كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 يتبع لأبرشيّتنا الأنطاكيّة، في ألمانيا، كلّ من النمسا وهولندا وهنغاريا. ترعى الأبرشيّة أبناءنا الأنطاكيّين، إلى جانب جميع الناطقين بالعربيّة، من المتواجدين في تلك البلاد. دعت الحاجة الناجمة عن الحرب اللبنانيّة إلى تأسيس أوّل معتمديّة أنطاكيّة، في أوربا، في مطلع ثمانينيّات القرن الماضي. واختيرت باريس مركزاً لإقامة الأسقف المعتَمَد آنذاك، بعد سنوات قليلة من بدء الحرب اللبنانيّة، لكون فرنسا استقطبت أكثريّة المهاجرين اللبنانيّين. 
شملت رعاية الأسقف رعيّتين في  باريس، وواحدة في لندن، بالإضافة إلى الرعايا والتجمّعات الصغيرة من الأنطاكيين القادمين من لواء الإسكندرون، المتواجدة على الأرض الأوربيّة، وخاصّة في ألمانيا. في ثمانينيّات القرن الماضي، انضمّ عدد من الرعايا البريطانيّين الأنكليكان، إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة. 
 مع أواخر العقد الأوّل، من القرن الحالي، كانت الرعايا قد وصلت إلى ما يزيد عن ثلاث عشر في ألمانيا وحدها. وبان بأنّ الكثيرين ممّن يدرسون في أوربا، يختارون البقاء فيها، وأنّ قلّة قليلة من أهل اللواء، الذين أتوا في البدء، بنيّة العمل على تحسين مدخولهم، فضّلوا العودة إلى مسقط رأسهم. هذه بعض من الأسباب التي حَدَت بغبطة البطريرك الحالي، (راعي أبرشيّة أوربا سابقاً) وآباء المجمع الأنطاكي، إلى تأسيس ثلاث أبرشيّات ومعتمدية، في أوربا الغربيّة.
كنيستنا الأنطاكيّة، إذن في طور التأسيس هناك.  واقع الأبرشيّات الحالي يقول إنّها مكوّنة من عدد من الرعايا المستقرة، إلى جانب عدد من رعايا قيد التشكّل. لكنّ الأبرشيات لم تحصل، بعد، على الوجود المعنوي القانوني، باعتبارها جسماً كنسيّاً أبرشيّاً, كما هو الحال عندنا، أو عند بعض الأبرشيّات الأرثوذكسيّة، التي سبق وجودها وجودنا هناك، بسنوات كثيرة، كاليونان والروس والرومان. 
 يتبع لأبرشيّة ألمانيا حاليّاً ثلاث وعشرون رعيّة ، اثنان منها فقط تملك مبنى الكنيسة، أمّا الرعايا الباقية فإمّا قد استحصلت على كنيسة من الأبرشيات الكاثوليكيّة أو البروتستانتيّة، بمبلغ رمزي لسنوات عديدة، أو لاستعمال مؤقت. الوجود القانوني الرسمي للرعيّة يكون عبر مجلس الرعيّة، المسمّى جمعيّة. لماذا؟ لأنّ الأبرشيّة في طور التأسيس، فإنّ الرعيّة ماتزال، بحسب قانون الدول هناك، جمعيّة دينيّة. والجمعيّة تخضع، قانونيّاً، لقانون الجمعيّات النافذ في البلد.
 في ألمانيا، على سبيل المثال، حيث ارتفع عدد الرعايا، في السنوات العشر الأخيرة، يؤلّف عدد من ممّثلي الجمعيّات التابعة للأبرشيّة، برئاسة المطران، المجلس الأبرشي. وهو الذي ينظّم أمور الأبرشيّة الخارجة عن نطاق حياة الرعيّة، مثل وضع المطران ومعيشته، النشاطات الرعائيّة المشتركة، التواصل مع الكنيسة الأمّ، العلاقة مع الكنائس الأخرى ...إلخ.
