أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

 

كنيسة الرعيّة


لم يكن مبنى الكنيسة مصمّماً ليكون بيت عبادة. أخبره المسنّون أنّه بُني ليكون مستودعاً، للتبغ ربّما. لكن في ثلاثينيّات القرن العشرين حصل انشقاق في الأبرشيّة، ووُجد لها مطرانان. كان مالكو المبنى من أتباع المطران الوافد، فقدّموا الأرض وما عليها، وأضافوا للمبنى القائم برجين من الغرب وهيكلاً من الشرق. ومن ثم بُني بيت ملاصق ليكون مقرّاً للمطران إيّاه.

تمّت بعض الترميمات والإصلاحات في السنة الأولى لاستلامه خدمة الرعيّة، لكن حريقاً جزئيّاً نشب في هيكلها بعد أربع سنوات، دفع إلى عمليّة ترميم وتجميل شاملة. تبيّن بعدها أنّ العجوز لا يصير شابّاً مهما وضع من مساحيق. بنية المبنى الإسمنتيّة وما فيها قد انتهت فعاليّتها. ستحتاج الرعيّة إلى مبنىً جديد آجلاً أم عاجلاً.

المنطقة مكتظّة سكّانيّاً، ومن أغلى المناطق العقاريّة في المدينة، والأبرشيّة لا تستطيع تحمّل هدم كنيسة وإشادة بدلاً منها، فيما مناطق جديدة من المدينة يحتاج مؤمنوها إلى كنيسة تجمعهم.

فكّر في الأمر كثيراً، ثمّة حاجة حقيقيّة، لكن الوضع لا يشي بأيّ أمل، فسلّم أمره إلى الله، على جري عادته. أَمَا هو ربّ الكنيسة؟ هو يتدبّر أمرها عند اللزوم، قال لنفسه. لم يفاتح المطران بالأمر إذ كان عارفاً بالأعباء التي تثقل كاهليه.

بعد حوالى السنة من إعادة الترميم، دعاه المطران إلى مرافقته إلى مدينة "أنطاكية" لإقامة خدمة تجديد كاتدرائيّتها. عندما انطلقت السيّارة، جلس المطران، على غير عادته، إلى جانب سائقه، قائلاً له اجلس أنت في الخلف فثمّة ضيف سيرافقنا.

تهيّأ الجو لبدء أطراف حديث بينه وبين الضيف. فهم منه أنّه مندوب لخالٍ له، ثريّ ويسكن في إحدى الدول الأوربيّة ومتزوّج منها، وهو الذي قدّم تكاليف تجديد كاتدرائيّة أنطاكية بكاملها. كما علم أنّ ذاك المتبرّع وُلد في الرعيّة التي يخدمها هو وعاش فيها حتّى هاجر إلى الغرب. واعتاد عندما كان صبيّاً أن يخدم مع الكاهن في القدّاس الإلهي صباح كلّ أحد في الكنيسة إيّاها.

نادى الله في داخله: يا إلهي، هل ما يجري هو تدبير منك؟ استعان بشفيع الكنيسة الذي اعتاد على مخاطبته، وأخبر ذاك الضيف الذي سيصير صديقاً في ما بعد، بواقع مبنى الكنيسة وحاجة الرعيّة إلى بناء جديد مزوّد بقبو وإمكانيّات توفّر الخدم الرعائيّة الجديدة التي باتت مطلوبة في زمننا. لم يجب الضيف. أصغى إليه بصمت، وهو بدوره لم يطلب. بقي الأمر ضمن دائرة الحديث الإخباريّ.

بعد أشهر، وكان يقضى بضعة شهور في ضيافة أبرشيّة أميركا الشماليّة الأنطاكيّة طلباً للاستزادة من خبرتها الرعائيّة، إذ برسالة تصله من الضيف يخبره فيها بأنّ خاله على استعداد لبناء كنيسة جديدة بالكامل، إذا توفر له شرطان: الأوّل، ألّا يشارك أحد في تكاليف الكنيسة، لأّنّه يريد تقديمها كاملة عن راحة والديه الراقدين. والثاني أن يرسل له مخطّطا أوليّاً، فإذا أعجبه يبدأ مباشرة بالتمويل. أيّ فرح هذا يا إلهي! أيّ نعمة هذه التي تسكبها على شعبك! ما أعظم أعمالك. ماذا نبتغي أكثر من هذا. يقول شاعر فرنسيّ: "عندما يمسك الله بآلة الفلوت ويعزف، تبدأ الجبال بالرقص، فمن يقدر أن يوقفها؟".

