أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف


رحلته الروحيّة (1)

باعتباره البكر اعتاد أن يقضي أكثر أيّامه في بيت جدّيه لوالده. ولكون بيتهم يقع بالقرب من مدرسة الأميركان، فقد سمحا له وهو بعد صغير بأن يذهب إلى مدرسة الأحد التابعة للكنيسة البروتستانتيّة.


هناك تعلّم الكثير من أحداث الإنجيل، وكان يفرحه أن يحمّلوا الأولاد أسبوعيّاً لوحة جميلة عن الحدث الإنجيليّ الذي علّموهم بشأنه.
في المرحلة الثانويّة سيتعرّف شخصيّاً إلى قسّ معمدانيّ عالِم. وستنقطع بسبب الأحداث اللبنانية العلاقة في ما بعد بينهما، ليعود ويلتقيه وهو شيخ مترمّل ومتقدّم في السنّ. عاد الودّ سريعاً إلى ما كان عليه بينهما منذ أربعين عاماً. وعندما دخل القسُّ المستشفى إثر حالة صحيّة أودت به، تكلّما طويلاً بالهاتف، وبكى أمامه مسلِّماً بمشيئة الله ورحيله إلى بيت الآب.
لكنْ، ثمّة انشداد إلى الرهبنة لا يعرف له سبباً، ظلّ يلحّ عليه. كانت نفسه تهفو إلى روحانيّة من نوع آخر، لم يجدها في مدرسة الأحد هذه. لذلك بعدما اجتاز المرحلة الابتدائيّة أخذه أحد الأصدقاء إلى دير الفرنسيسكان، وكان آنذاك مركز التعليم المسيحيّ الوحيد للطوائف الكاثوليكيّة الموجودة في المدينة. هناك تعرّف إلى الفرنسيسكان وراهبات العائلة المقدّسة المارونيّات والكرمل اللاتينيّات.
لكنّه سرعان ما بدأ يميّز الفوارق في ما بينهم. فكانت الكفّة الراجحة لأخوات الكرمل، إذ لمس لديهنّ روحانيّة ترضيه ورقيّاً إنسانيّاً واجتماعيّاً قلّ أن رآه في مكان آخر.
في ذلك الوقت كانت الراهبات كثر ونصفهن أجنبيّات ومعظم النصف الثاني من عائلات لاذقانيّة أرثوذكسيّة تفرنست في زمن الانتداب. لكن الحنين إلى الطقس البيزنطيّ بقي حيّاً فيهنّ، فكنّ أوّل من لفت نظره إلى عمق الليتورجيا الأرثوذكسيّة وقيمتها. كان الجو راقيّاً، ولفته بعد اختبار تعصّب وتحقير لكنيسته، ومحاولة إخراجه منها، هنا وثمّة، أن يجد احتراماً فائقاً لها ولما فيها في هؤلاء الأخوات. آنذاك بدأ يعي الفوارق الإيمانيّة بين الطوائف المسيحيّة، فتعلّم أن يميّز بين الشخص وقناعته.
كن قد فتحن ديرهنّ بالكليّة لراهبات مار يعقوب - دده الأرثوذكسيّات في العام 1976، عندما تهجرّن من ديرهنّ في لبنان في بداية الحرب اللبنانيّة. فأتين إلى مدينته لأنّها مسقط رأس أكثرهنّ، فصار الكرمل طوال ذاك الصيف محجّاً لأرثوذكس المدينة، الذين يشاركون أخوات مار يعقوب في صلاة الغروب ويفتقدوهنّ يوميّاً. لفته أنّ المبادرة جاءت من أخوات الكرمل المقيمات صيفاً في ديرهن في "صلنفة"، وأفرحه تواصل الحبّ هذا بين الأخويّتين.
دخل كعادته مرّة كنيسة الراهبات الخاصّة ليصلّي، لم تكن مسبحته الأرثوذكسيّة معه، فأخذ مسبحة كاثوليكيّة وبدأ يصلّي صلاة يسوع. دخلت أكثر المتقدّمات سنّاً بين الراهبات لتأخذ شيئاً من الكنيسة، فلاحظته. عادت بعد قليل بصمت لتضع، بقربه، مسبحة أرثوذكسيّة كانت أخوات مار يعقوب قد قدّمت عدداً منها، عربون شكر، لكلّ أخت كرمليّة قبل أن ينتقلن للعيش فترة في مرمريتا، ريثما يعدن بعد ذلك إلى ديرهنّ في لبنان. أثّر فيه هذا التصرّف كثيراً، وعلّمه الكثير من الاحترام للإنسان الآخر.
لاحظت راهبة فرنسيّة ميول الدعوة الكهنوتيّة عنده، وكان قد صار في المرحلة الثانويّة. كلمّته شخصيّاً في الأمر وطلبت إليه بحزم ألّا يفكّر إطلاقاً بخدمة الكهنوت إلّا في كنيسته، لأنّها بحاجة ماسّة إلى كهنة شباب متعلّمين ينهضون بها. وأعربت له عن استعدادها لتعريف المطران الأرثوذكسيّ به، ليرعى دعوته. مواقف راقية كهذه لم تكن لتجدها في أجواء السبعينيّات، وحتّى اليوم، في الأوساط المسيحيّة.
