أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

 

سنوات الكهنوت

رُسم كاهناً في صيف ترّفعه إلى السنة الثالثة في معهد اللاهوت. كان ما يزال طالباً. ساعده هذا في اختبار الخدمة الكهنوتيّة تدريجيّاً. شخصيّته تميل إلى التدرّج في كلّ شيء. لا يهوى القفز فوق الحواجز. يحبّ النضج الآتي طبيعيّاً. لم يكن المطران مقتنعاً برسامته "إيبوذياكوناً" قبل الشموسيّة، لكنّه فعلها بناء على طلبه، لأنّه أراد التدرّج في التراتبيّة الإكليريكيّة. كان مطراناً متواضعاً جدّاً، وقد تعلّم من شخصه الكثير.

تابع دراسة اللاهوت، فألزمه الكهنوت بواجبات جديدة في المعهد، وهي بدورها زوّدته بخبرات غنيّة أيضاً. هذا كلّه سيظهر في نَفَس رعايته ونوعيّتها في ما بعد.

عاد بعد سنتين فسلّمه المطران رعيّة مميّزة لكنّها رعيّة كبار في السنّ، فأولادهم موزّعون بين الكاتدرائيّة والحركات المسيحيّة في الكنائس الغربيّة. شمّر عن ساعديه وشرع بالعمل بدءاً من مبنى الكنيسة العتيق وليس انتهاء بأبناء الرعيّة.

خصّص قبل الظهر يوميّاً لزيارة المرضى والمتقاعدين، وبعد الظهر للاجتماعات الروحيّة وزيارة البيوت. كما خصّص صباحات السبوت لتغذية العاجزين والمرضى بجسد الربّ ودمه. وترك يوم الاثنين خلوة روحيّة له، ما لم يرقد أحد من رعيّته ويُضطر إلى القيام بواجب دفنه. التنظيم الذي اتّبعه في خدمته الرعائيّة، بتوجيه من مطرانه، أفاده كثيراً وأفاد الرعيّة نفسها. كمن سرّ نجاحه الأوّل في محبّته لأبناء رعيّته.

كان الكاهن الأساسيّ للكنيسة رجلاً متقدّماً في السنّ، وقد رحّب به كثيراً؛ فهو من عمّده طفلاً. بدأت بينهما علاقة نموذجيّة: أبويّة ـ بنويّة. لم يختلفا مرّة، على الرغم من اختلاف سنّهما وتوجّههما الرعائيّ. لقد احتفظ له بالاحترام اللائق به، وذاك بدوره تعاطى معه بفرح الابن الذي يرث خدمة والده. لا يذكر أنّه رتّل الإنجيل مرّة بحضور هذا الشيخ الجليل الذي يحبّ تلحين الإنجيل، وكان صوته جميلاً، أمّا هو فلا. انعكس هذا التعاون والتناغم بينهما روحاً سلاميّة بين أبناء الرعيّة وبين أعضاء مجلسها والهيئات التي تعمل فيها.

أين الشبيبة؟ تساءل. لا يمكن أن تكون ثمّة كنائس للشبيبة وأخرى للشيوخ؟ كنيسة المسيح عائلة واحدة. اندفع بشوق إلى تطبيق لاهوت الرعيّة الأرثوذكسيّة على أرض الواقع. سانده المطران عمليّاً بعد سنتين. فأخلي بيت الكاهن القديم الذي يلاصق الكنيسة ليصير بيتاً للرعيّة، بعد سنة من نجاح خبرة لقاءات الرعيّة المتنوّعة، بدءاً بقهوة ما بعد القدّاس وليس انتهاء بموائد عشاء ودورات تعليم دينيّ ولقاءات شخصيّة وجماعيّة لا تتوقّف، في الفسحة الصغيرة خلف هيكل الكنيسة، تحت خيمةٍ صيفاً وشتاءً.

اعتمد السهرات الروحيّة في البيوت طريقاً إلى التعرّف على المؤمنين وتغذيتهم روحيّاً. لعبت هذه السهرات دوراً فاعلاً في تقوية العلاقات الشخصيّة بين أبناء الرعيّة، وانعكس هذا على علاقتهم بالكنيسة.

علمّه المطران أن يبدأ السهرة بنصّ إنجيليّ يشرحه تطبيقيّاً، ثمّ تدور الأسئلة ويتمّ استعراض الآراء في الأمور المتنوّعة التي تشغل بال الناس روحيّاً وكنسيّاً. فكانت الفرصة سانحة ليوصلوا أصواتهم ويسمعوا رأي الكنيسة، في الوقت ذاته.

إلى ذلك طلب افتتاح فرع لخدمة مدارس الأحد للأطفال والشبيبة، وسرعان ما امتلأت الكنيسة بهم، وصار وجودهم ملموساً فيها. حاول قدر استطاعته، بقدر ما كان المجتمع يسمح له آنذاك، مرافقتهم في الأنشطة المختلفة. ولقي الأمر تجاوباً شديداً منهم. ساعدته خبرته القديمة في الكنائس الأخرى على ابتكار أنماط من خدمة الشبيبة بخاصّة والرعيّة بعامّة، تجاوب الناس معها بفعاليّة لكنّه كان يقظاً إلى أهميّة أن يلعب المؤمنون دورهم، ويفعّلوا "كهنوتهم الملوكيّ"، لذلك رافقهم باستمرار كأب روحيّ لا كرئيس يأمر. اكتفى بمحبّتهم بأبوّة قلبيّة، ولا يزال.

