كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 دفعني تجاوب بعض القرّاء مع المقالة الأخيرة، وورود بعض التعليقات، التي لا يُشكّ في صدقها، إلى متابعة معالجة موضوع البعد التقديسي. من الواضح أنّ الكثير من هذه التعليقات نابع من قلب موجوع، ذي نيّة تبغي الأفضل. لكن هذه التعليقات وبعض الهواتف، التي وردتني بخصوص المقالة إيّاها، أظهرت أنّ الكثيرين من القرّاء قد حصروا مسؤوليّة غياب البعد التقديسي، بالكهنة وحدهم. كلامهم صحيح، لكنّه ليس كاملاً، فثمّة كهنة صالحون كثر، لكنّهم مُحبَطون من الضغط الممارَس عليهم ليكونوا كلّ شيء، إلا مقدِّسين. إذ، على عظم مسؤوليّة الإكليروس، ثمّة مسؤولية كبرى على المؤمنين أيضاً. كنت أتمنى لو نوّه واحد، على الأقل، إلى هذه النقطة. علماً بأنّني أشرت، في المقالة، إلى دورنا جميعاً، وإلى أهميّة البيت في التربية الروحيّة.
 لذلك سأستفيض في هذا الموضوع قليلاً، وأتكلّم عن الصلاة ودورها، وبعضٍ من معوقاتها الحاليّة، بخاصّة، تلك التي يتسبّب المؤمنون بها، علّني أضيء على مسؤوليّتنا جميعاً، إكليروس وعلمانيين، عن هذا الغياب، على أمل أن ننهض جميعاً، إلى حياة تقديسيّة أكثر فاعليّة.
 لنبدأ الكلام عن غنى الطقس الأرثوذكسي، المعروف بالبيزنطي. يتميّز هذا الطقس بغناه الليتورجي، وتغطيته، ليتورجيّاً، مجمل قضايا الإنسان الحياتيّة. فالكنيسة ترافق المؤمن بصلواتها منذ الحبل به إلى ولادته، ودخوله الأوّل إلى الكنيسة، ثمّ معموديّته وتناوله الأسرار ونموّه. تبارك حياته بالأسرار الإلهيّة، وبيته بتقديس الماء، وكذلك حقله وأملاكه. ترافقه بصلواتها في مرضه وسفره ودراسته، في خطبته وزواجه وصولاً إلى انتقاله. وحتّى بعده أيضاً، إذ تتابع صلاتها من أجل راحة نفسه. 
 همّ الكنيسة احتضان الإنسان وتغذيته روحيّاً، ليصير مواطن الملكوت السماوي، ويتقبّل نِعَم الله الخلاصيّة والمخلِّصة، ويحصل على الحياة الفضلى (يو10/10)، التي جاء المسيح من أجل أن يعطيه إيّاها.
لذلك اغتنى الطقس الأرثوذكسي بأحداث خلاصيّة، وأحداث حياتيّة  عمّدتها الكنيسة، وصبغتها بالصبغة المسيحيّة، لتكون مطلّاً روحيّاً يسهم في خلاص المؤمنين. فقد توزّعت أعياد السيّد والسيّدة والقدّيسين، على مدار السنة. ولا يخلو يوم في السنة من عيد أو أكثر. ولكلّ عيد نصوصه الصلاتيّة وقراءاته الكتابيّة، وتراتيله الخشوعيّة الجميلة، وإن تفاوتت في حجمها وأهميّتها وجمالها وشعبيّتها.
 إلى ذلك، اغتنى هذا الطقس بصلوات متنوّعة تبارك المؤمن، في كلّ أعماله. فهناك صلاة لكلّ شيء. نذكر على سبيل المثال لا الحصر، صلوات التبريك التي تشمل مباركة أوضاع المؤمن ونيّاته وعمله ومقتنياته. بالإضافة إلى تبريك مناسبات عالميّة لها بعد مسيحيّ، كيوم البيئة والمعلّم والأمّ والعمّال...إلخ. 
 ولا ننسى الصلوات اليوميّة، الموزَّعة في الدورة الليتورجيّة السنويّة، كطقوس الصوم الكبير الخشوعيّة، والأسبوع العظيم المقدّس، وقوانين الابتهالات للقدّيسين، والابتهالات التضرعيّة.
 يقول المطران كاليستوس (وير) في كتابه "الكنيسة الأرثوذكسيّة" ما يلي: "يفرض غنى الخدم الأرثوذكسيّة، على المؤمن، اقتناء مكتبة صغيرة تضمّ عشرين مجلّداً مهمّاً. وتكون هذه المجلّدات، على صعوبة استعمالها في البدء، واحداً من الكنوز الكبرى في الكنيسة الأرثوذكسيّة".
 أمام كلّ هذا الغنى، الذي يغطّي عشرات المجلّدات، يستغرب المرء قلّة الممارسة القائمة حاليّاً في كنائس الرعايا، وعدم معرفة الغالبيّة العظمى من المؤمنين، بما هو قائم وموجود في كنيستهم!! فإذا استثنينا طقوس الصوم الكبير والأسبوع العظيم المعروفة شعبيّاً، نجد أنّ غالبيّة المؤمنين لا تعرف، من طقوسها الوافرة الغنى والجمال، سوى القدّاس الإلهي.
