، ثمّة حوار مفتوح، حين يقول الكاهن أو الشماس: "لنقف حسناً، لنقف بخوف. لنصغِ". فيجيب الشعب في النصّ الصحيح: "رحمة. سلاماً. ذبيحة تسبيح". بينما في معظم الكنائس يقولون "رحمة سلامٍ" وهذه عبارة لا تعطي المعنى الجيّد. وإذا ما استشرنا المخطوطات اليونانيّة القديمة نجد: "رحمةً. سلاماً. ذبيحةَ تسبيح".

انتبهوا إلى أنّنا نبدأ الكلام عن السلام قبل أن نبدأ بالصلاة العظمى. ثم يبارك المحتفِل الشعب قائلاً: "نعمة ربّنا يسوع المسيح ومحبّة الله الآب وشركة الروح القدس لتكن مع جميعكم". فيجيب الشعب: "ومع روحك". "لنضع قلوبنا فوق" فيجيب الشعب: "واضعوها لدى الربّ". "لنشكرنّ الربّ" فيجيب الشعب: "لحقٌ وواجبٌ". إذا ما راجعنا أكثر النصوص القديمة، نجد أنّ ترتيل "بحقٍّ وواجبٍ أن نسجد للآب والابن والروح القدس ثالوثاً متساوٍ في الجوهر وغير منفصل" لم يكن موجوداً[3]. وأنّ جواب الشعب كان يقتصر على "بحقٍّ وواجبٍ" فقط. هذا بقي في التقليد اليوناني، أمّا الروسيّ فأضاف الكلمات الأخرى لكي يملأ الوقت الذي يقرأ الكاهن فيه الإفشين سرّيّاً. إذا تلوتم الصلاة علناً ما من حاجة إلى ترتيل تلك الكلمات. (نحتاج قليلاً إلى الكثير من الضبط الليتورجي في كنائسنا الأرثوذكسيّة، لكن هذا هو النصّ الليتورجيّ النقديّ الملائم المؤسَّس على المخطوطات الفضلى).

الآن، ما هو معنى هذا الحوار المفتوح؟ إليكم التفسير الذي يقدّمه القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفمّ في تفسيره لرسالة بولس الرسول الثانية إلى كورنثوس: "حالما نبدأ الاحتفال الفعلي بالأسرار المرهوبة، يصلّي الكاهن من أجل الشعب، ويصلّي الشعب من أجل الكاهن، لأنّ كلمات "ومع روحك" تعني خصّيصاً هذا: يشارك الجميع بكلّ شيء في الشكر الإفخارستيّ. فلا يقدَّم الكاهن الشكر لوحده، بل الشعب كلّه يشكر معه. لأنّه بعد أن يجيب على تحيّتهم يردّ على موافقتهم بالجواب: "إنّه لحقٌّ وواجبٌ". هنا فقط يبدأ بالشكر الإفخارستيّ. هكذا نجد، بحسب فهم القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفمّ، أنّ هذا الحوار المفتوح يعبّر بالضبط عن وحدة الجماعة، حالما ندخل الجزء المركزي من الإفخارستيّا. يقول الكاهن بمفرده صلاة الأنافورا لكن الشعب منخرط مباشرة وبفعاليّة في كلّ شيء يفعله الكاهن. وهكذا فإنّ وحدة الكاهن والشعب في هذا الحوار، في الفعل التشاركيّ لليتورجيا بارز بوضوح. يحيّي الكاهن الشعب قائلاً: "نعمة ربّنا يسوع المسيح" – "ومع روحك ". هذه صلاة متبادلة كما يشرحها الذهبيّ الفمّ. يدعو الكاهن هنا الشعب ليرفعوا قلوبهم إلى فوق ويجيبه الشعب بالقول: "هذا بالضبط ما نفعله". فيجيب الكاهن: "لنشكر الربّ"، التي يمكن أن تترجم أيضاً: "لنقدِّم الإفخارستيّا للربّ". فيقول الشعب: "إنّها لفكرة ممتازة". وفقط عندما يجيبون بهذه الطريقة يتابع المحتفِل عمله. يطلب المحتفِل، كما اعتاد، الإذن من الشعب ليواصل الاحتفال بالإفخارستيّا. إنّه يحتاج إلى موافقتهم، "توقيعهم". لا يستطيع الاستمرار بعمله لوحده. الصلاة صلاتهم كما هي صلاته. موافقتهم الفعليّة أمر لا بدّ منه. هكذا نرى أنّ الأنافورا الإفخارستيّة تبدأ بحوار لأنّ الإفخارستيّا هي، بامتياز، عمل بشريّ. نحن ككائنات بشريّة حيوانات إفخارستيّة؛ وأيضا، الحيوان البشري هو أساساً حيوان حواريّ - حيوان منخرط في حوار. لذا فإنّ ما يعبّر عنه هذا الحوار قبل الأنافورا هو بالضبط ما قلته قبل دقائق مضت: أنا أحتاجك لأكون ذاتي.

 

[1] حسب التقليد القديم الذي درج في أزمنة الانحطاط يُغلق الباب الملوكي وكذلك ستارته، في أثناء مناولة الكهنة في الهيكل. الرعايا التي تجاوبت مع النهضة الليتورجيّة التي استعادت مفهوم الشركة والوحدة الإفخارستي بين جميع المؤمنين أبطلت هذا التقليد، أو بالأحرى أعادته إلى التقليد الأصلي الذي لا يفصل المؤمنين إلى إكليروس وعلمانيين. (المعرِّب)

[2] الصلاة الطويلة التي يتلوها الكاهن في بدء ما يُسمّى مرحلة الكلام الجوهري: "خذوا كلوا..اشربوا..". (المعرِّب)

[3] هذه درج ترتيلها بلحن مطوّل وصوت مسموع، بعدما بدأت الأفاشين التي يتلوها الكاهن في الهيكل تقال بصوت منخفض لا يسمعه سوى الكاهن. في الرعايا التي سارت في خطى النهضة الليتورجيّة عاد الكاهن إلى تلاوة الأفاشين بصوت مسموع فلم يعد من حاجة لترتيلها. (المعرِّب)


حديث للمطران كاليستوس وير
تعريب المطران سابا اسبر