 كانت الأبرشيّة لتنمو طبيعيّاً، لو بقيت مقتصرة على أبنائنا المقيمين على أراضيها. لكنّ الهجرة الكثيفة، الناجمة عن المأساة السوريّة، أثقلت كاهل الأبرشيّة، التي لم تكن مهيّأة لمواكبة تداعيات العدد الكبير الوافد عليها.
 تواجه الأبرشيّة حاليّاً ثلاث تحدّيات أساسيّة. يمكن تلخيصها بالتموضع في المجتمع والثقافة المحليين والتعاطي معهما، والتوجّه الكنسي القانوني، واستيعاب المهاجرين الجدد ورعايتهم. 
 بخصوص التحدّي الأول، بدأت طلائعه تظهر مع جيل المولودين على الأرض الأوربيّة. هؤلاء ينمون في ثقافة مختلفة عن ثقافة أهلهم. ففي حين ما يزال الأهالي، اللوائيين بخاصّة، يعيشون ضمن عائلات متماسكة ومترابطة، ويحيون عاداتهم وتقاليدهم، كما هي في مدن لواء الإسكندرون وقراه، فإنّ أولادهم، الذين تعلّموا في المدارس الألمانيّة، بدأوا ينهجون نهجاً ألمانيّاً في طرق معيشتهم. ليس أدّل على هذا التحدّي، من قضيّة لغة العبادة.
 فالكبار متمسّكون، بشدّة، باللغة العربيّة، مع أنّ معظم الآتين من تركيا الحاليّة يتكلّمونها دون إلمام بقراءتها وكتابتها. أمّا الجيل الجديد فيتكلّمها ببدائيّة، وتالياً لا يفهم لغة العبادة. في اجتماع لي مع بعض من الشبيبة الجامعيّة، بدا بوضوح عدم فهمهم حديثي بالعربيّة، وعندما استعملت الإنكليزيّة، تبيّن أنّهم لا يعرفون الكلمات والمصطلحات الدينية، حتّى البسيطة. ما اضطّر راعي الأبرشيّة إلى لعب دور الترجمان بيني وبينهم.
لا يقتصر التحدّي على اللغة طبعاً، بل يطال الرعاية بكلّيتها، والثقافة، والأخلاق....
 أمّا التحدّي الثاني، فقد بدأت الأبرشية بالسير في مواجهته، منذ أن كان غبطة البطريرك يوحنّا العاشر راعياً للأبرشيّة. الآن وبعد خطوات قُطعت، في مسيرة الحصول على الاعتراف القانوني الرسمي بالأبرشيّة، ممّا يجعلها قادرة على اتّباع القانون الأنطاكي، وتالياً النمو والتوسّع وامتلاك الأوقاف والمؤسّسات، تجد من هو غير مرتاح للأمر. يعتقد بعضهم أن سلطتهم، كجمعيّة قد تضعف. بينما يتوجسّ بعضهم خوفاً من إجبارهم على الخضوع لقانون الضريبة الديني، المعمول به في ألمانيا. مع أنّه اختياري، ويمكن للأبرشيّة أن لا تتبعه. الأسباب المعيقة لإتمام هذا المشروع عديدة، لكنّها، بالتأكيد، تحتاج إلى رعاية دؤوبة وصبورة، تقوم على معالجة ورعاية وشرح وتوضيح أهميّة هذه النقلة، لتصير الأبرشيّة قادرة على الانطلاق والتوسّع. 
