أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف


دربه إليه

فتح عينيه على الواقع. كان المرض وتداعياته رفيقاً له منذ نعومة أظفاره. ارتسمت في ذهنه باكراً أمارات الخوف على مريض بيتهم.

أمّه تفيض بحنان عفويّ خالص على المريض، وأبوه يعتصر ألماً تأبى رجولته إظهاره. لذلك ما بارحه السؤال يوماً عن مغزى الألم ومعنى الحياة.

اعتاد أن يراقب ما استطاع مريضهم في اشتداد اختلاجاته. وكم أذهله وجه أمّه الحاني والقاطر توجّعاً وصمت أبيه المختزن قهراً. اعتاد بعد كلّ حالة كهذه أن يلزم جنينة البيت، جالساً إلى البركة متفكّراً بصمت يغيّبه عن الحاضر. لم يعد يتذكّر ما الذي كان يشغل تفكيره آنذاك، لكنّه عرف جيّداً أنّ التفكير في قضيّة الألم، بعامّة، لم يفارقه يوماً.

عدا ذلك، عرفت طفولته دلالاً حسده عليه رفقاؤه، وقلائل منهم نعموا بما توفّر له، على تواضعه. وجها جدّيه الرضيّان انعكسا فيه شخصيّة رضيّة لكنّها متوثّبة إلى الأفضل دائماً. لم يعدم المحبّة، لا بل نشأ على المحبوبيّة من كلّ من قاربه. دفعه محيطه إلى طلب المعرفة. شقاوة والده في يفاعته حرمته متابعة تحصيله العلمي، فلم يُرِد لابنه ما اختبره، ما شجّعه على التوجّه المعرفي، فرماه سعيه إلى طلب معرفة المعنى في التجاوب مع رغبة والده.

ما صاحب رفقته في اللعب خارج المدرسة. لم تستهوه ألعاب الصبية، وكان يفضّل ملازمة البيت منصرفاً إلى القراءة أو الأعمال اليدويّة. لعلّ هذا ترك فيه فنّاناً صغيراً ما سمح له بالنمو حين وجد الجواب على السؤال الذي أرّقه ولا يزال، إذ توجّه بكليّته نحو مدىً إنسانيّ آخر.

رافق الكتاب منذ تفتّح وعيه، فكان عنده الهديّة الأثمن. قرأ الكثير منذ طفولته. لم يوجد من يوجّهه فاعتاد أن يقرأ كلّ ما توفّر له، سواء كان في مستواه أم أعلى. هذا أكسبه نضجاً فاق به سنّه ووسم شخصيّته بهدوء ورصانة لا يتوفّران عادة في من بمثل عمره. ابتسم مرّة عندما سمع ما كتبه الرحبانييَن في إحدى مسرحياتهما: "المعرفة المبكرة تهجِّر الطفولة".

نظر إليه رفاقه باحترام، ولاقى تقديراً من معارفه. استحسان الجميع له ترك في داخله ثقة شخصيّة أعاقته عن التواضع، في بدء رحلته الروحيّة، بخاصّة. تصارع معها كثيراً إلى أن عرف أنّ فاقد الثقة بنفسه لا يمكنه أن يكتسب التواضع. مع ذلك ذاق مرارة نزع جذور الكبرياء الخفيّة من جرّائها أيضاً.

طلب جواباً على الألم البشري في كلّ ما صادفه من كتب، ومن كلّ من لاقاه في طريقه من أشخاص. ما وجد جواباً شافياً عند أحد. إلى أن بدأ يتلمّس الجواب في المسيح. لفته أنّ المسيح ما نظّر في الألم، بل ساند المتألمين. ألم يعرّف عن رسالته بكلام من أجمل ما جاء على لسان إشعياء النبيّ: "...أرسلني لأبشّر المساكين، لأنادي للأسرى بالحريّة، وللعميان بعودة البصر إليهم، لأحرّر المظلومين، وأعلن الوقت الذي فيه يقبل الربّ شعبه" (إش1/61)؟

احترم المسيح المتألمين وصغار الأرض. لبّى احتياجاتهم. لاقى الأبرص فطهّره، والمشلول فأقامه، والأعمى فأعاد البصر إليه. جاعت الجموع التي تسمعه فكثّر لهم الخبز والسمك. غير أنّه لم يكتفِ بإتمام حاجاتهم الأرضيّة، بل وجّههم إلى طلب الخبز الباقي للحياة الأبديّة. الذين عرفوه اكتشفوا السلام في قلب المعاناة.

