كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

قصة واقعية للتأمّل

سألني أحد الأصدقاء، بعدما أخبرته بالقصّة الواردة أدناه: "لماذا لا نلتقي بكهنة من هذا النوع؟". سأترك الجواب للقارئ. 
 بينما كنت أتصفّح أحد المواقع الأرثوذكسيّة، على الشبكة العنكبوتيّة، عثرت على هذه القصّة المليئة بالعِبَر الروحيّة، لمن يعتبر. أردت نقلها باختصار للقرّاء الكرام، لأنّي وجدت فيها جواباً عمليّاً على ما كنت قد عرضته في المقالين الأخيرين.
وردت هذه القصّة في  كتاب إلكتروني، صادر مؤخراً، في موسكو، باللغات الروسيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة، بعنوان: "قدّيس لكلّ يوم". ويحوي قصصاً واقعيّة وأخرى ذات دلالة. من بينها قصّة "المطران المبتدئ". والمقصود بلفظة "المبتدئ" الابتداء الرهباني Novice.
تدور القصّة حول المطران باصيل رودزيانكو، الذي رقد بالربّ في العام 19999. هذا، وُلد لعائلة روسيّة أرستقراطيّة، كان جدّه رئيس مجلس الدوما، ما اضطر العائلة إلى الهجرة القسرية في العام 1920، وكان مطراننا طفلاً.
 انتهت الوجهة بهم في صربيا. هناك نشأ وتعلّم، وتعرّف على شخصيات كنسيّة عظيمة، مِنْ أمثال مَنْ أضحى، في ما بعد، مطراناً ومن ثمّ قديساً، أعني القدّيس يوحنا ماكسيموفيتش. تزوّج صاحبنا هذا من فتاة أحبّها بعمق، واختار الكهنوت سبيلاً لخدمة شعبه، واتّخذ القدّيس فلاديمير شفيعاً له. رفض الهجرة من صربيا، بعدما استلم الشيوعيّون الحكم، خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، على الرغم من خطر الاعتقال، الذي كان محدقاً به، باعتباره كاهناً.
 وهذا ما حدث. فما أن استتبّ الوضع في يوغوسلافيا الجديدة، حتّى بدأت موجة الاضطهاد على الكنيسة تشتدّ. أُرسل إلى معسكر الاعتقال لمدّة ثماني عشرة سنة. لكن الخلاف الذي حصل بين رئيسي روسيا ويوغوسلافيا: ستالين وتيتو، جعل تيتو يطلق جميع الروس البيض من معسكرات الاعتقال، وينفيهم خارج البلاد. 
 اختار الأب فلاديمير باريس، بسبب وجود أبيه الروحي (المطران يوحنا ماكسيموفيتش) فيها. وهذا قَبِلَه بفرح، وبعد فترة، أرسله إلى لندن ليخدم رعية صربية صغيرة. تمتّع الأب فلاديمير بذكاء حادّ، ولمع في مجال التعليم، كما كان يتقن الروسيّة والصربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة، والبلغاريّة، وقليلاً من الرومانيّة، ما أهّله لتقديم برنامج ديني أرثوذكسيّ أسبوعيّ باللغة الروسيّة، عَبْرَ هيئة الإذاعة البريطانيّة BBC. 
دخل، في ستينيّات القرن الماضي،  في خبرة سيئة. فبعد فَقْده زوجته، دفعه حزنه عليها إلى معاقرة الفودكا، إلى درجة الإدمان. لم يبدُ عليه تأثير الكحول لأن قوّته الجسدية مكّنته من متابعة القيام بواجباته دونما خلل. لكن زوجته أتته، في الحلم، مرّة، لتوبخه بشدّة، وتُظهر له حزنها ممّا يعمله. استفاق من حلمه ليترك الكحول مرّة وإلى الأبد، متجاوزاً حزنه البشري. 
 اختار أنطوني بلوم، مطران لندن المعروف بعمقه الروحي، أباً روحيّاً جديداً له، بعد وفاة أبيه السابق. وهذا بدوره رشّحه، بعد فترة، ليصير أسقفاً في أميركا الشمالية، باعتباره مبشّراً ناجحاً. يتوجّب على الأسقف أن يكون راهباً قانونيّاً، قبل رسامته الأسقفية، بحسب التقليد الأرثوذكسي الروسي. وهذا ما صار. 
 عند تقديم اعترافه، قبل رسامته الرهبانية، قال لأبيه الروحي: "أفهم جيّداً كيف سأعيش نَذْرَيْ العفّة والفقر، لكنّي لا أفهم بعد كيف سأعيش نذر الطاعة. فالأسقف هو من يعطي التوجيهات والإرشادات والتعليمات، وتالياً فهو المُطاع؟
 صمت المطران أنطوني قليلاً، ومن ثمّ أجابه: "تعتبر نفسك راهباً مبتدئاً دوماً، وتطيع كلّ من يسألك خدمة، تقدر على تلبيتها". فأخذ الأب فلاديمير هذه الوصيّة بمثابة قانون طاعة، محاولاً تطبيقها طوال حياته المستقبليّة. رُسم راهباً، متّخذاً شفيعاً جديداً هو القدّيس باصيل, وتسمّى باسمه.