 أمّا التحدّي الثالث فثقيل الوطأة. لأنّ معظم المهاجرين يحتاجون إلى المساعدة، على مستويات متنوّعة، ليس أقلّها المادّية. بينما الأبرشيّة غير مؤهلة إطلاقاً على التصدّي لهذه المسؤولية. يعتقد المهاجرون أنّ الكنيسة هناك، كما هنا؛ تملك اوقافاً وقادرة على المساعدة المادّية والمعنويّة والعمليّة، بينما الأمر بعكس ذلك. فالرعايا تؤمن مصاريفها من اشتراكات المؤمنين حصريّاً. مع أنّ المطران الحالي، وعدد من الآباء، يعملون، بلا كلل، في هذا المجال. وقد تأسّست بعض رعايا أو شبه رعايا من المهاجرين الجدد، لكن الحاجة تتطلّب خطّة عمل تبشيري رعائي، مستمرة ومنظّمة، وقائمة على رؤية وتخطيط، تحتضنها الكنيسة الأنطاكيّة كلّها، مع الأبرشيّة.
 لمست معاناة راعي الأبرشية على هذا الصعيد خصوصاً. فعندما يعجز عن تلبية طلب مهاجر ما، يتألّم بشدّة؛ وعندما يؤمّن المطلب، ويذهب هذا المهاجر دونما عودة، يكون ألمه أكثر. كثيرون منهم يعتبرون الكنيسة بيتهم الذي يؤمن متطلّباتهم، لا البيت الذي يتفاعلون معه أخذاً وعطاء. 
 تبقى بعض الخبرات الفرحة هنا وهناك. ففي مدينة "كولن"، حيث يقيم المطران، في بيت متواضع بالإيجار، كنيسة جميلة جدّاً، اشترتها الرعيّة، وحوّلتها، من الداخل، إلى الطراز الأرثوذكسي. وهي اليوم تضيق بعدد المؤمنين، الذين هم في ازدياد. منذ العام 1999 وأنا أقيم القدّاس الإلهي فيها، كلّما زرت ألمانيا، لكن مذاقه هذه المرّة كان مختلفاً. فقد أضفت الجوقة، المؤلّفة من عدد من الشابات والشبان السورييّن الجامعيّين، الذين يتقنون اللحن الأرثوذكسي، جوّاً خشوعيّاً رائعاً على الخدمة الإلهيّة.
لرعية مدينة "أوزنا بروك" كنيسة خاصّة حالياً، مع بيت للرعيّة، مستأجر  لعقود طويلة. بينما كانوا، في زيارتي الأولى يقيمون القدّاس، مرّة كلّ شهر في كنيسة كاثوليكيّة. 
في 20022 أراني رئيس جمعية مدينة "بوتسباخ" أرضاً، يتفاوض حول شرائها، لتكون كنيسة للرعية. اليوم باتت جاهزة للإكساء الداخلي والخارجي. ويلحق بها بيت للكاهن، وصالة سفليّة واسعة، بالإضافة إلى المبنى الرعوي الذي أقيم لتجميع الرعيّة، قبل البدء ببناء الكنيسة. 
 كاهن هذه الرعيّة، الأب نقولا، المتقن للموسيقا البيزنطيّة، يتابع تعليمها بواسطة الشبكة العنكبوتيّة "النت"، لعدد كبير من شبيبة الأبرشيّة. وقد اجتمعوا أكثر من مرّة ليقدّموا أمسيات روحيّة مرتّلة. 
في مدينة "إِسن" الجامعيّة،  ومنذ سنة، استضاف المطران الكاثوليكي، في كاتدرائيّته، راعي الأبرشيّة ليقيم قدّاسه الأوّل، الذي دعا إليه الشبيبة الأنطاكيّة الجامعيّة. حضره ثلاثمائة وعشرون شابّاً وشابّة مع عدد كبير من الأهالي المقيمين في الجوار. 
 أبرشيّة نامية وواعدة، رغم العوائق والصعاب الكثيرة. "في الضعف تفيض قوّتي" يقول الربّ. هذا ما تلمسه حقّاً في هذه الأبرشيّة التي تستأهل أن نسندها بكل ما نستطيع، حتّى تكون لنا بركة المساهمة في إيصال الخلاص بالمسيح، إلى كلّ العالم.