كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 قالت لي، بنبرة من اكتشف شيئاً ما كان قابلاً للتصديق: "لقد أتى كاهن الرعيّة إلى بيتنا، بناء على طلبك، وأقام خدمة تقديس الماء فيه. حقاً لقد زالت الروح الشرّيرة من البيت، يا سيّدنا. ولم نعد نتعرّض لأحداث غريبة". كانت قد أخبرتني بأنّ ثمّة أحداثاً شرّيرة متتالية، تتم في بيتهم، ولا يعرفون سبباً لها. لم تكن مقتنعة بجوابي، وهي السيدة الحاصلة على شهادات علمية عالية، والملتزمة، وزوجها، بإيمانها وكنيستها، إلى حدّ كبير.
هذه حال الكثيرين ممّن بات الإيمان، عندهم، قناعة إيديولوجيّة عقليّة، مشوبة بممارسات دينيّة. بينما الوجه التقديسيّ الحيّ غائب من حياتهم، عملياً لا نظرياً.
 البعد التقديسيّ للحياة أساسيّ في الإيمان المسيحيّ، وهو وظيفة الكنيسة، بواسطة الليتورجيا بخاصّة. أن تتقدّس حياتنا، لا يعني أن تنحصر في أفعال وسلوكيّات صالحة فقط. هذا مسرى لا بدّ منه للمؤمنين بالإنجيل. لكن حضور الله وفعله في الحياة، وتأثيره فيها، وتحويلها إلى امتلاء حقيقيّ منه، قضية إيمانيّة لا غنى عنها، إن ابتغينا إيماناً حيّاً حقّاً.
 يُعَدّ البعد الليتورجيّ من أساسيات العيش المسيحي الأمين والحيوي، الذي لا غنى عنه، ولا يُستبدل بآخر. فالعالم الذي نحيا فيه مشبع بالروح الشرّير، الذي لا يزيله سوى روح الله. من هنا نفهم الوظيفة الكهنوتيّة في الكنيسة. فالكاهن هو الإنسان المقام، بالنعمة الإلهيّة، لكي يكون سبيلاً لتقديس الحياة، واستجلابِ نعمة الله. وعندما يقول لأحد: ليباركك الله، يكون لقوله فعل حقيقي، وليس مجرّد دعاء. 
 من هذه الزاوية نفهم الأسرار الليتورجيّة أيضاً. قد تكون المعمودية مجرّد حدث اجتماعي عند بعضهم، للأسف، لكن عدم وعي هؤلاء لفعلها الروحي لا ينفيه. إنّها ولادة جديدة حقيقيّة، يصير فيها المعتمد ابناً لله، ويحصل على نعمة إلهيّة تحفظه، إن حافظ عليها، من روح الشرّير وأفعاله.
وفي الإفخارستيّا يأخذ المؤمن المسيح ذاته، فيسكن فيه ويقدّسه ويعطيه  قوّة روحيّة، يواجه، بها، القوى الشرّيرة، التي لا تني تحاربه باستمرار، قاصدة أن تبعده عن ربّه، وتوقعه في الخطيئة، لكي تُفقده خلاصه، وتقوده إلى الموت الروحي، وحتّى الجسدي في بعض الحالات. وهكذا بقية الأسرار.
 بحسب الإيمان الأرثوذكسيّ، لا تقتصر الأسرار الإلهيّة على سبعة، كما يقول التعليم القانوني، المتأثر بالفكر الغربي. فكلّ خدمة صلاة يقوم بها الكاهن، بناء على طلب المؤمن، إنّما هي سرّ. وتطال هذه الخدم الصلاتيّة حياة المؤمنين، بتفاصيلها، من خدمة تقديس الماء وتبريك البيت بها، إلى خدمة الزيت المقدّس ومسح المريض به، إلى خدمة تبريك السيارة الجديدة، إلى خدمة الصلاة على الولد عند ذهابه، للمرّة الأولى، إلى المدرسة، وهلم جرا. 
 يحيا المؤمن بنعمة الله، التي يعبّر عن توقه إليها، بهذه الأفعال الصلاتيّة، التي تقدّس حياته بكلّيتها. هكذا يحيا مستمدّاً النعمة الإلهيّة في كلّ وقت. فليس البعد التقديسيّ مجرّد طقس يتألّف من بضعة أفعال. لا وليس هو تعويذه، كتلك التي يعلّقها بعضهم في رقبته. إنّه فعل تقديسيّ، يطلبه المؤمن، ويتمّمه كاهن قانونيّ، حصل، بالروح القدس، على نعمة الكهنوت، لكي يقدّس حياتنا.
