أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

كلّ هذه التي ذكرتها تساعدنا كي نفهم كيف أنّ الإفخارستيّا، إذا احتُفل بها بشكل ملائم، تكون الجماعة المحتفِلة، أقلّه، في وحدة مع ذاتها. لا تقدَّم الإفخارستيّا فرديّاً بل بواسطتنا كلّنا في أخوّة يحبّ فيها واحدنا الآخر. هذا هو النموذج الأمثل. فلنسعَ كي نجعله واقعاً.

أودّ الآن أن أنتقل إلى نقطتي الثانية التي تخصّ معنى كلمة "سلام". هذه مفردة تتردّد في الليتورجيا: السلام. أستعير هنا من كتاب صغير موقّع باسم "راهب من الكنيسة الشرقيّة"، هو الأب ليف جيله. عنوانه "اخدم الربّ بسعادة". للأب ليف موهبة عظيمة في التعبير عن الحقائق العميقة بإيجاز وبساطة لافتين.

 

[هنا أومأ المطران كاليستوس بإشارة معيّنة للسامعين]. ثمّة قسّ في أميركا اعتاد لسنوات طويلة أن يبدأ وينهي عظاته بإشارة كهذه. سأله الناس لماذا تقوم بهذه الحركة؟ فأجاب: "عظاتي ليست خاصّتي. فهي مأخوذة فعليّاً من أناس آخرين، وأولئك هم علامات الاستفهام". هكذا أنا أفعل الآن لأنّ ما سأقوله ليس منّي بل من الأب ليف.

لنتأمّل قليلاً بنصّ الطلبة السلاميّة الكبرى في بدء القدّاس الإلهيّ. نذكر السلام ثلاث مرّات: "بسلامٍ إلى الربّ نطلب"، "من أجل السلام العُلويّ وخلاص نفوسنا إلى الربّ نطلب"، "من أجل سلام كلّ العالم وثبات كنائس الله المقدّسة إلى الربّ نطلب".

طلبة السلام الثلاثيّة هذه ليست تكراراً لا طائل منه. فكلّ تكرار محمَّل بمغزىً متمايز. ففي مستهلّ القسم العامّ من القدّاس نبني حقيقةَ أنّ السلام هو الفضاء الروحيّ الذي فيه نحتفل بالقدّاس الإلهيّ. نبدأ بـ "بسلام إلى الربّ نطلب". لا يمكننا الدخول في فعل القدّاس أو خبرة فرح الملكوت ما لم تكن قلوبنا، المفعمة من الداخل برحمة الله، بحالة سلام داخليّ. هكذا نبدأ بإدراك السلام حالةً داخليّة للنفس. "بسلامٍ" حالة كليّة واكتماليّة. ففي بدء القدّاس علينا أن نلاشي من نفوسنا مشاعر السخط والكراهية تجاه الآخرين: المرارة، الضغينة، التذمّر الداخلي، أو روح الانقسام. يجب أن نرمي بعيداً هذه الأمور؛ نجعلها تمضي وتذهب؛ ونبدأ القدّاس "بسلام". هذه المرحلة الأولى.

المرحلة الثانية: "من أجل السلام العُلويّ..". ليس السلام حالة نفسيّة ناجمة عن جهودنا. السلام، السلام الحقيقيّ، يأتي من فوق كعطيّة من الله، عطيّة النعمة. يقول المسيح: "بدوني لا تستطيعون شيئاً" (يو15/5). في ترجمة الفيلوكاليّا صعقني الاستشهاد بهذا النصّ مرّات ومرّات. "بدوني لا تستطيعون شيئاً". نرى أنّ السلام ليس مادة تُصنع، ليس صناعة بشريّة. إنّه عطيّة، موهبة. لذلك علينا أن نفتح قلوبنا لنتلقّى عطيّة السلام، "السلام العُلوي"، من المسيح. كما تقول الرسالة إلى أفسس 2/14 "هو سلامنا". لاحظوا كم يرتبط السلام بالخلاص، في هذه الطلبة الثانية. "من أجل السلام العُلوي وخلاص نفوسنا". الخلاص، بحسب التقليد المسيحيّ الشرقيّ، لا يُفهم بمصطلحات قضائيّة، قانونية، بمثابة تحرّر من الذنب، مع أنّها (المصطلحات) جزء منه، بل يُنظر إلى السلام بفكر إيجابيّ، بمعنى تماميّة الحياة، ملئها. لا يمكن الحصول على ملء الحياة هذا من دون عطيّة السلام الإلهيّة.

