كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

تدعونا الكنيسة، في بدء الصوم، إلى الغفران. فالصوم مرتبط بسرّ الأخ ارتباطاً وثيقاً. إذ إنّه ليس مجرّد طقس أو ممارسة تَقَويّة، بل نمط حياة، يهدف إلى جعل الإنسان متيقّظاً إلى ذاته، وإلى علاقتها بالله وبالآخرين. من هنا يأتي الغفران شرطاً أساسيّاً لبلوغ الصوم، المرضيّ للربّ.
 يستصعب الناس الغفران، خاصّة، عندما لا يكونون هم المذنبين، أو، على الأقل، هكذا يعتقدون. يفيد في هذا المجال التكلّم قليلاً عن ماهيّة الغفران.
 ولنبدأ، أوّلاً، بما ليس هو الغفران. ليس الغفران تجاهلاً للآخر ونسياناً له، ولا هو ذكراً دائماً لتعدّياته، مترافقاً مع قناعة واهمة بصفح شخصي، ولا اعتقاداً داخليّاً بعدم النقمة على المسيء، شرط عدم رؤيته.
 أن تغفر، يعني أن تستعيد علاقة الحبّ التي فقدتها، مع من خاصمته. يمزّق الخصام هذه العلاقة، ويقوم، عادةً، على وجود إساءات، وغالباً ما تكون متبادلة. أنت ترتكب خطيئة عندما تسيء إلى أيّ إنسان، أيّاً يكن بالنسبة إليك. الخطيئة تهتك العلاقة، وتدمّر الشركة القائمة بينك وبين غيرك.
 عندما تحصل الإساءة، يميل المرء إلى تبرير ذاته، وإلقاء اللوم على غيره. يريد أن يجعل الحقّ كلّه على الآخر، ولا يجد أيّ سوء أو خطأ في ذاته. هذا ليس بصحيح. ما من علاقة تسوء إلا وفيها إساءة، مقصودة أو غير مقصودة، من الطرفين. لكن، غالباً، ما يضخّمها أحدهما، جاعلاً إيّاها متَعَمَّدة، ويصرّ على تفسيره، ولا يُبقي للتوضيح والاعتذار محلاً. فيغدو، عنده، الغفران، ومعه المصالحة، شبه مستحيلين. 
 يعني الغفران تجاوز الفعل المُسيء وتخطّيه، ولا يعني تبريره أو اعتباره صحيحاً، ولا تبرير ردّ الفعل الغاضب أو الخاطئ. أنت ترى الخطأ، ولا تقف عنده، لئلا يملؤك بالغيظ والغضب، فلا تعود ترى الشخص المسيء، وإنّما إساءته فقط. الغيظ سرطان مدمّر لنا. بقدر ما نغذّي الغضب والابتعاد، يتعمّق توطّن الغيظ في قلوبنا، ويغذّي نفوسنا. آنذاك تتآكلنا الكراهية والمشاعر البغيضة، وتفتح المجال لاحتلال الكبرياء الداخليّة لقلوبنا وسيطرتها علينا، بدعوى الكرامة والتبرير الشخصيّ وما إلى ذلك. 
 في هذه الحال، يصير الإنسان مقفلاً على كلّ محاولة للمصالحة، أو لإصلاح ذات البَين. يصبح سجين خطيئته، ويحجب نعمة الله الرحيم الغفور عنه.
 يعني الغفران أن لا تحاكم الآخر، وأن لا تردّ على أفعاله الخاطئة بمثلها. أنت تترك الحكم عليه لله. من جهتك ترى إساءته، لكنّك تَعْبُر عنها. وإنْ كنت محبّاً حقّاً، تجد له التبرير والدوافع التي جعلته هكذا. يعني الغفران أن تحاول رؤية الآخر، كما هو، في الواقع، بقوته وضعفه، بخطاياه وعيوبه، وأن تحبّه ببساطة. يعني أن تميّز بين الشخص وبين ضعفه، فتقبله كما هو، بعجره وبجره. محبّتك له تجعلك تتجاوز عن سيئاته، كما تصلّي كلّ يوم إلى ربّك: "تجاوز عن سيئاتنا". وعيك لضعفك الشخصي أمام الخطيئة يساعدك في تقبّل ضعف الآخر وأخطائه، وتالياً ينمّي فيك روح الغفران. أنت قادر على تغيير نفسك فقط، فاترك لله العمل على تغيير غيرك. وكن مطواعاً لله، الذي قد يستخدمك أحياناً.
