أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

خبرته وكورونا

(تسلسليّاً ليس موضع هذا المقال الآن، لكنّه يُنشر اليوم تلبيةً لطلب العديد من الأصدقاء الذين طلبوا الكتابة عن هذه الخبرة.)


خُطف شقيقه إلى ديار الملكوت بسرعة مذهلة. فقبل أن يكمل السابعة والخمسين بأسبوعين، أودع روحه بين يدي الله في أقلّ من ثلاثة أيّام فقط. رحل في عزّ موسم "الكورونا"! كانت الجائحة هي السبب كما عرض الأطباء وقد خطفته سريعاً جدّاً. غير أنّه لم يكن قادراً على تقبّل تسارع تردّي وضع شقيقه الصحيّ بهذه السرعة. بكاه بحرقة ومرارة. لم يكن له مجرّدَ شقيقٍ، بل ابن وملاك وبركة.

لم يكن يدري أنّه سيختبر أوجاعاً من أعراض هذه الجائحة بعد يوم واحد فقط من دفن شقيقه. كانت أوجاعاً شديدة وقاسية، إلى درجة أنّه بعدما تجاوز مرحلة الخطر مبدئيّاً، ما كان قادراً إلّا على الطلب ألّا يذوق إبليسُ نفسُه الوجعَ الذي اختبره.

قيل له إنّه كان، خلال وعكته الصحيّة هذه، تحت الخطر ستة أيّام، تعرّض خلالها لخطر الموت مرّتين، وما كان الأطباء يأملون ببقائه على قيد الحياة في هذين اليومين. اختبر رجفاناً لا إراديّاً في نصف جسمه، تارة العلويّ وتارة السفليّ، كما سعالاً متواصلاً خانقاً. إلى ذلك بقي، لعدّة أيام، لا يشعر بأنّه أكثر من كتلة لحم خامدة كليّاً مرميّةٍ على سرير المستشفى وليس فيها شيء من القوّة البتّة.

لكنّه وفي مرضه هذا اكتشف محبّة الناس ولهفتهم عليه بشكل أذهله وعزّاه. كان طلبه إلى الجميع: أضيئوا القنديل أمام أيقونة والدة الإله واطلبوا منها. لماذا والدة الإله بالذات؟ هو نفسه لم يعرف. يعرف أنّه كلّما أمسك بالمسبحة ليصلّي صلاة يسوع كان فكره يعود، لا إراديّاً، إلى والدة الإله، فيجد نفسه يتوجّه إليها. في الأيّام الأخيرة من وجوده في المستشفى، وهو بين اليقظة والنوم، شعر مرّة بزيارة أمّه له وحضنها إيّاه بحنان فائق. أتراها وهي التي أحبّت والدة الإله كثيراً كانت المتضرّعةَ إليها من فوق من أجل ابنها؟! لم يعرف بالضبط ولم يعد يهمّه أن يعرف، لأنّ ما اختبره من حضور والدة الإله إلى جانبه أغناه عن كلّ استفسار.

علم بعد حين أنّه من المستحيل إحصاء عدد القناديل التي أضاءها الأحبّة الكثيرون، في البيوت والكنائس، على مدى القارّات الخمس. محبّة الناس ولهفتهم أثّرت فيه بشدّة. ارتفعت صلواتهم من قلوب صادقة ومحروقة، وقبلها الربّ بخوراً عَطِراً أمام عرشه السماويّ. ماذا فعل ليجد كلّ هذه المحبّة التي لا يستحقّها؟ تساءل: أنا رجل خاطئ ومقصّر في خدمتي. شعبنا يحبّ بعاطفة عفويّة. الناس عندنا تحرّكهم المشاعر، وهي إذا ما كانت خاضعة لفحص الروح أنبلُ ما في الإنسان وأكثرُ ما يميّزه باعتباره مخلوقاً على صورة الله.

خدمةُ أخواته الثلاث له بتفانٍ ملائكي، متابعة غبطة البطريرك اليوميّة، تجمّع بعض الأحبّة لساعات في كافتيريا المستشفى وأمامها ليكونوا قريبين إليه جسديّاً فقط، وهم عارفون بعدم إمكانيّة رؤيته، هواتف الاطمئنان، الرسائل، الصلوات التي كتبها بعضهم لأجل شفائه لم تتوقّف، هذا كلّه جعله يختبر، وهو على سرير المستشفى، غصّات ودموعاً شحنته بتعزية وتشديد ليسا بقليلين. لعلّ الله استخدمها ليبثّه سلاماً ما كان يظنّ أنّه يذوقه لولا لطفُ الله الذي لاقاه عبر هؤلاء المحبّين. كان مرضه فرصة ذهبيّة ليختبر بعمقٍ شركة الكنيسة جسد المسيح الواحد والحيّ.