ثمّ نصل إلى الطلبة الثالثة: "من أجل سلام كلّ العالم وثبات كنائس الله المقدّسة واتّحاد الجميع". ليس السلام الذي نسعى إليه هدف داخليّ فقط، ليس نكراناً للعالم. إنّه سلام مستمرّ خارجيّاً وفعّال وعمليّ. لا نطلب السلام لنفوسنا فقط، بل للآخرين ومن أجلهم. لن أجد السلام لو كنت أطلبه بأنانيّة. السلام والوحدة يسيران سويّاً.

إذن هذا هو تتابع الحركة: "بسلام"- "سلام من العلى"- "سلام

كلّ العالم". ليس سلاماً متمركزاً على الذات. إنّه نظرة خارجيّة، نشوة، بالمعنى الحرفيّ للكلمة، خيّر وعمليّ. بكلمات الأب ليف: "إنّنا نصلّي لأجل كلّ الكون. ليس فقط لأجل البشر، بل لأجل كلّ الخلائق: لأجل الحيوانات، لأجل النباتات، لأجل النجوم، لأجل الطبيعة بأسرها. "هكذا ندخل في تقوى كونيّة. نعبّر عن تعاطفنا مع كلّ شيء أعطاه الله كياناً. لكن لأنّ صلاتنا لأجل السلام ليست محدودة بالجنس البشري، فهذا بالضبط ما نبدأ به، وكم هو ملحّ، في كلّ وقت، لكن الآن بخاصّة، التماس السلام لهذا العالم المتألم، من المسيح بالصلاة.

ثم لدينا استجابة الله لهذه الصلاة السلاميّة المثلّثة. تأتي استجابة الله في ما بعد في الخدمة عندما يقول الكاهن المحتفِل للمؤمنين المجتمعين: "السلام لجميعكم". في التقليد السلافي يقولها حالاً بعد الدخول الصغير والتريصاجيون. في الاستخدام اليوناني، وأيضاً في السلافي، ترد قبل الإنجيل، وتتكرّر بعد ذلك. "السلام لجميعكم"، هذه ليست مقطعاً فارغاً بل نطق قوي منجز، ليس صيغة شكليّة حسنة فقط، بل نقلًا لواقع فعليّ. الآن ما ينقله الكاهن ليس سلامه الشخصيّ. إنّه ينقل إلى الناس سلام الله. "سلام الله الذي يتجاوز كلّ فهم" (في 4/7). نفكّر في هذه النقطة بكلمات المسيح في العشاء الأخير: "سلامي أعطيكم. لا كما يعطي العالم أعطيكم أنا"(يو14/27). ثمّة طريق إشارة. فصلاتنا لأجل السلام تشكّل الحركة الأولى وتليها حركة الاستجابة، عطيّة سلام الله. تأثير هذا السلام هو وحدة مع نفوسنا ومع الله؛ وحدة مع الآخرين من حولنا. السلام والوحدة بهذه الطريقة علامات أساسيّة للاحتفال الإفخارستيّ.

**********

إذن، هكذا نتذكّر كلمات أفلاطون: "بدء الحقيقة هو التعجّب أمام الأشياء". أطلب منكم هذه الليلة أن تجدّدوا حسّكم بالتعجّب أمام السرّ النهائي، سرّ الإفخارستيّا العظيم... بدأتُ بكلمات القدّيس يوحنّا كرونستادت، الذي كان كاهناً إفخارستيّاً بامتياز، فدعوني أختم بكلمات له أيضاً: "في كلمات "خذوا كلوا..اشربوا" تُختزن لجّة محبّة الله للجنس البشريّ. أيّها الحبّ الكامل! أيّها الحبّ المحتضِن! أيّها الحبّ الذي لا يُقاوَم! ماذا نقدّم لله امتناناً لهذا الحبّ؟".

حديث للمطران كاليستوس وير

تعريب المطران سابا اسبر

انتهى الحديث.