كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

أقمنا الأحد الماضي تذكار قدّيسة عظيمة، رشفت من الحبّ الإلهي أقصى ما يمكن للإنسان أن يفعله. إنّها مريم المصريّة. جميلة وغانية، امتهنت الفسق، في أوّل صباها، وقادها تحرّقها للجسديّات وشهواتها إلى عشرة الخطيئة. هذه ذهبت في رحلة إلى القدس الشريف، سياحةً وبحثاً عن مغامرات جسدانيّة جديدة. هناك لمستها النعمة الإلهيّة. وحدها، من بين الحجّاج الكثر، شعرت بحاجز، غير مرئيّ، يمنعها من الدخول إلى كنيسة القيامة. نخست هذه الخبرة قلبها، إذ شعرت، بعمقٍ، بجسامة خطاياها، وتالياً بعدم استحقاقها للسجود أمام القبر المقدّس. 
 نذرت للربّ أن تغيّر حياتها، وتحيا عيشة مرضية له. وهذا ما كان. لا بل أكثر. فقد استبدلت نار أشواقها ورغباتها الدنيويّة المشتعلة، التي جعلتها، على الدوام، مرتمية في أحضان الخطيئة، بنار الرغبات والأشواق الروحيّة، لتلتمس، مرّة، وإلى الأبد، وبالكليّة، الدفء الحقيقي، في حضن الله.
 بعد أن أتمّت اعترافها بسيرتها الرديئة، توغلت في صحراء الأردن، وقضت بقية حياتها، أربعين سنة، في وحدة مطلقة مع ربّها. زوسيما الكاهن الذي التقاها في نهاية حياتها، بتدبير من الله، لكي يكشف، للكنيسة، سيرتها الفاضلة التي صارت عليها، بعد توبتها، سمع سيرتها منها، وكتبها، وقد فعل حسناً، منفعةً للأجيال، وصورةً وضّاءة لفعل التوبة الحقّة. 
 مريم، المرأة التي انتقلت من الهيام بالجسد وما إليه، إلى الهيام بالله وحده؛ التي هجرت عيشة الترف والرفاهية والتنعّم، واختارت عيشة النسك بشكل يفوق طاقة أي إنسان، صارت صورة واخزة لكلّ إنسان مُستَعْبَد لمجتمع الاستهلاك، ومطحون بحجر رحاه التي لا تتوقف. كيف لامرأة اعتادت عيشة التنعّم، أن تعيش وحيدة في الصحراء، بعيدة عن كلّ وسائل العيش الضرورية، ومكتفية بالأعشاب والجذور التي تنبتها الصحراء؟! إنّها الرغبة، التي تحوّلت إلى العشق الإلهية.
 كاتب سيرتها يقول إنّه حينما لمح خيال إنسان في البعيد، تبعه إلى باب المغارة التي دخل إليها. وحين ناداه سمع صوتاً أنثوياً يرجوه أن لا يدخل لأنّها امرأة عارية، فرمى جبّته لها لكي تخرج إليه ويعرف من هي. لذلك تصوّرها الأيقونة امرأة نحيلة إلى درجة بروز عظام صدرها. ألا يقول لنا نسكها الشديد، وإمساكها، حتّى عن الضروريّات، لمدّة أربعين عاماً، إنّنا مخدوعون بضروريات كثيرة نظن أن لا حياة لنا من دونها؟
 تقيم الكنيسة المقدّسة تذكار هذه القدّيسة العظيمة، في الأحد الخامس من الصوم الكبير سنوياً. داعيةً إيّانا، بواسطتها، إلى إعادة ترتيب أولويّاتنا، بما يتناسب وعيشنا العيشة الفضلى. في عصر يطحننا بالركض المستمر وراء تلبية متطلّبات جديدة يضعها أمامنا في كلّ يوم، كم من "مريم مصريّة" مثلها نحتاج، لكي نبلغ التحرّر المطلوب، ونتخلّص من قيود الاقتصاد التي تلاحقنا بلا هوادة! 
 يخطئ كثيرون حينما يعتبرون النسك أمراً يختصّ بفئة محدّدة. فالنسك، بحسب تعليم الكنيسة الأرثوذكسيّة، بخاصّة، أمر مطلوب من كلّ مسيحي حرّ، وإن اختلفت درجاته بين إنسان وآخر. 