 اعتاد أن يزور وطنه الأمّ روسيا، مراراً خلال حياته الأسقفيّة. وحدث أن التقى مرّة بامرأة مسنّة، في أحد شوارع موسكو. هذه، توجّهت إليه حالما رأته، وهي تظنّه كاهناً، قائلة: "أرجوك يا أبونا، أن تبارك لي بيتي الصغير، فقد صار لي ثلاث سنوات، وأنا أطلب من كاهن الرعيّة مباركته، ولا يلبّي طلبي". 
 قَبِل طلبها على الفور، بناءً على نذر الطاعة الذي التزم به. فحاول مرافقه ثنيه عن الأمر، كونه غير ملزم به. فسألها: وأين يقع بيتك؟ فأجابته: ليس ببعيد. نأخذ الباص من أطراف موسكو، لمدّة أربعين دقيقة فقط! وهم كانوا في وسط موسكو. أي يحتاجون إلى ركوب المترو، أولاً، لنصف ساعة على الأقل، ومن ثمّ الباص. لم يتراجع الأسقف عن جوابه. فذهبوا جميعاً إلى الكنيسة أوّلاً، ليأخذ الألبسة الكهنوتيّة اللازمة لتتميم خدمة التبريك. ومن ثم ذهبوا إلى بيت هذه السيّدة، وكان مؤلّفاً من غرفة، مساحتها ثمانية أمتار مربّعة، في الطابق التاسع من بناء ضخم وقديم.
 أخبرت الأسقف، في الطريق، بأنّ أولادها وأحفادها، لا يتصلون بها ولا يهتمون لأمرها. بعد تبريك البيت قدّمت الشاي والكعك للأسقف ومرافقه، وقبل منها روبلاً قديماً، حتّى لا يجرح شعورها. فشكرته وقالت: الآن أستطيع أن أرقد بسلام، بعدما تبارك بيتي!!! 
 ألا تمتلك هذه العجوز، التي نشأت في ظلّ الاضطهاد الديني الشرس، وتربّت على الدعاية الإلحاديّة في المدرسة والمجتمع، حسّ التقديس والتقوى بشكل رفيع ومؤثر؟! ألا يكثُر الكهنة من أمثال هذا المطران، بقدر ما تكثر العائلات التي تمتلك هذا الحسّ التقديسي بأهميّة البركة الإلهيّة؟!
في العام 19900، وفيما كان في زيارة أخرى، التقى بكاهن شابّ، كان قد تخرّج من كليّة اللاهوت بدرجة مميّزة، لكنّه لم يتابع تعليمه العالي، لكي يخدم رعيّة مهملة في إحدى قرى منطقة كوستروما، ويرمّم كنيستها المتداعية، التي يعود بناؤها إلى القرن الثامن عشر. هذا، طلب من الأسقف أن يبارك كنيسته بإقامة القدّاس الإلهيّ فيها. وكعادته حاول المرافق تعطيل قبول الأسقف. كانت المسافة بين مكان وجودهم والكنيسة المقصودة، هذه المرّة، أبعد بكثير. ستمائة كيلو متر فقط!! أطاع الأسقف. وانطلق مع الكاهن والمرافق بالسيارة، بعد تأمين البدلة الأسقفيّة. 
 بعد عدة ساعات من انطلاقهم، تعطّل السير، بسبب حادث سير بين دراجة ناريّة وإحدى الشاحنات. عرف الأسقف بموت راكب الدراجة. فنزل من سيارته، وتوجّه إلى مكان الحادث، فوجد شابّاً يبكي بحرقةٍ أبيه الميت. فقال للشابّ: أنا كاهن أرثوذكسيّ. ثم سأله: هل كان والدك مؤمناً، حتّى أتلو له الصلوات اللازمة؟ فأجابه: نعم، نعم، بالتأكيد. أرجوك اتلُ الصلوات اللازمة. فقد كان أبي أرثوذكسيّاً مؤمناً جدّاً، وله أب روحي. لكنّه لم يكن يذهب إلى الكنيسة. 
 فسأله الأسقف باصيل، مستغرباً: كيف يكون له أب روحيّ، ولا يذهب إلى الكنيسة؟ فأجابه الشاب: كان أبي ملحداً. لكنّه كان يستمع بانتظام إلى حديث الأب رودزيانكو (الأسقف باصيل نفسه) الروحيّ الأسبوعي، عبر هيئة الإذاعة البريطانيّة. فاهتدى بواسطته إلى الإيمان، وصار يطيع كلّ ما يقوله هذا الأب، معتبراً إيّاه أباه الروحي.
سالت دموع الأسقف باصيل بغزارة، وهو يضع بطرشيله ليبدأ الصلاة لروح  ولده الروحي الذي كان مجهولاً بالنسبة له. 
 من كان يخطر بباله أنّ الله رتّب هذا اللقاء، حتّى لا يُحرم هذا الرجل من بركة أبيه الروحي!! إنّها مقاصد الله الخفيّة، التي قد لا تتكشّف لنا، في كلّ مرّة سريعاً، لكن لا يعني عدم انكشافها أنّ الله لا يتابعنا، بتفاصيل حياتنا، ليقودنا إلى الخلاص المرجو.