أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف


الشموسيّة

التزم دار المطرانية مقرّ إقامةٍ بعد رسامته شمّاساً. كان في الخامسة والعشرين. ارتاح لتطابق سنّه مع قانون الرسامة الكنسيّة. لكن ثمّة مشكلة عائليّة واجهته قبل الرسامة. لقد انتهى عقد عمل أبيه والعائلة ستبقى بلا مورد حتّى يحصل على تعويضه الذي قد يستغرق سنة.

حاول شرح الوضع للمطران. لم يكن الأمر سهلاً. جرت بينهما عدّة نقاشات، ففكّر أخيراً أن يستسلم لواجبه العائلي؛ فهو البكر وهذه مسؤوليّته، لكن دخوله ميدان العمل، آنذاك، كان يحتّم عليه، بسبب اختصاصه، خدمة إلزاميّة في عمله تدوم خمس سنوات. هل يعقل أن يخسر دراسة اللاهوت وهي حلمه منذ زمن؟

لعب مرشده الروحيّ دوراً توجيهيّاً هامّاً. شجّعه على المضيّ قُدُماً في رسالته وتأجيل الالتحاق بدراسة اللاهوت سنة واحدة. وروى له، بصبر وتأنّ، قصصاً واقعيّة عن كهنة مرّوا بأوضاع مادّيّة صعبة لكنّهم لم يصلوا إلى العوز الكليّ لأنّ الله لم يتركهم. ساعده هذا الإرشاد على أنّ يرتمي بين ذراعي الله ويسلّمه أمره كلّياً.

فاجأه الله الكليّ الرأفة بخبرة ربّته بحزم في هذا المجال. يحبّ روايتها بتفصيل لأنّها لعبت دوراً حاسماً في حياته. عرف بعد فترة أنّ والدته في حالة صحيّة سيّئة وتخفي الأمر كي لا تحمّله فوق طاقته. عاد إلى المطرانيّة متجهّماً. تمشّى في حديقتها لينفّس من عصبّيته. ثم توجّه إلى أيقونة والدة الإله قائلاً لها بعفويّة: "أنت أمّ، وتعرفين أنّي تركت الهندسة من أجل خدمة كنيسة ابنك. فدبّري الأمر". لم يطل الوقت حتّى ناداه البوّاب فأحد الضيوف يطلبه. كان رجلاً محترماً طويل القامة ورياضيّ القوام. إنّه والد بنات ثلاث، الكبرى منهنّ تنتمي إلى المجموعة التي يرشدها، وهو بمثابة أخ لهنّ، وأحد أفراد العائلة.

كان الرجل أصفر اللون على غير عادته. قصّ ما حدث معه هكذا: فيما كان عائداً إلى المدينة بسيارته الصغيرة جدّاً، إذ به يفاجأ بموقف خطير. كان أوتوستراد العاصمة – المدينة قيد الإنشاء آنذاك، وقد تحوّلت الحركة بالاتجاهين إلى مسرب واحد منه. واجه فجأة كميّة كبيرة من قضبان الحديد أمامه لو دخل فيها لحطّمته، ولو انحرف إلى اليسار لدهسته شاحنة كبيرة كانت تقترب منه، ولو نزل بسرعة إلى الأرض الزراعيّة المنخفضة لانقلبت سيّارته. لم يكن أمامه سوى لحظات، فأغمض عينيه صارخاً: "يا والدة الإله". وإذ به يرى السيارة تكمل طريقها دونما عائق. لقد انحرف سائق الشاحنة بسرعة خاطفة إلى الأرض الزراعيّة وأنقذه من موت محتّم.

هنّأه بالسلامة، فشكره الرجل وقدّم له مبلغاً من المال مشدّداً: "إنّه لك شخصيّاً". شكره وطلب منه أن يشعل به شمعة لكنيسة السيّدة شكراً للعذراء مريم، لا له. أصرّ الرجل بشراسة، واضطُرّ تحت ضغط رفضه قبول المبلغ إلى القول له: والدة الإله تريده لك. لقد ارتسمتَ أنتَ أمامي، لا بناتي، عندما ناديتُها! كان المبلغ هو المطلوب بالضبط لتأمين فحوصات الوالدة.

علّمه الربّ باكراً كيف يعتمد عليه، إنّما دونما أيّ كسل أو تهاون من جانبه. سيبقى هذا الحدث مرافقاً له طوال سنوات خدمته مؤنّباً إيّاه كلّما ضعف أو داخله القلق، ومقوّياً له كلّما واجه عوزاً. لم يكن يعرف آنذاك ما سوف يواجهه في المستقبل من صعوبات، بخاصّة بعد استلامه أبرشيّته المعروفة بالمنسيّة. هناك فهم بعمق ما علّمه الله إيّاه في بدء طريقه: الكنيسة كنيسة الله وهو الأَولى بها فلا نستولينّ على دوره بحجّة خدمته.