إلى ذلك، تراتب الأحداث وتراكبها في فترة قصيرة بالشكل الذي تمّت به لا يمكن أن يُعزى إلى تفسير آخر سوى أنّ ثمّة مشيئة إلهيّة توجّهها. قرّر، على غير تخطيط، مساء يوم الدفن تأجيل عودته إلى أبرشيّته يوماً واحداً، وفي مساء هذا اليوم بدأت أولى عوارض المرض تظهر إذ ارتفعت حرارته فجأة. بعد ظهر أحد الأيّام القاسية وهو في المستشفى اتصل به أحد الإخوة من مطارنة لبنان ليطمئن عليه وسأله ألّا يتردّد في الطلب منه إذا ما احتاج إلى أيّ دواء من لبنان. بعد ساعتين دخل الطبيب المختصّ إلى غرفته ليقول له إنّه مضطرّ إلى تأمين دواء محدّد إذ المتوفر منه في السوق لا يتمتّع بالفعاليّة التي هو بحاجة إليها. في الحادية عشرة مساء كان الدواء في غرفته. يوم فوجئ بلزوم ذهابه إلى لبنان لتوفّر أجهزة تنفّس أفضل من المتوفرة حيث هو، لأنّه إحدى رئتيه متوقفة عن العمل. انشغل الجميع، كان اليوم نهاية العام. في اللحظة الأخيرة وهو بين الذهول والواقع، نادى الربّ يسوع قائلاً: أنا منهك إن أردتني فأنا جاهز، لكن خذني من على سريري لا على الطرقات. وقرّر تأجيل السفر بعدما ترتّب كلّ شيء. حسبها فرأى أنّه لن يتحمّل السفر، بالإضافة إلى مشكلة الزحام الخانق في "جونيه" ليلة رأس السنة. ومرّت الليلة الخطرة بسلام تامّ. عرف بعد ذلك أنّ الأطباء المقيمين في الخارج الذين هم على تواصل مع إخواته قد حذروهنّ من خطر السفر.

هذه الأحداث وغيرُها وضعه أمام السرّ الإلهيّ الذي كان قد كتب عنه في مناجاته الإله المتجسِّد في عيد الميلاد. تأكّد أن ليس للإنسان أن يفهم السرّ دائماً. أنت أمام سرّ الله تنذهل فتخشع، فيأخذك الخشوع إلى الصمت والرضى بالمشيئة الإلهيّة كيفما كانت. بعد ذلك قد يملؤك الله بالفهم وقد لا يفعل. ذاك شأنه. لكنّك تُفعم بحضور إلهيّ وسلام يغنيك عن الفهم الملحاح. أدرك بعمقٍ ما كان قد قرأه مرّة للبطريرك المسكونيّ أثيناغوراس: "عندما يتعقّد الوضع تماماً، لا يبقى سوى الارتماء في أحضان رأفة الله. عندئذ ينتفي الخوف ولا تبقى إلّا الثقة".

اختبر على فراش المرض عمق سرّ الله أكثر فأكثر. وتأكّد له أنّ من لم يقاربه على صعيد اكتشاف خطاياه الشخصيّة أمام مجده الإلهيّ سيبقى جاهلاً به، إلى أن يجد الربّ له طريقاً خاصّاً لخلاصه. معرفة الله هي معرفة اختباريّة شخصيّة تسندها جماعة الإخوة عندما تربطهم محبّته بعضهم ببعض. عدا ذلك تنظيرٌ في الإلهيّات لا يغيّر الإنسان ولا يبدّله. يخاطبك الله بطرق مختلفة منتظراً استجابة شخصيّة منك. إن استجبت تدخل في هذه الخبرة وتنمو لتتطوّر، وما لم تستجب تبقَ على أسئلتك ولو صار عمرك ألف سنة.

بقي السؤال عنده قائماً: ماذا يريد الله منّي طالما أنّه أجازني "في الماء والنار" ويبدو انّه "يأخذني إلى منتجع الراحة"؟ لقد أبقاه في هذه الأرض، فما هي مشيئته، وكيف له هو أن يعرفها ويميّزها ليسير بهديها، بعد هذه الخبرة الأليمة والخطرة؟ هذا بقي سؤالاً مفتوحاً على المدى إلى أن يمنّ الله عليه بجواب ما. بانتظار ذلك عليه أن يبقى منفتحاً لكلّ إشارة تأتي منه ويميّزَها. هل هذا صعب؟ قد يبدو هكذا، لكن بتأييد الله ومشورة الإخوة تبقى الدرب أكثر أماناً.