أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف


رحلته الروحيّة (2)

أقبل على كنيسته من بهاء عبادتها. كانت عشيّات الصوم الكبير تخطفه في كاتدرائيّتها، فلم يعتد تفويت عشيّةٍ واحدةٍ منها. لكنّ الانخراط الكبير فيها جاء من باب حركة شبيبتها. هناك وجد ذاته وفجّر طاقاته في التعلّم والتعليم وما يرافقُهُما من أنشطة حياتيّة واجتماعيّة وروحيّة كثيرة، وبدأ يلمُسُ فرادة كنيسته ودقّة لاهوتها ورؤيتها الروحيّة المميَّزة الحيّة وغير المأسورة للروح القانونيّة.

لم يعرف الاختلافات الموجودة بين الطوائف المسيحيّة معرفةً نظريّةً فقط، بل عمليّة. لقد اختبر انعكاسَها في الحياة اليوميّة، ما زاد في ما أسماه "الحسَّ الأرثوذكسيّ" عنده. تالياً، لم تكن العقيدة عنده فكراً نظريّاً يوماً، بل مسلكٌ حياتيّ يتبلور بحسب العقيدة التي يؤمن بها الإنسان. مقاربتك لله تتأثر بإيمانك به وبما كشفه للبشر من وحي، لينعكس فيهم مسلكاً وفضيلة ورؤية معيّنين تغذّي هذه المقاربة. نعم، ليست العقيدة أفكاراً، بل وحي إلهيّ، دَعَمَه وأوضحه عمل الروح القدس في الكنيسة، فتراكم في منظومات، قد تبدو جافّةً، من الخارج، لكنّها من الداخل، حياتيّة الطابع ولها علاقة بطريق الخلاص.

سرعان ما بدا قادراً على التمييز بين الأمر والنَفَس الذي يتمّ فيه. أعجبته رصانة الكنيسة الأرثوذكسيّة، مع أنّ خطر الجمودِ الموجود فيها أزعجه، لكنّه رآه آنذاك أقلّ خطراً من التغيير السريع الناجم عن ردود الفعل، تلك التي عرفها جيّداً في الكنائس الأخرى، في سبعينيّات القرن العشرين. فقد أحسّ بأنّ التحديث الذي جرى فيها لن يتوقف عند حدّ معيّن، وقد يسطّح الحياة المسيحيّة. مع ذلك توجّس من الجمود في كنيسته، لأنّه قد يحرف التقليد الشريف عن أصله من دون قصد، ويغيّبُ الجوهرَ مرّات كثيرة لحساب العَرَضيّ!

لكنّ أكثر ما فاجأه في كنيسته هو دور المؤمنين، أو ما يُسمى لاهوتيّاً "الكهنوت الملوكيّ". فالمؤمنون يخدمون الكنيسة باعتبارها بيتهم، لا بيت الإكليريكيّين وحدهم. ينخرط العلمانيّون، إلى جانب الإكليريكيّين في خدمتها وإدارتها، بدءاً بإدارة مقادير الأبرشيّة المادّيّة وليس انتهاء بالتعليم والإرشاد! لكلٍّ منهم دوره ووظيفته الخدميّة، بحسب موهبته وقدرته.

لم يكن إذّاك إلّا كاهن واحد يعظ في المدينة، إضافة إلى المطران. لكنّه وفي الحركة شاهد الكثيرين ممّن لا يعظون، بل يعلّمون اللاهوت والإيمان بدقّة ومعرفة حرفيّة رفيعة.

وجد أنّ المؤمنين ليسوا مجرّد مساعدين للكاهن في كنيسته، بل لهم دورهم الفاعل في كنيستهم. لم يكن يدري أنّ الأمور ستتغير إلى الأسوأ بعد عدّة عقود، وأنّ الكثيرين سيبدأون بتجميد كهنوتهم الملوكيّ والاستعفاء منه لأسباب كثيرة، لعلّ أهمَّها الانحراف عن التقليد الأرثوذكسيّ في ممارسات الكثيرين من طلائع جيل جديد من الإكليروس والرهبانيّات والعلمانيّين. نظام الكنيسة الأرثوذكسيّة ملائكيّ، قائم على التناغم والتكامل، يبدو أنّ الكثيرين غير قادرين على استيعابه. هذا أمر آخر يحتاج إلى بحث خاصّ، لكنّه بدأ يسبّب له وجعاً في السنوات الأخيرة.

اكتشف لاحقاً أنّ التاريخ القديم والحديث يُظهر أنّ المؤمنين كثيراً ما أنقذوا الكنيسة من الوقوع في ضلال انحراف المبتدعين والغزو التبشيريّ المتنوّع الذي تعرّضت له كنيسته عبر التاريخ ولا تزال. هذا أعطاه مدىً واسعاً ليعبّر فيه عن ذاته في الخدمة. كانت الحركة مدرستَه الأولى في الرعاية، وقد قدّر قيمتها بعمق أكبر عندما درس اللاهوت.