أخبر الأسقف الذي ينزل بضيافته بالأمر فزوّده بمرسم هندسيّ ليضع المخطّط. إنّه في رأسه وقد حلم به طويلاً. أرادها كنيسة بيزنطيّة المعالم على تزاوج تقليديّ مع الهندسة الحديثة. رسم لها برجين أماميّين، وسقفاً على شكل قعر سفينة مقلوب. أليست كنيسة المسيح سفينة تمخر بركّابها عباب بحر هذا العالم إلى ملكوت الله! لم يرد لها خطوطاً مستقيمة، إذ إنّ العمارة البيزنطيّة تأتي من الخطوط المنحنية للقبّة راسمةً نزول الله إلى شعبه المجتمِع في صحنها واحتضانه إيّاه. كما أراد الضوء فيها نازلاً من فوق، لا من نوافذ قريبة من الأرض، هكذا تغمر نعمة الربّ النازلة من "لدن أبي الأنوار" المؤمنين المجتمعين. أمّا صحن الكنيسة ففسحة واحدة واسعة من دون أعمدة بالكليّة، ليكون شعب الله جماعة واحدة متراصّة في اجتماعها حول الكأس المقدّسة.

لقد عاد إلى الهندسة للمرّة الأولى من بعد تخرّجه. لم يكن يعلم أنّه كثيراً ما سيتساءل بعدما يصير مطراناً عمّا إذا كان أباً روحيّاً أو رجل بناء. إذ سيضطّره حال أبرشيّته إلى استخدام الهندسة مرّات ومرّات.

أعجب التصميم المتبرِّع، فحوّله إلى مهندس معماريّ معروف لوضع التفاصيل، ريثما يعود من سفره. وهكذا ابتدأ العمل. بارك المطران فكرة المشروع منذ أن كانوا في "أنطاكية"، إذ أخبره، على جري عادته، بما جرى بينه وبين الضيف، آملاً موقفاً إيجابيّاً منه. وقد أجابه المطران آنذاك: حسناً، فلنترك الأمر لله، فهو كفيل بكنيسته.

بدأ العمل يتكثّف. أين ستقضي الرعيّة فترة التشييد التي قد تطول إلى عدّة سنوات؟ استعلم عن قبو مبنىً كبير في وسط الرعيّة، علم أنّه لا يُستعمل. قصد المالك ليطلب منه تأجير القبو لاستخدامه بمثابة كنيسة طوال تلك الفترة. لم ينصحه الذين يعرفون ذاك الرجل لأنّهم يعلمون أنّه رفض تأجير قبوه عدّة مرّات. لكنّه قصده إذ لم يجد حلّاً آخر. استقبله الرجل بودّ وترحاب، وتجاوب مع طلبه قائلاً: أنا لا يمكن أن آخذ شيئاً من الكنيسة. كنت أرفض تأجيره، لكن للكنيسة أقدّمه عن طيب خاطر. استخدموه كما تريدون حتّى تعودوا إلى الكنيسة الجديدة. وسلّمه المفاتيح. عجيب الله في طرقه! قال أيضاً: أنا لا أصلّي عادة، فها قد أتتني الفرصة لتصلّوا لي. علّمه ذاك الرجل درساً في الرعاية ذا أهميّة شديدة. لا يمكنك أن تحدّد نفس الإنسان في دائرة محدّدة. الإنسان منفتح على العلى عرف أم لم يعرف. صورة الله المتبقيّة فيه لا تزال تعمل، والله يفتح دروباً كثيرة في سبيل خلاص شعبه!

بدأ العمل في هدم المبنى القديم بعد قدّاس عيد رفع الصليب. وعندما صارت الأرضيّة جاهزة لوضع الأساسات، أقام خدمة وضع أساسات كنيسة جديدة، كما وردت في كتاب الخدمة، وشارك جمع غفير من الرعيّة فيها.

استلم ذاك الضيف أمور الورشة بكاملها بناء على الاتفاق الذي جرى بينه وبين المطران، وانطلق البناء.

لكنّه لم يبقَ في الرعيّة ليتابع البناء تفصيليّاً، إذ إنّه سيُستدعى بعد سنة ونيّف على حين غرّة إلى العاصمة ليكون أسقفاً مساعداً لغبطة البطريرك. ترك الورشة وكان القبو في اكتماله الأخير.

عندما حان وقت تدشين الكنيسة، وكان قد أصبح مطران أبرشيّة، دعاه مطرانه السابق إلى المشاركة بحضور غبطة البطريرك. كانت خدمة بهيجة جدّاً، ملأت قلبه بفرح عظيم. بعد انتهاء الاحتفال، وقف على الرصيف المقابل يتطلّع بحنان حاضن إلى المبنى، ملاحظاً أنّه لم يكتمل كما أراده من جهة الغرب، وتساءل عمّا إذا كان سينال بركة أخرى كهذه يوماً في أبرشيّته!