لنستعرض، قليلاً، بعض الوقائع.
على حدّ علمي، أنّ معظم الكنائس، في المدن والرعايا الريفيّة التي يتوفّر فيها مرتّل أو أكثر، تقيم صلاة السَحَر صباح كلّ أحد. كم هو عدد المؤمنين الذين يشتركون فيها؟ قارنوا أعدادهم بين صلاة السَحَر والقدّاس الإلهي!!
 صلاة الغروب لعشيّة السبت، التي تحمل كلّ معاني القيامة، التي نقيم تذكارها كلّ أحد، ما هو عدد الذين يصلّونها مع الكاهن، في الكنائس التي تقام فيها أسبوعيّاً؟! حضرت، مرّة، صلوات مساء السبت في كييف وأخرى في موسكو، والسلافيّون يقيمون خدمتي الغروب والسَحَر مساء السبت، وكلّها مرتّلة. ذهلت لامتلاء الكنائس بالمؤمنين، وقوفاً، إذ لا مقاعد في كنائسهم! ومن لا يشترك فيهما، لا يتقدّم صباح الأحد إلى المناولة المقدّسة، ولو كان قد قدّم اعترافه في تلك الليلة.
 لنضرب مثالاً آخر: الصلوات اليوميّة، كم هو عدد ممارسيها؟ وبين الذين يمارسون سرّ الاعتراف والذين يطلبون الإرشاد الروحي، كم هو عدد الذين يطرحون العوائق التي يصادفونها في أداء صلواتهم؟ من خبرتي كأب اعتراف، خاصّة عندما كنت كاهناً، ما من عرض لمشاكل الصلاة سوى قضيّة تشتّت الذهن. وتكمن الصعوبة الكبرى، عند الغالبيّة العظمى من المعترفين، في المواظبة على تقديم الصلاة صباحاً ومساءً، مهما كان القانون الشخصي المُعطى لهم، من أب الاعتراف، صغيراً وقصيراً!!
 يلاحظ المراقب مشاركة أكبر في الصلوات التي تليها مناسبة اجتماعيّة ما، كالطعام بخاصّة. على سبيل المثال، يكثر عدد المشاركين في قدّاس السابق تقديسه، المقام مساء الأربعاء، في الرعايا التي تقيم مائدة محبّة بعده!! هل التجاوب نابع من دافع حياة الصلاة عندهم، أم يلعب الاجتماع حول مائدة المحبّة الدور الأقوى في تغذية هذا الدافع؟ الجواب متروك لكلّ شخص، إذ ليس دورنا أن ندين ونحكم، بل أن نراقب وننبّه.
ماذا يفهم مراقب، من خارج الكنيسة، عندما يُدعى إلى المشاركة في تتميم  سرّي المعمودية والزواج؟ أليست المظاهر الاجتماعيّة هي الطاغية على الروحيّة إلى حدّ حجبها تماماً، أحياناً؟ أليست الموسيقى والثياب والزهور والزينة والحفلة والدعوات هي الأهمّ، والتي تُعطى الوقت والاهتمام وحتّى المال؟ نصرف للمصوّر مبلغاً طائلاً، ونستكثر على الكنيسة مبلغاً رمزياً قياساً بالمصاريف الأخرى!!! ماذا يعني هذا سوى أنّ وجداننا الأعمق لا يقيم وزناً لِما تتمّه الكنيسة لنا من بُعد روحي، وأنّ الوزن معطىً للمظاهر الاجتماعيّة!!
 اعتاد أجدادنا على تخصيص مكان لله في بيوتهم: زاوية الأيقونات والقنديل المضاء أمامها. هذا تقليد مسيحي شرقي أصيل وأساسي. أين هو اليوم؟ ما عدد البيوت التي يُضاء القنديل فيها عشيّة السبوت وأيام المحن والشدائد؟ أين صار تبخير الأيقونات؟ أو استخدام البخور في العبادة البيتيّة؟ ألا تحمل هذه التقاليد شعوراً حسيّاً بحضور الله، إن لم نقل، أكثر من ذلك: حضوراً روحيّاً يتخلّله حضور إلهي، ينغرس في قلب الأولاد، ولا يُمحى من ذاكرتهم؟ 
 ماذا نستنتج من هذه الأمثلة؟ أين ممارسة الشعب الروحيّة؟ لماذا لا يتجاوب الأكثرون مع الأنشطة الروحيّة؟ إن لم نقل إنهم لا يعطونها الأهمية اللازمة التي تحظى بها مطالبتهم بالاجتماعيات!! هل تقع المسؤوليّة هنا على الكهنة فقط؟ أين دور التربية المسيحيّة الحقّة؟ أين بيوتنا الروحانيّة التي تحيا بالتقوى وخوف الله والالتزام بالوصايا الإنجيليّة والصلاة، وتربّي عليها؟ أين دورنا آباء وأمهات وأجداداً وجدّات وكهنة ومؤمنين؟
 وللمقال تتمة