بعد سنوات طويلة، وكان قد أصبح أسقفاً، زار باريس وطلبها بالهاتف. كانت في الدير الأمّ للرهبنة في مدينة ليون. كان حاضراً للسفر إلى ليون ليلتقي بها، لكن مرض الشيخوخة (آلزهايمر) كان قد تمكّن منها، فلم تتذكّره على الهاتف إذ كانت نوبة المرض قويّة حينها. لكنّها تذكّرت في ما بعد وأرسلت له رسالة مؤثرة باللغة العربيّة، لا يزال يحتفظ بها، تدلّ على أنّها لم تنسَ شيئاً من تاريخهما. أفرحه أنّه أرسل لها علبة حلوى عربيّة مع الرئيسة العامّة قبل رقادها، وأنّها تذوّقتها وسُرَّت بها.
رحابة العلاقة ومتانتها بينه وبين الراهبات يدلّ عليها الحدث التالي: سألنه مرّة: إن أحببت فتاة كاثوليكيّة ألا تتزوجّها. فأجابهن: يصعب أن أحبّها من الأساس إن لم نكن سنعيش في روحانيّة واحدة. فضحك الجميع وتابعوا شرب القهوة.
إلى ذلك اغتنى بالكثير من الخبرة والحسّ الرعائيّين والبشاريّين في تلك الفترة من عمره. فسورية كانت بخير، ومفتوحة على العالم، والكهنة والراهبات والرهبان الأجانب والسوّاح في زيارات دائمة لها. احتكاكه بهم علّمه الكثير وقد ساهم في صياغته إنساناً منفتحاً قادراً على أن يتقبّل الآخر كما هو دونما تشنّج أو توتّر، وقادراً في الوقت ذاته على التمييز بسرعة بين ما يتناسب مع الحسّ الأرثوذكسيّ وما يتعارض معه.
بعد حصوله على الشهادة الإعداديّة شدّه صديق له إلى حركةٍ شبابيّة في كنيسته الأرثوذكسيّة. فبقي فترة قصيرة بين الكنيستين، لكنّه مع الوقت التزم كنيسته كليّاً، وبقي على صداقة وأخوّة عميقين مع أخوات الكرمل.
في 2015 عندما خضع لعمليّة جراحيّة في مستشفى الروم في بيروت، لم يستطع أسقفان كانا في زيارته أن يثنيا رئيسة كرمل بيروت عن أخذه إلى ديرهنّ ليقضي فترة النقاهة اللازمة قبل مغادرة لبنان.
زوّده مروره على مختلف كنائس مدينته ومعرفته بها بغنى معرفة الآخر على حقيقته، لا كما يصوّره بعضهم. هذا ساعده على أن ينمو الحبّ فيه دونما أيّ عائق بشريّ.
سيختبر في ما بعد، في الجامعة، صداقة المسلمين وحلاوة معشر الأمناء منهم مثله على الإيمان، وسيذوق خبرة قرب المسلم والمسيحي المؤمنيَن، مقارنة بغير الملتزمين، من دينهما. وبعد تسلّمه أبرشيّته سيذوق الخبرة عينها مع الموحِّدين (الدروز).
لم ينشأ في مناخ متزمّت قطّ، ولذلك ما كان سهلاً عليه فهم وجود متزمّتين بين المسيحيّين، وإن استطاع الحوار معهم إلا أنّه ظلّ يربط بين التزمت والخوف من الآخر.
تبعاً لذلك لم يفهم سبب الخوف من الآخر مهما كان حادّاً وضيّقاً لمجرّد أنّه مختلف عنه. إضافة لذلك أدرك أنّ الخوف موقف داخلي في الإنسان، يحمّله للآخرين ليُبعد التهمة عن نفسه، لكنّه إن كان واثقاً بما عنده وعارفاً بإمكاناته يستطيع أن يجد مشتركاً مع الآخر، ولو كان أقوى وأغنى منه بحسب المفاهيم البشريّة. هذا ساعده كثيراً على أن يدرك منطلقات الآخر وأهدافه، لا كما يتصوّرها هو، بل كما تتبلور عند صاحبها وتصوغه.
سئل مرّة لماذا نلمس فيك مسحة مختلفة عمّا نألفه في أوساطنا بعامّة؟ فكان جوابه لأنّي أتيت من شخص الربّ يسوع المسيح، وبقصد منه، صاغت محبّته مسيرتي الروحيّة هذه. لعلّ بعض ما ذكره في هذه العجالة لعب دوره في هذه الصياغة.


بقلم المطران سابا اسبر