بدأ بتنظيم الرحلات داخل البلد وخارجها؟ أليست مرافقة أربعين شخصاً زيارة روحيّة ليوم كامل معهم؟ استعمل البولمان في الرحلة للمرّة الأولى، لا الباصات الشعبيّة، ليتمكّن المشاركون من سماعه ومتابعة البرنامج الروحيّ والترفيهيّ الذي وضعه للرحلة. فاتّهمه بعضهم بأنّه راعٍ للميسورين، لكن نجاح هذه الأنشطة روحيّاً وانعكاسها عليهم التزاماً بكنيستهم، أوقف الاتّهامات باكراً.

كذلك اهتمّ بإقامة موائد المحبّة بأشكال ببأشكل بشكال مختلفة من حيث البرنامج والعدد والمكان وكلفة العشاء. ولكلّ نشاط منها هدف مقصود. جمعت هذه الخدمات الرعيّة بتنوّع أعضائها وأدخلتهم في خبرة عائلة المسيح الواحدة. يجب أن يكون هدف النشاط الرعائيّ بناءَ المؤمنين روحيّاً. لم يكُ يوماً مقتنعاً بالأنشطة الرعائيّة في سبيل تمويل عمل ما مهما بلغ من أهميّة. علّمه ربّه أنّه يهتمّ بكنيسته جيّداً إذا ما وجد الرعاة مهتمّين بخلاص خرافه لا غير. ولم يخلف معه في هذا الشأن مرّة واحدة.

لذلك اعتاد، مع الفريق الذي يساعده، أن يدقّق كثيراً في تفاصيل برنامج أيّ نشاط رعائيّ، ليكون هادفاً إلى إيصال المطلوب. امتزج إيصال الكلمة الإلهيّة بالفرح النقيّ الموجود في هذا العالم. عندما وصل الباص إلى أوّل كورنيش الإسكندريّة، في إحدى الرحلات، صدحت أغنية فيروز "شطّ اسكندريّة" التي كان قد حضّرها لتلك اللحظة. عرف المؤمنون فرح المسيح وسط حياتهم. بدأت الرعيّة تشعر بالفارق، وتجاوبت بحرارة مع خدمته.

ولأنّ جمع المال لم يكن هدف هذه الأنشطة، بل خدمة المؤمنين روحيّاً، بدأ هؤلاء يقدّمون بسخاء وهم فرحون حيثما يلزم. إذ استعادوا الثقة بالكنيسة وعادوا إليها بيتاً حقيقيّاً وأصيلاً لهم.

عندما بدأ مشوار الكلام عن مشروع بناء الكنيسة الجديدة عاد من رحلة رعائيّة إلى اليونان قدّم المشتركون فيها، من دون طلب منه، كلّ الأدوات الكنسيّة اللازمة لها بالإضافة إلى ثوبين من القماش الكنسيّ لقدّاس التكريس، ليلبس المحتفلون الإكليريكيّون بدلة واحدة. عندما رتّبها على طاولة في المطرانيّة ودعا المطران لكي يباركها بالماء المقدّس اندهش سيادته من كميّتها ونوعيّتها، وباركه بكلّ حنان. كانت المرّة الأولى التي يبدي فيها موافقته الصريحة من دون تحفّظ على ما يفعله كاهنه. حصل هذا بعد ست سنوات من خدمته.

في الحقيقة، نادراً ما رفض طلباته، لكنّه لم يكن مشجّعاً له إلى نهاية الخطّ، وكثيراً ما شكّكه في بعض أعماله، لكنّه لم يمنعه عنها. وهو بدوره كان صبوراً معه ومطيعاً له: ما يلمس فيه من عدم رضى يتوقّف عنه إلى أن يغيّر المطران رأيه، وإلّا فينساه ويتطلّع إلى خدمة أخرى.

غير أنّ الأهمّ في نظره كان غرس مفهوم سرّ الشكر وأثره على وحدة المؤمنين بالله وببعضهم بعضاً. فلم يَعُدِ القدّاس الإلهيّ عند الكثير من الشبيبة مجرّد طقس أو واجب، بل لقاء بالمسيح الحيّ وبالإخوة. ثمّة بوادر نهضة إفخارستيّة تفرحه من القلب. هذه هي الكنيسة حقاً.

عندما استُدعي إلى الأسقفيّة بكى بمرارة. هو مرتاح إلى خدمته ولا يريد أن يفقدها. وما بدأه لم ينغرس كفاية في النفوس ليستمرّ في الزخم ذاته من بعده. لا تزال أمامه سنوات من العمل لتتأصّل الروح الرعائيّة التي يعمل بها وتتجذّر في النفوس وتصبح مدرسة. لكن ما لم يكن في الحسبان حصل فجأة. استدعاه المجمع المقدّس إلى أن يكون أسقفاً مساعداً لصاحب الغبطة. فذهب طائعاً ومسلّماً أمره إلى الله، ولم يكن قد بلغ الأربعين. كان على عتباتها.