تعرّف إلى وجوه مضيئة كثيرة في تلك الفترة، ما أنار طريقه وساهم في جلاء الدرب أمامه. سرعان ما وجد نفسه هناك في خدمة كنيسة المسيح، جسدِه الحيّ. فارتمى فيها كليّاً. صارت هي مجتمعه وبيئته وبيته معاً.

قضى الفترة الثانويّة من دراسته مغتنياً من كلّ ما يصادفه من خبرات جديدة ومتنوّعة. هذا ساعده على أن يكون متنبّهاً، يقظاً، طبيعيّاً. لم يحمّل نفسه يوماً ما ليس فيه ومنه، فظلّ أقرب إلى العفويّة من أيّ شيء آخر. لكنّه، كأيّ إنسان آخر، لم يخلُ ممّا درجوا على تسميته في زمنه بالعُقَد. هذه تخطّى العديد منها بتوجهه الروحي وممارسة سرّ الاعتراف وتوفّر أب روحيّ ناضج له.

بدأ يتعرّف إلى التراث الروحيّ المتسلسل في كنيسته من الرسل وحتّى اليوم. هيّأ الله له مرشدةً تفهم اللاهوت جيّداً وتحبّ آباء البرّيّة. عرّفته ورفاقَه ببستان الرهبان فكان البوّابة إلى التراث الآبائيّ والتعليم النسكي بحسب المفهوم الأرثوذكسيّ. لذا ما برح مصاحبة القدّيسين. وجد فيهم الإنجيل الحيّ المعاش، أو لنقل الإنجيل التطبيقيّ.

لم تكن موادّ التعليم كثيرة، بل قليلة وضعيفة، لكنّ المؤمنين الذين يحملون عبء التعليم أغنياء بحبّ المسيح وإنجيله وقدّيسيه وكنيسته. تعرّف إلى قامات منهم كانوا يزورون مدينته من وقت إلى آخر.

سحره مرّة مهندس شابّ متزوج من شابّة من مدينته، في حديث روحيّ آبائيّ حول الاعتراف، لم يسمع بعمقه من شيخ روحيّ. فبدأت بينهما علاقة روحيّة لا تزال تتقوّى. وأثّر فيه مرّة شابّ آخر بدأت دموعه تتساقط تأثراً بقيامة المسيح، فيما كان يشرح خدمة الفصح، في لقاء عام.

كانت مدينته محظوظةً روحيّاً. عُرفت بعرين أنطاكية. ومن شبابها انطلقت النهضة في الأربعينيّات، ومنها عادت الرهبنة إلى أنطاكية بعد انقطاع طويل. أيّ غنىً روحيّ هذا الذي تكتنزه هذه الأبرشيّة الفقيرة ماديّاً!

لكنّ دعوته لم تكن قد تثبّتت بعد. فما زال يتأرجح بين الكهنوت والرهبنة، وبين تأسيس عائلة أو حياة البتوليّة. لكن المؤكد أنّ المسيح قد استولى عليه.

عرف في تلك الفترة انجذاباً غراميّاً، لكنّ كوستي بندلي كان قد أقنعه، بواسطة كتبه، بأنّ العلاقة السليمة بين الشابّ والفتاة تتطلّب بلوغ النضج، فلم يطل زمن الوَلَه. وحين بلغ الرشد كان عشقُ المسيح قد أخذ بمجامعه كليّاً، فلم يبقَ فيها مكانٌ لفتاة بعينها.

بدأ دراسة الهندسة المدنيّة في الجامعة. هاج به الحنين بعد سنة من دراسته إلى ما تهفو نفسه إليه. فغادر إلى البلمند بعد افتتاح كليّته اللاهوتيّة، بعد انقطاعٍ خلال ما دُعي بحرب السنتين في لبنان. من هناك أخبر أهله، فلحِقَه والده غاضباً ليستعيده إلى جامعته بقوّة السلاح. هدّأ رئيس الدير، الذي سيصبح قريباً مطرانه، الوالد، وأقنعه بالعودة وإكمال دراسته، مؤكّداً وعد أبيه بعدم ممانعته بعد حصوله على الشهادة.

هذا أثار غضبه، لكنّه حين رسامته شمّاساً بعد خمس سنوات شكر الله بامتنان على ما جرى، لأنّه اختبر جيّداً في تلك السنوات كم كان بحاجة إلى بلوغ حدٍّ من النضج النفسيّ والاجتماعيّ. هذا جعله في السنوات الأخيرة ممتنّاً لله على كلّ ما يجري معه، فقد لمس يدَ الله مراراً وتكراراً تقوّم دربه وتقيه ممّا يندفع نحوه بنيّةٍ صالحةٍ، لكنّه اندفاع ليس في الوقت المناسب.

قضى سنوات الجامعة بشيء من الصعوبة، لأنّ قلبه في مكان وجسده في مكان آخر. لكنّه أخيراً أتمّ الوعد وصار حرّاً في الانطلاق لبناء ذاته بالطريقة التي اختارها الله له. فاتّخذ قراره ورُسم شمّاساً.