السر هو حضور الله بشكل غير منظور، ولكنه محسوس عند المؤمنين، الذين يختبرونه. 
 للأسف، غاب هذا المفهوم، أو كاد، في السنين الأخيرة. فقد صار الإيمان عند الكثيرين قناعة عقليّه بمسلّمات إيمانيّة معيّنة، تستدعي نمط حياة معيّن، فيه ممارسات روحيّة محدّدة، بها يتمّم المرء الواجب الدينيّ! 
 إذن، كانت المعرفة أساسيّة عند المؤمنين، وتتطلّب تمييزاً ما بين الإيمان الواعي والشعوذة. فلا يعني هذا التمييز جعْل الحياة الروحيّة قضية مبادئ فقط. فالإيمان يطال أبعاد الإنسان كلّها: العقليّة والروحيّة والجسديّة والعمليّة. لا يحيا الإنسان بقناعات عقليّة مفصولة عن الحياة. الإيمان الحقّ تجسيد حيّ لهذه القناعات في الحياة اليوميّة. 
 حتّى الكهنة باتوا في غربة عن هذا المفهوم، وباتت خدمتهم التقديسيّة ضعيفة إلى حدّ كبير وتقتصر، عند الكثيرين منهم، على أداء واجبات القدّاس الإلهيّ والمعمودية والدفن والزواج. باعتبارها مراسم دينية لا غنى عنها. بات، على سبيل المثال، تبريك البيوت، في عيد الغطاس، عبئاً يستثقله بعضهم، ويهمله. فكيف بإقامة خدمة تقديس الماء في البيت عندما تدعو الحاجة؟!! 
 نشهد انحرافاً، لا واعياً، للخدمة الكهنوتيّة عن وظيفتها الأساسيّة. فيتمّ استبدالها بخدمات اجتماعية، وأنشطة مختلفة، لا تصبّ في خانة التقديس، و ليست من صلب عمل الكاهن. أيّ عمل للكاهن سوى خدمته التقديسيّة ليس من صلب وظيفته. والمقصود بالعمل هنا: الإدارة والمحاسبة والأنشطة الاجتماعية المختلفة، بما فيها الخيرية. هذه باتت تحتلّ جلّ وقته وخدمته، ويدخل بسببها في صراع مع المؤمنين، ظانّاً أنّهم يحجّمونه، عندما يقومون بدورهم وواجبهم. قد تستدعيه الحاجة إلى هذا العمل في هذا الحقل وذاك، لكنّه يجب أن يبقى واعياً إلى أهميّة تسليمه، في أقرب وقت، إلى من هو أهل للقيام به من أبناء رعيّته، ليتفرغ هو لخدمة الاعتراف والخدم التقديسيّة الأخرى، وافتقاد المؤمنين، وليغذّي حياة الصلاة عنده.
 لماذا وصلنا إلى هذا الدرك من غياب الحياة التقديسيّة؟ الأسباب كثيرة، ولا مجال لتعدادها في هذه العجالة.. لكن المسؤوليّة تقع علينا جميعاً. والبيت هو المربّي الأساسي الأوّل. فالذي ينشأ في بيت خالٍ من التقوى، سيستصعب عيشها وفهمها، عندما يكبر، ولو صار كاهناً، وحتّى راهباً، فكيف بالمؤمن العائش في قلب المجتمع!!!
 قد تكون تنمية روح التقوى، الذي يجعل الإنسان يقظاً لحضرة الله، بشكل دائم، هي أكثر ما يحتاج إليه الإنسان اليوم. حقاً ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟ ماذا يقدّم لنفسه إذا عاش بعيداً عن الله، ولو تسمّى به، وقاتل من أجله؟ الحياة مع الله تُختَبَر في القلب أوّلاً، وقبل كلّ شيء. يخاطب الله قلبك ويلمسه، فتتغيّر، لتتشبّه به، وإلا فأنت واهم بأنّك له.
 تكون له حقّاً، عندما تعطيه قلبك. والقلب في المفهوم المسيحيّ الروحيّ هو الكيان كلّه. عندما تلامس نعمة الله قلبك، تطفر كالأيل فرحاً وتريد هذا الفرح للعالم المحيط بك. ابدأ بتقديس حياتك، واغتذِ جيّداً بالنعم الوافرة، التي أعطاها الله لكنيستك. عشها. فعّلها. ولا تكتفِ بمظاهر اجتماعيّة دينيّة، كثيراً ما تكون السبب في تسوير قلبك، لئلا تدخل نعمة الله إليه.