لذلك على الرغم من الضيق والعوز الشديدين الذي رأى نفسه والأبرشيّة فيهما لم يكن اليأس رفيقاً له، وكان الله يسمح له بالمعاناة كي يهذّبه، لكنّه يتدخّل في اللحظة الأخيرة، ليبقى الرجاء فيه حيّاً.

عدا ذلك مضت السنة بسلام. أسند المطران إليه خدمة افتقاد عائلات رعيّة الكاتدرائيّة التي ألمّ عارض صحيّ مفاجئ بكاهنها. فكانت خبرته تغتني من نصائح مطرانه الشيخ الخبير بالرعاية. فاعتاد أن يطلعه يوميّاً على كلّ ما يحصل معه ويأخذ توجيهاته بخصوصها.

إلى جانب هذه الخدمة كلّفه المطران بقضاء عصر كلّ سبت وصباح كلّ أحد في إحدى القرى البعيدة، واعظاً ومعلّماً ومفتقداً لرعيّتها. لطالما سافر واقفاً أو جالساً على موتور الباص الصغير. كان زمن أزمة كبيرة في المواصلات آنذاك. ولطالما انتظر على الطريق، تحت الشمس والمطر، الباص النازل إلى المدينة الجارة ليستقلّه، ويأخذ آخر إلى مدينته. لذا لم يفهم بعدما صار أسقفاً تذمّر بعض الكهنة من عدم توفّر وسيلة نقل خاصّة توصلهم إلى رعاياهم ورفضِ أحدهم التنقّل في وسيلة عامّة! فداخله الخوف على الرسالة.

أعطى القراءة وقتاً طويلاً في تلك السنة، فقد أراد أن يعوّض عن عدم التحاقه بدراسة اللاهوت. وكان قد سمع من مطرانٍ علّامة أنّ من يدرس اللاهوت وله خبرة رعائيّة يفهمه بشكل عمليّ أكثر ممنّ تعوزه هذه الخبرة.

في السنة التالية كان جاهزاً للالتحاق بمعهد اللاهوت في دير البلمند (لبنان). ذهب إليه بفرح. إنّها أمنيته منذ زمن. لكن الأوضاع في لبنان كانت صعبة جدّاً بسبب الحرب. لم يتسنَّ له دراسة الإنكليزيّة كما يجب. كان على الطلاب أن يقضوا أربع ساعات وأحياناً خمس ذهاباً وإياباً على الحواجز ليدرسوا في المركز المخصّص لهم ساعة ونصف دراسة نظريّة تقليديّة. لكنّه اجتهد قدر إمكاناته. عدا لدراسة الإنكليزيّة، لم يلزم غرفته إلّا للنوم. أمّا باقي الوقت فكنت تجده في غرفة المكتبة العامّة.

لم يلقِ اهتماماً على المواد المخصّصة لطلّاب السنة التحضيريّة إذ كانت معروفة عنده. ابتسم مرّة فيما كان يفتح أحد المراجع اللاهوتيّة، وفكّر في نفسه: "لم أمسك بمرجع واحد سوى مواد الدراسة طوال دراستي الهندسة". ضحك، وتابع طريقه.

كان الأكثر تقدّماً في السنّ بين زملاء صفّه، الذين بلغوا الأربعة والثلاثين طالباً. لم يشهد المعهد، قبلاً، هذا العدد في صفّ واحد. فتعاطوا معه، بصفته شمّاساً أيضاً، أخاً كبيراً لهم. وهو بدوره كان سعيداً بذلك.

نمت صداقة بينه وبين كاهن من أصل سوريّ قديم أرسله مطران أميركا إلى البلمند ليتعلّم اللغة العربيّة. لم يكن يدري أنّ هدف إرساله آنذاك تحضيره للأسقفيّة هناك. تقوّت هذه الصداقة مع الزمن وتروحنت. سيلعب هذا الأسقف في ما بعد، ببركة ميتروبوليته، دوراً هامّاً في تزويد أبرشيّته بإمكانات النمو واستعادة دورها. يا لطرق الله التي لا تُفهم ولا تظهر إلا بعد زمن وشدائد!

عدا عن ذلك كانت سنوات الشموسيّة الأربع مصدر خبرة غنيّة له على كلّ الصعد. فلكونه شمّاساً حصل على إذن سنويّ بقضاء الأسبوع العظيم في أبرشيّته إلى جانب مطرانه. وهذا بدوره لم يحتكره، بل كلّفه بالوعظ في الكنيسة الثانية في المدينة، والتي ستصبح رعيّته في ما بعد. فكانت فترة تدريب على الوعظ مفيدة له.

في صيف بلوغه السنة الرابعة من دراسة اللاهوت أبلغه المطران بالاستعداد للرسامة الكهنوتيّة.