حياته بذلٌ مستمرّ، حتّى وصل إلى الصليب، وما انتهى عنده، بل عبر بالموت ليفجّره بطاقة قيامته. لمس بعضاً من قوّة هذه القيامة في وجوه بعض ممّن التقى بهم في يفاعته، وتنوّعوا من غزير العلم إلى قليله. سحرته الوجوه التي ارتسم فرح المسيح وجماله عليها، فرغب في الانضمام إلى قافلتها. غير أنّه ما كان قد بلغ اليقين آنذاك.

لكنّه بدأ يختبر سلاماً داخليّاً وفرحاً في الصلاة. جمال العبادة التي نشأ عليها والوجوه التي عرفها في غير كنيسته أوّلاً، شدّاه إلى العلى فتأكّد من أنّ ثمّة عالماً آخر غير الواقع الذي عرفه في الطفولة. جذبه كلّ من القدّيسيَن سلوان الآثوسي وسيرافيم ساروف، وصارا محطّة مضيئة على درب لقائه بالسيّد.

استهوته في ما بعد العبادة في كنيسته الأمّ. على الرغم من أنّه استصعبها في البداية، إلا أنّه تعلّق بها حين لمس بهاءها العلويّ في ما تحمله عناصرها الأرضيّة. هذا جعله حسّاساً إلى توفير عناصر جمالها بهدف خدمة جوهرها. بقي الترتيل مشكلته الشخصيّة. لم يساعده صوته، وهو بدوره أهمله حين أعطى البعد الإنساني الحيّز الأكبر في خدمته المستقبليّة.

خطفه دوستويفسكي بكلامه عن شخص المسيح، وكان قد اختبر شيئاً من صحبته، فصدّق ما قرأ. وعرف يقيناً وحقّاً أنّه [المسيح] وحده يستأهل أن يُعطى الحياة كلّها. صار المسيح له الحقيقة، لا بل تبنّى مقولة الكاتب الشهير في تفضيل المسيح حتّى على الحقيقة!

هذا كان الحدث القاطع في حياته. وعندما علم باقتبال عالم الجسور الروسي الكهنوت، لأنّه صمّم جسوراً كثيرة، وقد حان الأوان ليبني الجسر الذي يصل بين الله والإنسان، وهو الأهمّ، راوده الفكر بأن يتبع خطاه.

في سني مراهقته الأخيرة، صار المسيح كلّ شيء عنده. وَلِه به وانحفرت عبارات من سفر نشيد الأناشيد على صفحة قلبه: "اجذبني وراءك فنجري... حبيبي لي وأنا له، هو يرعى قطيعه بين السوسن إلى أن يطلع النهار" (نش4/1).

صار همّه إيجاد الفرح، اختباره، عيشه، نقله للآخرين، للمتألّمين بخاصّة. ما استهواه الفرح الدنيوي مرّة، لكونه زائلاً. انحصر طلبه في فرح لا تقطعه آلام هذا الدهر التي لا تنتهي. ووجده بالمكوث عند قدمي المعلّم وقد مال النهار.

من الألم أتى إلى المسيح. لذلك ما فهم كيف يمكن لأتباعه أن ينسوا "أحد هؤلاء الصغار" يوماً. ولازمه الأرق في كلّ مرّة عاين فيها جسد المسيح الحيّ وهو يتحوّل إلى مؤسسة من هذه الدنيا. لعلّه على سذاجة، لكنّه مصرّ على البقاء فيها. أحبّ بولس الرسول وفهم ما كتبه مرّة: "إنّ البشارة بالصليب "حماقة" عند الذين يسلكون طريق الهلاك. وأما عندنا نحن الذين يسلكون طريق الخلاص، فهو قدرة الله" (1كو1/18).

لازمه حنين دائم إلى كنيسة تدرك فقرها إلى ربّها، فتعكس إدراكها هذا حبّاً عظيماً متجسّداً في العالم الذي أتى الربّ إليه كي يفتديه. اعترف مراراً بأنّه لم يصل إلى هذا المستوى، لكنّه ما نسي يوماً كلمة الإنجيل: "فلما رأى الجموع تحنّن عليهم لأنّهم كانوا بمثابة غنم لا راعي لها" (مت 9/36).

أحبّ الصليب ورأى رأس المسيح ملقى عليه أبداً في حيّز التقاء عارضتيه. هذا دفعه إلى السير في درب محبّة الخليقة ورفعها لله ثانية. وجه المسيح الدامي والقائم في آن ظلّ أمامه، فاختار الكهنوت درباً إليه.

بقلم المطران سابا اسبر