 يجعلك الغفران شبيهاً بالله، الذي يغفر لأنّه يحبّ. صورته في الإنجيل، في شخص الأب الحنون، الذي استقبل ابنه الضالّ التائب، عندما عاد. فلم يعاتبه، ولم يؤنّبه. فرحته بعودته أزالت كلّ أخطائه السالفة. 
انتبه إلى أن لا تصنّف المسيء إليك. تصنفيك له هو اللبنة  الأولى، في مدماك جدار الفصل بينكما. التصنيف يغذّي المشاعر السيئة، ويحوّلها إلى كراهية، فبغضٌ يقتلك أنت قبل غيرك. غالباً ما يرد التصنيف في سياق التبرير، وشرح ما جرى. من هنا، انتبه إلى أن تتكلّم مع ساعي الخير بهدوء، ودونما انفعال، وتترك للإصغاء فسحة تمكّنك من قبول مصارحته بخطئك، و توضيح دورك.
 كثيراَ ما يخفي استمرار الهجوم على الخصم، والتذكير بعيوبه، رغبة لا واعية في التقرّب منه. إنّها محبّتك له، تلك التي تمنعها الكبرياء من التصريح عن ذاتها، فتبقى في الداخل، وتعوّض عن ظهورها العلني، بمتابعة سيرة الآخر، والتحدث عن أخطائه. هذه إن أفسحت لها مجالاً، لكي ترى فيه الحسنات لا السيئات، تخلخل العناد، الذي يمنعك من ملاقاته، وتودي بك إلى الغفران والمصالحة. 
 يكتمل الغفران بالمصالحة. تعني المصالحة استعادة العلاقة بينك وبين خصمك. إن ظلّ رافضاً لها، فاحفظ نفسك من ردّة فعله. وابقَ حاضراً، قلبيّاً وفعليّاً، إلى لقائه، عندما يحنّ ويبدي إشارة إيجابيّة. ليس من الضروري أن تعود العلاقة إلى الشكل، الذي كانت عليه سابقاً، خاصّة إذا أظهر المسيء إصراراً على مواقفه، وتشبثاً بخصاله السيئة. تتركه لله الذي ينظر فيه، أمّا قلبك فليكن نقيّاً صافياً تجاهه. وشخصك حاضراً لخدمته في أيّ وقت كان هو بحاجة إليك.
 إذا استصعبت الغفران لشخص ما، فاذكره باسمه في صلاتك، يوميّاً، قائلاً :"يا ربّي يسوع المسيح ارحم عبدك فلان". تحنّن الصلاة قلبك عليه، فتقترب من الغفران المنشود. أعرف أناساً لا يستطيعون حتّى ذكر الاسم في صلاتهم. هؤلاء حالهم تستدعي الشفقة روحيّاً، لأنّهم تركوا نفوسهم مطيّة سهلة لشيطان الحقد، القاتل لصاحبه. لا تسمح لنفسك بأن تصل إلى هذه الحافّة الخطرة. بل بادر سريعاً إلى ذكر من أزعجك، أو آساك في صلاتك. 
 انتبه إلى أن لا تذكر عيوبه في صلاتك متوهّماً، بأنّك تطلب له الغفران. قد يدفعك الغرور اللابس لبوس الشفقة، إلى هذه الصلاة، بمعنى أنّك تشفق عليه، وتعتبره هالكاً، وأنت المخلَّص له. في هذه الحالة، يكون الغرور، الخفيّ المعشش فيك، هو الذي يدفعك إلى الصلاة، على غرار الفرّيسي، الذي "نزل إلى بيته غير مبرّر". اذكره باسمه طالباً له الرحمة، في صيغة صلاة يسوع، فقط. 
 صفِّ قلبك من كلّ ضغينة. وادخل زمن الصوم بنقاء، لتعاين القيامة وأنت بعد في الجسد.