 يخاف الكثيرون من كلمة النسك. وبعضهم يرفض أن يسمعها، لأنّها مرتبطة، في أذهانهم، بالحرمان وتعذيب الجسد!! بينما هي في المفهوم المسيحي تحرّر من أيّ رباط قد يقيّد الإنسان، ويجعله عاجزاً عن التخلّص منه. إن كنت مأسوراً للتدخين، ولا تستطيع الإقلاع عنه أو التقليل من تعاطيه، فأنت عبد له. والعبد يجب أن يبلغ النسك ليصير حرّاً. فعل تحرّرك من سطوة التدخين فعل نسكيّ. وقِسْ الأمر على بقية أمور حياتك، ترَ أنّ الكثير ممّا تحتاج إليه تستطيع أن تسوده، بدلاً من أن يسودك.
 النسك المسيحي مفهوم إنساني يطالبك بأن تصير إنساناً أوّلاً، قبل أن يجعلك روحانياً. الإنسان غير الحرّ داخلياً كائن ناقص. ولفظة نسك في أصها اليوناني ascesis تعني تمريناً. عندما كنّا طلّاباً في الجامعة، اعتدنا أن نسمع من زملائنا في كليّة العمارة كلمة "غداً عندنا إسكيز"، أي مشروع تمرين واختبار. أن تحيا في النسك، بحسب المفهوم المسيحي الشرقي، يعني أن تمارس تمارين معيّنة، فيها، من جهة أولى، إمساك عن عادات وممارسات سيئة، اعتدت عليها، ومن جهة ثانية، استبدال لها بأخرى، أكثر إيجابيّة وفائدة، تعاكسها وتدرّبك على تبنّيها بفرح، بدلاً من التي عففت عنها. 
الصوم، على سبيل المثال، فعل نسكيّ. فأنت تُمسك عن أطعمة مباركة (محلّلة) لك، وتستبدلها بأخرى، لكي تدرّب نفسك على أن تسود شهوة الطعام وتتحكّم بها، لا العكس. تخصيص وقت لمشاهدة التلفاز فعل نسكيّ، وكذلك تنظيم أوقات استعمال وسائل التواصل الاجتماعي. إنسان اليوم محاصَر بتقنيّات ومتطلّبات ومقتنيات، تغزو السوق فتجتاح عقله وقلبه ومشاعره. إنّه إنسان يحيا من أجل أن يعمل ليزيد مدخوله، فيزداد مصروفه، ويرتمي في عمل إضافي، وهكذا يقضي حياته في دوّامة لا تتوقف حتّى تنهكه وتدمّره. ألا تقتضي الحكمة أن يقف قليلاً ليسأل نفسه: ما هي أولوياتي؟ وما الأمور التي يمكنني الاستغناء عنها، والعيش من دونها؟ لكن من أين للمنهك عصبيّاً، والمثقل بالهموم المختلفة، أن يمتلك الجرأة والشجاعة اللازمتين لكي يقف أمام التيّار الجاري، ويعاكسه حينما تتطلّب مصلحته ذلك؟
 في عالم جارف ماديّاً، على الكنيسة، بمؤسّساتها ومؤمنيها، أن تكون شاهداً حيّاً للبساطة والتحرّر من تكاليف العيش غير اللازمة. عليها أن تكون قدوة في تأكيد إمكانيّة الاكتفاء بحضور الله فيها. أن تكتفي بالله، يعني أن تتحرّر من الضغط النفسي والعصبي والجسدي الذي يمارسه العالم عليك اليوم. ولو بقي فيك قلق إيجابيّ يدفعك إلى البحث عن الحياة الفضلى، للارتماء في حضن منشئها، بدلاً من الانسياق الأعمى وراء أنماط الحياة التي يرسمها الآخرون لك.
 من يبتغِ التحرّر يلزمْه شغف عظيم بما يصبو إليه، أو تلزمه ثقة بالنفس لا بدّ له من امتلاكها، ليغلب الشعور بعقدة النقص، ويظهر بين الآخرين، كما يريد هو أن يكون، وكما يرى منفعته في أن يكون. مريم المصرية امتلكت حسّاً بالتوبة قويّاً إلى درجة أنّها نسيت العالم وما فيه، لتكون تلك المرأة التي تستحقّ حبّ الله. نحن في العالم، ولا يطلب الربّ منّا الخروج منه، بل السيادة عليه. أيصعب علينا امتلاك الحسّ بالانتماء إلى عالم الملكوت (يبدأ ابتداء من هنا والآن بحسب التعليم المسيحي)، حتّى لا ننسى أنّنا مدعوون إلى ما هو أسمى بكثير، وأرفع بكثير، وأجمل بكثير، من السراب الذي يفني البشر حياتهم عبثاً للإمساك به.